हमयान ज़ाद
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ خذ العفو } ما يتيسر من الناس بلا كلفة من أفعال الناس وأقوالهم وأخلاقهم، أى اقبله منهم ولا تكلفهم أن يعاملوك بما يشق عليهم فيملوا، وتتولد العداوة، ويزيدوا منك ما يشق عليك، أو ما لا يقبله الدين، وتضمن ذلك قبول عذرهم، والغض عن مصايبهم، وقيل العفو ما فضل عن نفقة النفس ونفقة العيال، وقيل ما يتيسر من صدقاتهم، وعليهما فهذا منسوخ بآية الزكاة، ووجه نسخه أنه أمر بأخذ ذلك، وأمروا بتسليمه ولا بد، ولما نزلت الزكاة لم يجب عليهم غيرها، وعليهما تفسير العفو بالفضل والزيادة، كقولك عفا الشعر والنبات، فانما لم يحتج اليه العيال، وما سهل من الصدقة فضل وزائد. وقال مجاهد، فيما ذكر مكى العفو الزكاة وهو شاذ يلزم منه فرض الزكاة فى مكة وإشاعتها فيها، وقيل العفو عمن أساء إليك، أى تمسك بالعفو عنه، ولا تعاقبه، وهذا لا ينسخ، وأما إن أريد العفو عن المذنبين مطلقا فمنسوخ بآيات الحدود والقتال. { وأمر بالعرف } محاسن الأخلاق والأمور الشرعية، كقول لا إله إلا الله،
" روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل " ما هذا العرف الذى آمر به }؟ فقال لا أدرى حتى أسأل العالم، فرجع إلى ربه فسأله، ثم جاء فقال يا محمد هو أن تعطى من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك ".
وهذا تمثيل بالغاية والمراد هذا وما دونه من فعل الخير، كما قال له بعض، وقرأ عيسى الثقفى، فيما ذكر أبو حاتم بضم العين والراء، والجمهور على إسكانها، وكلاهما بمعنى المعروف. { وأعرض عن الجاهلين } المشركين، أى لا تجادلهم ولا تقاتلهم، ثم نسخ بآية القتال كذا قالوا، قال صاحب كتاب الناسخ والمنسوخ هذه الآية من عجيب المنسوخ، أولها منسوخ، وآخرها منسوخ، ووسطها محكم، وقال ابن زيد الآية كلها مداراة لكفار قريش، ثم نسخت بآية السيف، وأقول لا نسخ فى الآية لجواز أن يكون العفو ما يسهل على الناس من قول حسن وفعل حسن، وخلق حسن، والإعراض عن الجاهلين الصبر وعدم المجازاة على ما أساءوا به إليه، وذلك مأمور به أبدا، ولا وجه لنسخ الأمر بالعرف. وأيضا يحتمل أن يكون معنى { خذ العفو } قيل من الناس ما تفضل به عليك ولا تردده عليهم فتنكسر قلوبهم، وهذا لا يدخله النسخ، وقد صح أنه يقبل الهدية لا الزكاة، ثم رأيت لبعضهم أن الجمهور يقولون إن الإعراض عن الجاهلين أمر مستمر فى الناس ما بقوا، ويدل على عدم نسخ الآية أن الحر بن قيس احتج بها على عمر فاقروه على احتجاجه، ووقف عندها، قال جار الله وعن جفعر الصادق أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس فى القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، وفى الحديث
" إن الله سبحانه بعثنى لتمام مكارم الأخلاق وتمام محاسن الأفعال "
ويأتى كلام فى خلقه إن شاء الله.
[7.200]
{ وإما } إن الشرطية وما المؤكدة أبدلت النون ميما وأدغمت { ينزغنك من الشيطان } ينخسنك بالوسوسة فى قلبك، شبهها بنخس الدابة، ففى ينزغ استعارة تبعية تصريحية، وقل ما يستعمل النزغ إلا فى فعل الشيطان، وقال الزجاج النزغ أدنى حركة يكون، ومن الشيطان أدنى وسوسة، وقيل النزغ حركة فيها فساد، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم
" لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان فى يده "
على أن النزغ فى يده حقيق، وبه أشار إلى أخيه بالسلاح، لكن يحتمل الوسوسة فى القلب، وأوقعه على اليد لظهور أثرها فى البلد. { نزغ } بأن أمرك بخلاف ما أمرت، وقيل المراد التأثير الغضب، وكانت الكفرة تواجهه بما يغضبه، وقد روى أنه لما نزل { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال " فكيف فى الغضب يا رب " فنزل { وإما ينزغنك من الشيطان } إلى { عليم } وإنما أسند النزغ إلى نزغ مبالغة، كقولك جد جده بضم دال جده، وصام صومه بضم ميم صومه. { فاستعذ بالله } اعتصم به أن يدفعه { إنه سميع } لدعائك مطلقا، أو لاستعاذتك، أو باقوال من آذاك { عليم } بحالك، أو بما فيه صلاحك فيوفقك إليه، أو بافعال من يؤذيك فيعاقبه عليها، معينا لك عن الانتقام، ومتابعة الشيطان، واستدل ابن القاسم بالآية على أن الاستعاذة عند القراءة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وليس كذلك، بأن قوله إنه سميع عليم كلام آخر تعليل لأمره بالاستعاذة وبقوله قالت النكار، وقد روى أن جبريل نهى النبى صلى الله عليه وسلم عنه وإنما يقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما يتبادر من قوله عز وجل
وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم
अज्ञात पृष्ठ