मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
اختلف العلماء بالذكر في هذه الآية في حكم المحصر بمرض أو بعدو هل هذا المحصر في هذه الآية بعدو أو بمرض فقالت طائفة المحصر هنا بالعدو وقالت طائفة المحصر هنا بالمرض وقال قوم المحصر الممنوع عن الحج أو العمرة بأي نوع كان من المنع بمرض أو بعدو أو غير ذلك وهو الظاهر وبه أقول مراعاة للقصد وما أوقع الخلاف إلا فهمهم في اللسان لأنه جاء في الآيه بالوزن الرباعي ونقل أنه يقال حصره المرض وأحصره العدو فأما المحصر بالعدو فاتفق الجمهور على أنه يحل من عمرته وحجه حين أحصر وقال الثوري والحسن بن صالح لا يحل إلا يوم النحر وبالأول أقول وهو أن يحل حين أحصر غير أني أزيد هنا شيئا لم يره من وافقنا إلا في الإحلال حين الإحصار وهو أن المحرم إن كان قال حين أحرم أن محلي حيث تحبسني كما أمر فلا هدي عليه ويحل حيث أحصر وإن لم يقل ذلك وما في معناه فعليه الهدي أو على غير شرطنا فيما أحصر عنه من حج أو عمرة فقال بعضهم لا هدي عليه وإن كان معه هدي تطوع نحره حيث أحل وبنحر الهدي المتطوع به حيث أحل أقول وقال بعضهم بإيجاب الهدي عليه واشترط بعضهم ذبح الهدي الواجب بالحرم وأما الإعادة فمن العلماء من لا يرى عليه إعادة وبه أقول في حج التطوع وعمرته إن كان عليه في ذلك حرج فإن لم يكن عليه فيه حرج فليعد وأما الفريضة فلا تسقط عنه إلا إن مات قبل الإعادة فيقبلها الله له عن فريضته وإن لم يحصل منه إلا ركن الإحرام بل ولو لم يحصل منه إلا القصد والتعمل وقال بعضهم إن كان أحرم بالحج فعليه حجة وعمرة وإن كان قارنا فعليه حجة وعمرتان فإن كان معتما قضى عمرته ولا تقصير عليه واختار بعض من يقول بهذا القول التقصير وقد حكى بعضهم الإجماع على أن المحصر بمرض وما أشبهه عليه القضاء ولكن لا أدري أي إجماع أراد فإن إطلاق الفقهاء لفظة الإجماع قد تجاوزوا بها حدها الأول إلى غيره فقد يطلقون الإجماع على اتفاق المذهبين ويطلقونه على اتفاق الأربعة المذاهب ولكن ما هو الإجماع الذي يتخذ دليلا إذا لم يوجد الحكم في كتاب ولا سنة متواترة فهذا قد ذكرنا من اختلافهم في هذه المسئلة ما ذكرناه وتركنا ما لا يحتاج إليه في هذا الوقت فلنرجع إلى طريقنا فنقول قوله تعالى ' أحصرتم ' هو من أحصر لا من حصر يقال فعل به كذا إذا أوقع به الفعل فإذا عرضه لوقوع ذلك الفعل يقال فيه أفعل ومثاله ضرب زيد عمرا إذا أوقع به الضرب وأضرب زيد عمرا إذا جعله يضرب غيره وفي اللسان أحصره المرض وحصره العدو بغير ألف فهو في المرض من الفعل الرباعي وفي العدو من الفعل الثلاثي فالعبد لما كان محل ظهور الأفعال الإلهية فيه وما تشاهد في الحس إلا منه ولا يمكن أن يكون إلا كذلك نسب الله الفعل للعبد ونسب الناس الفعل للمخلوق وإن كان لصاره الحق لذلك فصار فنسبة صار تجعل الفعل للعبد ونسبة أصار تجعل الفعل لله فمن راعى أصار لم يوجب عليه الهدي لأن الأصل عدم الفعل من العبد ومن راعى إصاره الحق فصار أوجب عليه الهدي ولهذا فصلنا نحن في ذلك فقلنا إن قال محلي حيث يحبسني فقد تبرأ العبد من حكم الحصر فلا هدي عليه وإن لم يقل كان الهدي عليه عقوبة للترك فالفعل من المخلوق للعبد ظهور الفعل منه بالاختيار والقصد والمباشرة حقيقة مشهودة للبصر والفعل من المخلوق من كون الحق أصاره إلى ذلك فكان له كالآلة للفاعل والآلة هي المباشرة للفعل وينسب الفعل لغير الآلة بصرا وعقلا فيقال زيد الضارب والمباشر للضرب والذي يقع به الضرب إنما هو السوط لا زيد هكذا أفعال العباد فهم للحق كالآلة لزيد النجار أو الحائك أو الخائط أو ما كان وبهذا القدر تعلق الجزاء والتكليف لوجود الاختيار من الآلة والأصل الغفلة الغالبة وهي مسئلة دقيقة في غاية الغموض ولا دليل في العقل يخرج الفعل عن العبد المخلوق ولا جاء به نص من الشارع لا يحتمل التأويل فالأفعال من المخلوقين مقدرة من الله ووجود أسبابها كلها بالأصالة من الله وليس للعبد ولا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلا من حيث ما هو مظهر لها ومظهر اسم فاعل واسم مفعول يقال في الصنع إذا اختل في صنعته شيء لعدم مساعدة الآلة مع علمه بالصنعة قد أخل منها بكذا وكذا أو يستفهم لم أخللت بها مع علمنا بأنك عالم بها فيقول لم تساعدني الآلة على إبراز ما كان في علمي ويقول المصنوع ما قصر لظهور عينه لا لقصد الصانع فمن حيث الصنعة في المصنوع ما اختل شيء ومن حيث مصنوع ما كان المراد سواه إذا كان الصانع المخلوق اختل فإن كان الخالق فما اختل في الصنعة شسيء لأن الكل مقصود لعدم قصور تعلق الإرادة فكل واقع وغير واقع مراد للحق أراد الله إيجاد عرض ما ولم يرد إيجاد محل يقوم به هذا العرض فلم يمكن إيجاد ذلك العرض ما لم يكن المحل فلا بد من وجود المحل إذ كان لا بد من وجود العرض فوجود العرض عن إيجاد اختياري ووجود المحل عن إيجاد غير اختياري ولا يجوز أن يكون اضطراريا إذ كان لا بد من وجود ذلك العرض فاضطرار الكون من حقيقة عدم هذا الاختيار المحقق فتفطن فإنك إن لم تعرف الأمور من جهة حقائقها لم تعرف أن العالم خرج على صورة الحق يرتبط ما فيه من الحقائق بالحقائق الإلهية وهذا مدرك صعب عليه حجب كثيرة لا ترتفع بفكر ولا بكشف فالأمر دائر بين تأثير حق في خلق وخلق في حق قال تعالى ' أجيب دعوة الداعي إذا دعاني ' وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله فللناقة شرب أعني ناقة صالح ولكم شرب يوم معلوم ضرب مثال لقوم يعقلون وما منا إلا له مقام معلوم فالحصر عم الوجود فكل موجود موصوف بحصر ما فهو محصر من ذلك الوجه وقد أبنت لك ما لا يقدر على دفعه كشف ولا دليل عقل نظري والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
وصل في فصول أحكام القاتل للصيد في الحرم وفي الإحرام
पृष्ठ 864