मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
اتفقوا على ذلك وهو اتفاق أهل الله أيضا في اعتباره ومعناه قال بعضهم الزاهد صيد الحق من الدنيا والعارف صيد الحق من الجنة فمال الزاهد إلى قوله ' وما عند الله خير وأبقى ' ومال العارف إلى قوله ' والله خير وأبقى ' فالخلق صيد للحق صادهم من نفوسهم برا أو بحرا وسأبين ذلك إن شاء الله فاعلم أن الحق تعالى نصب حبالات صيد النفوس الشاردة عما خلقت له من عبادته ثم خدعهم بالحب الذي جعل لهم في تلك الحبالات أو الطعوم أو ذوات الأرواح المشبهة لهم في الحياة جعلها مقيدة في الحبالات من حيث لا يشعر الناظرون إليها فمن الصيد من أوقعه في الحبالة رؤية الجنس طمعا في اللحوق بهم ليرى ما هم فيه فصار في قبضة الصائد فقيده وهو كان المقصود لأنه مطلوب لعينه ومن الصيد من أوقعه الطمع في تحصيل الحب المبذور في الحبالة ثم إن الصائد له تصافير يحكي بها أصوات الطير إذا سمعها الطائر نزل فوقع في الحبالة فهو بمنزلة من سمع نداء الحق فأجاب فهذا لم يصد بالإحسان والآخر أحسن إليه بالحب المبذور في الحبالة فأبصره فقاده الإحسان فرمى بنفسه عليه فصاده فلولا الإحسان ما جاء إليه فمجيئه معلول والبر هو المحسن والإحسان والحق غيور فما أراد من هذه الطائفة الخاصة الذين جعلهم الله حراما ليكونوا له أن يجعلهم عبيد إحسان فيكون للإحسان لا له ولهذا دعاهم شعثا غبرا مجردين من المخيط ملبين لإجابته بالإهلال كما لجأ الطائر لصوت الصائد فحرم عليهم لمكانتهم صيد البر الذي هو الإحسان ما داموا حرما حلالا في المكان الحلال والحرام وسكانا في الحرام وإن كانوا حلالا أو حراما فحيث ما كانت الحرمة امتنع صيد الإحسان فإن الله من صفاته الغيرة فلم يرد أن يدعو هذه الطائفة المنعوتين بالإحرام من باب النعم والإحسان فيكونوا عبيد إحسان لا عبيد حقيقة فإنه استهضام بالجناب الإلهي فقال من صحبك لغرض انقضت صحبته بانقضائه وصحبة العبد ربه ينبغي أن تكون ذاتية كما هي في نفس الأمر لأنه لا خروج للعبد عن قبضة سيده وإن أبق في زعمه فما خرج عن ملكه وهو جاهل بملك سيده لأنه حيث ما مشى في ملكه مشى فما خرج عن ملك سيده ولا ملكه فلله ملك السموات والأرض فلهذا حرم على الحاج صيد البر وهو قوله صلى الله عليه وسلم حبوا الله لما يغذوكم به من نعمه خطابا منه لعبيد الإحسان حيث جهلوا مقاديرهم وما ينبغي لجلال الله من الانقياد بالطاعة إليه ولم يحرم صيد البحر على المحرم مادام محرما لأن صيد البحر صيد ماء وهو عنصر الحياة الذي خلق الله منه كل شيء حي والمطلوب بإقامة هذه العبادة وغيرها إنما هو حياة القلوب كما قال أومن كان ميتا فأحييناه في معرض الثناء بذلك فإذا كان المقصود حياة القلوب والجوارح بهذه العبادة وبالعبادات كلها ظاهرها وباطهنا فوقعت المناسبة بين ما طلب منه وبين الماء فلم يحرم صيده أن يتناوله ولهذا جاء بلفظ البحر لاتساعه فإنه يعم وكذلك هو الأمر في نفسه فإنه ما من شيء من خلقه إلا وهو يسبح بحمده ولا يسبح إلا حي فسرت الحياة في جميع الموجودات فاتسع حكمها فناسب البحر في الاتساع فلهذا أضافه إلى البحر ولم يقل إلى الماء لمراعاة السعة التي في البحر فصيد البحر حلال للحلال وللحرام .
وصل في فصل صيد البر إذا صاده الحلال هل يأكل منه المحرم أم لا
पृष्ठ 819