मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة يختلف حكمها باختلاف أحوال المصلي إذا كان المصلي مخلوقا والمصلى له وتختلف باختلاف المصلي عليه إذا كان المصلي هو الله تعالى فأما الأول فمعلوم أن الإنسان محل التغيير واختلاف الأحوال عليه فتختلف صلاته لاختلاف أحواله وقد تقدم من اختلاف أحوال المصلين ما قد ذكرناه في هذا الباب مثل صلاة المريض وصلاة الخائف وأن اختلافها باختلاف حال المصلي من أجله مثل صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء وأما اختلافها باختلاف المصلي عليه فمثل صلاة الحق على عباده قال تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه فسأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية الصلاة التي أمرهم الله أن يصلوها عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أي مثل صلاتك على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فهذا يدلك على اختلاف الصلاة الإلهية لاختلاف أحوال المصلي عليهم ومقاماتهم عند الله ويظهر من هذا الحديث فضل إبراهيم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلب أن يصلي عليه مثل الصلاة على إبراهيم فاعلم أن الله أمرنا بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمرنا بالصلاة على آله في القرآن وجاء الإعلام في تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا الصلاة عليه بزيادة الصلاة على الآل فما طلب صلى الله عليه وسلم الصلاة من الله عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث أعيانهما فإن العناية الإلهية برسول الله صلى الله عليه وسلم أتم إذ قد خص بأمور لم يخص بها نبي قبله لا إبراهيم ولا غيره وذلك من صلاته تعالى عليه فكيف يطلب الصلاة من الله عليه مثل صلاته على إبراهيم من حيث عينه وإنما المراد من ذلك ما أبينه إن شاء الله وذلك أن الصلاة على الشخص قد تصلى عليه من حيث عينه ومن حيث ما يضاف إليه غيره فكان الصلاة من حيث ما يضاف إليه غيره هي الصلاة من حيث المجموع إذ للمجموع حكم ليس للواحد إذا انفردوا علم أن آل الرجل في لغة العرب هم خاصته الأقربون إليه وخاصة الأنبياء وآلهم هم الصالحون العلماء بالله المؤمنون وقد علمنا أن إبراهيم كان من آله أنبياء ورسل لله ومرتبة النبوة والرسالة قد ارتفعت في الشاهد في الدنيا فلا يكون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته نبي يشرع الله له خلاف شرع محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسول وما منع المرتبة ولا حجرها من حيث لا تشريع ولاسيما وقد قال صلى الله عليه وسلم فعين حفظ القرآن أن النبوة أدرجت بين جنبيه أو كما قال صلى الله عليه وسلم وقال في المبشرات أنها جزء من أجزاء النبوة فوصف بعض أمته بأنهم قد حصل لهم المقام وإن لم يكونوا على شرع يخالف شرعه وقد علمنا بما قال لنا صلى الله عليه وسلم إن عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما مقسطا عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا نشك قطعا أنه رسول الله ونبيه وهو ينزل فله عليه السلام مرتبة النبوة بلا شك عند الله وما له مرتبة اللتشريع عند نزوله فعلمنا بقوله صلى الله عليه وسلم إنه لا نبي بعدي ولا رسول وإن النبوة قد انقطعت والرسالة إنما يريد بهما التشريع فلما كانت النبوة أشرف مرتبة وأكملها ينتهي إليها من اصطفاه الله من عباده علمنا أن التشريع في النبوة أمر عارض بكون عيسى عليه السلام ينزل فينا حكما من غير تشريع وهو نبي بلا شك فخفيت مرتبة النبوة في الخلق بانقطاع التشريع ومعلوم أن آل إبراهيم من النبيين والرسل الذين كانوا بعده مثل إسحق ويعقوب ويوسف ومن انتسل منهم من الأنبياء والرسل بالشرائع الظاهرة الدالةعلى أن لهم مرتبة النبوة عند الله أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق أمته وهم آله العلماء الصالحون منهم بمرتبة النبوة عند الله وإن لم يشروعوا ولكن أبقى لهم من شرعه ضربا من التشريع فقال قولوا اللهم صلى الله عليه وسلم على محمد وعلى آل محمد أي صل عليه من حيث ماله آل كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم أي من حيث أنك أعطيت آل إبراهيم النبوة تشريفا لإبراهيم فظهرت نبوتهم بالتشريع وقد قضيت أن لا شرع بعدي فصل علي وعلى آلي بأن تجعل لهم مرتبة النبوة عندك وإن لم يشرعوا فكأن من كمال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ألحق آله بالأنبياء في المرتبة وزاد على إبراهيم بأن شرعه لا ينسخ وبعض شرع إبراهيم ومن بعده نسخت الشرائع بعضها بعضا وما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه على هذه الصورة إلا بوحي من الله وبما أراه الله وأن الدعوة في ذلك مجابة فقطعنا أن في هذه الأمة من لحقت درجته درجة الأنبياء في النبوة عند الله لا في التشريع ولهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكد بقوله فلا رسول بعدي ولا نبي فأكد بالرسالة من أجل التشريع فأكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن جعل آله شهداء على أمم الأنبياء كما جعل الأنبياء شهداء على أممهم ثم أنه خص هذه الأمة أعني علماءها بأن شرع لهم الاجتهاد في الأحكام وقرر حكم ما أداه إليه اجتهادهم وتعبدهم به وتعبد من قلدهم به كما كان حكم الشرائع للأنبياء ومقلديهم ولم يكن مثل هذا لأمة نبي ما لم يكن نبي يوحى منزل فجعل الله وحي علماء هذه الأمة في اجتهادهم كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم لتحكم بين الناس بما أراك الله فالمجتهد ما حكم إلا بما أراه الله في اجتهاده فهذه نفحات من نفحات التشريع ما هو عين التشريع فلآل محمد صلى الله عليه وسلم وهم المؤمنون من أمته العلماء مرتبة النبوة عند الله تظهر في الآخرة وما لها حكم في الدنيا إلا هذا القدر من الاجتهاد المشروع لهم فلم يجتهدوا في الدين والأحكام إلا بأمر مشروع من عند الله فإن اتفق أن يكون أحد من أهل البيت بهذه المثابة من العلم والاجتهاد ولهم هذه المرتبة كالحسن والحسين وجعفر وغيرهم من أهل البيت فقد جمعوا بين الأهل والآل فلا تتخيل أن آل محمد صلى الله عليه وسلم هم أهل بيته خاصة ليس هذا عند العرب وقد قال تعالى أدخلوا آل فرعون يريد خاصته فإن الآل لا يضاف بهذه الصفة إلا للكبير القدر في الدنيا والآخرة فلهذا قيل لنا قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم أي من حيث ما ذكرناه لا من حيث أعيانهما خاصة دون المجموع فهي صلاة من حيث المجموع وذكرناه لأنه تقدم بالزمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت أنه سيد الناس يوم القيامة ومن كان بهذه المثابة عند الله كيف تحمل الصلاة عليه كالصلاة على إبراهيم من حيث أعيانهما فلم يبق إلا ما ذكرناه وهذه المسئلة هي عن واقعة إلهية من وقائعنا فلله الحمد والمنة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ' علماء هذه الأمة كأنبياء سائر الأمم ' وفي رواية ' أنبياء بني إسرائيل ' وإن كان إسناد هذا الحديث ليس بالقائم ولكن أوردناه تأنيسا للسامعين أن علماء هذه الأمة قد التحقت بالأنبياء في الرتبة وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في قوم يوم القيامة تنصب لهم منابر يوم القيامة ليسوا بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء ويعني بالشهداء هنا الرسل فإنهم شهداء على أممهم فلا نريد بهؤلاء الجماعة من ذكرناهم وغبطهم إياهم فيما هم فيه من الراحة وعدم الحزن والخوف في ذلك الموطن والأنبياء والرسل وعلماء هذه الأمة الصالحون الوارثون درجات الأنبياء خائفون وجلون على أممهم وأولئك لم يكن لهم أمم ولا اتباع وهم آمنون على أنفسهم مثل الأنبياء على أنفسهم آمنون وما لهم أمم ولا أتباع يخافون عليهم فارتفع الخوف عنهم في ذلك اليوم في حق نفوسهم وفي حق غيرهم كما قال تعالى ' لا يحزنهم الفزع الأكبر ' يعني على نفوسهم وغيرهم من الأنبياء والعلماء ولكن الأنبياء والعلماء يخافون على أممهم وأتباعهم ففي مثل هذا تغبطهم في ذلك الموقف فإذا دخلوا الجنة وأخذوا منازلهم تبينت المراتب وتعينت المنازل وظهو عليون لأولي الألباب فهذه مسئلة عظيمة الخطر جليلة القدر لم نر أحدا ممن تقدمنا تعرض لها ولا قال فيها مثل ما وقع لنا في هذه الواقعة إلا إن كان وما وصل إلينا فإن لله في عباده أخفياء لا يعرفهم سواه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل فقد تبين لك أن صلاة الحق على عباده باختلاف أحوالهم فالله يجعلنا من أجلهم عنده قدرا ولا يحول بيننا وبين عبوديتنا وتلخيص ما ذكرناه هو أن يقول المصلي اللهم صل على محمد بأن نجعل آله من أمته كما صليت على إبراهيم بأن جعلت آله أنبياء ورسلا في المرتبة عندك وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم بما أعطيتهم من التشريع والوحي فأعطاهم الحديث فمنهم محدثون وشرع لهم الاجتهاد وقرره حكما شرعيا فأشبهت الأنبياء في ذلك فحقق ما أومأنا إليه في هذه المسئلة تر الحق حقا انتهى الجزء الخمسون .
पृष्ठ 663