मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
قد مد خطوته في غير طاعته . . . ولم يزل في هواه خالعا وسنه اعلم أنه إنما سمى هذا اليوم يوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم لرب العالمين في النشأة الآخرة التي ذكرناها في البرزخ في الباب الذي قبل هذا الباب ولقيامهم أيضا إذا جاء الحق للفصل والقضاء والملك صفا صفا قال الله تعالى ' يوم يقوم الناس لرب العالمين ' أي من أجل رب العالمين حين يأتي وجاء بالاسم الرب إذ كان الرب المالك فله صفة القهر وله صفة الرحمة ولم يأت بالاسم الرحمن لأنه لابد من الغضب في ذلك اليوم كما سيرد في هذا الباب ولابد من الحساب والإتيان بجهنم والموازين وهذه كلها ليست من صفات الرحمة المطلقة التي يطلبها الاسم الرحمن غير أنه سبحانه أتى باسم إلهي تكون الرحمة فيه أغلب وهو الاسم الرب فإنه من الإصلاح والتربية فتقوى ما في المالك والسيد من فضل الرحمة على ما فيه من صفة القهر فتسبق رحمته غضبه ويكثر التجاوز عن سيئات أكثر الناس فأول ما أبين وأقول ما قال الله في ذلك اليوم من امتداد الأرض وقبض السماء وسقوطها على الأرض ومجىء الملائكة ومجىء الرب في ذلك اليوم وأين يكون الخلق حين تمد الأرض وتبدل صورتها وتجىء جهنم وما يكون من شأنها ثم أسوق حديث مواقف القيامة في خمسين ألف سنة وحديث الشفاعة اعلم يا أخي أن الناس إذا قاموا من قبورهم على ما سنورده إن شاء الله وأراد الله أن يبدل الأرض غير الأرض وتمد الأرض بإذن الله ويكون الجسر دون الظلمة فيكون الخلق عليه عندما يبدل الله الأرض كيف يشاء إما بالصورة وإما بأرض أخرى ما نيم عليها تسمى الساهرة فيمدها سبحانه مد الأديم يقول تعالى وإذا الأرض مدت ويزيد في سعتها ما شاء أضعاف ما كانت من أحد وعشرين جزأ إلى تسعة وتسعين جزأ حتى لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ثم إنه سبحانه يقبض السماء إليه فيطويها بيمينه كطي السجل للكتب ثم يرميها على الأرض التي مدها واهية وهو قوله وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ويرد الخلق إلى الأرض التي مدها فيقفون منتظرين ما يصنع الله بهم فإذا وهت السماء نزلت ملائكتها على أرجائها فيرى أهل الأرض خلقا عظيما أضعاف ما هم عليه عددا يتخيلون أن الله نزل فيهم لما يرون من عظم الملائكة مما لم يشاهدوه من قبل فيقولن أفيكم ربنا فتقول الملائكة سبحان ربنا ليس فينا وهو آت فتصطف الملائكة صفا مستديرا على نواحي الأرض محيطين بالعالم الأنس والجن وهؤلاء هم عمار السماء الدنيا ثم ينزل أهل السماء الثانية بعد ما يقبضها الله أيضا ويرمي بكوكبها في النار وهو المسمى كاتبا وهم أكثر عددا من السماء الأولى فتقول الخلائق أفيكم ربنا فتفزع الملائكة من قولهم فيقولون سبحان ربنا ليس هو فينا وهو آت فيفعلون فعل الأولين من الملائكة يصطفون خلفهم صفا ثانيا مستديرا ثم تنزل أهل السماء الثالثة ويرمي بكوكبها المسمى الزهرة في النار ويقبضها الله بيمينه فتقول الخلائق أفيكم ربنا فتقول الملائكة سبحان ربنا ليس هو فينا وهو آت فلا يزال الأمر هكذا سماء بعد سماء حتى ينزل أهل السماء السابعة فيرون خلقا أكثر من جميع من نزل فتقول الخلائق أفيكم ربنا فتقول الملائكة سبحان ربنا قد جاء ربنا وإن كان وعد ربنا لمفعولا فيأتي الله في ظلل من الغمام والملائكة وعلى المجنة اليسرى جهننم ويكون إتيانه إتيان الملك فإنه يقول ملك يوم الدين وهو ذلك اليوم فسمى بالملك ويصطف الملائكة عليهم السلام سبعة صفوف محيطة بالخلائق فإذا أبصر الناس جهنم لها فوران وتغيظ على الجبابرة المتكبرين فيفرون الخلق بأجمعهم منها لعظيم ما يرونه خوفا وفزعا وهو الفزع الأكبر إلا الطائفة التي لا يحزنهم الفزع الأكبر فتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون فهم الآمنون مع النبيين على أنفسهم غير أن النبيين تفزع على أممها للشفقة التي جبلهم الله عليها للخلق فيقولون في ذلك اليوم سلم سلم وكان الله قد أمر أن تنصب للآمنين من خلقه منابر من نور متفاضلة بحسب منازلهم في الموقف فيجلسون عليها آمنين مبشرين وذلك قبل مجىء الرب تعالى فإذا فر الناس خوفا من جهنم وفرقا لعظيم ما يرون من الهول في ذلك اليوم يجدون الملائكة صفوفا لا يتجاوزونهم فتطردهم الملائكة وزعة الملك الحق سبحانه وتعالى إلى المحشر وتناديهم أنبياؤهم ارجعوا ارجعوا فينادي بعضهم بعضا فهو قول الله تعالى فيما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ' إني أخاف عليكم يوم التنادي يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم والرسل تقول اللهم سلم سلم ' ويخافون أشد الخوف على أممهم والأمم يخافون على أنفسهم والمطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة ولا ظواهر هم أيضا بالمخالفات الشرعية آمنون يغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن لما هم النبيون عليه من الخوف على أممهم فينادي مناد من قبل الله يسمعه أهل الموقف لا يدرون أو لا أدري هل ذلك نداء الحق سبحانه بنفسه أو نداء عن أمره سبحانه يقول في ذلك النداء يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم فإنه قال لنا يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم تعليما له وتنبيها ليقول كرمك ولقد سمعت شيخنا الشنختة يقول يوما وهو يبكي يا قوم لا تفعلوا بكرمه أخرجنا ولم نكن شيأ وعلمنا ما لم نكن نعلم وامتن علينا ابتداء بالإيمان به وبكتبه ورسله ونحن لا نعقل افتراه يعذبنا بعد أن عقلنا وآمنا حاشى كرمه سبحانه من ذلك فأبكاني بكاء فرح وبكي الحاضرون ثم نرجع ونقول فيقول الحق في ذلك النداء أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فيؤتى بهم إلى الجنة ثم يسمعون من قبل الحق نداء ثانيا لا أدري هل ذلك نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر الحق أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فيؤتى بهم إلى الجنة ثم يسمعون من قبل الحق نداء ثانيا لا أدري هل ذلك نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر الحق أين الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله وتلك الزيادة كما قلنا من جنات الاختصاص فيؤمر بهم إلى الجنة ثم يسمعون نداء ثالثا لا أدري هل هو نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر الحق يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم أين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ليجزي الصادقين بصدقهم فيؤمر بهم إلى الجنة فبعد هذا النداء يخرج عنق من النار فإذا أشرف على الخلائق وله عينان ولسان فصيح يقول يا أهل الموقف إني وكلت منكم بثلاث كما كان النداء الأول ثلاث مرات لثلاث طوائف من أهل السعادة وهذا كله قبل الحساب والناس وقوف قد ألجمهم العرق واشتد الخوف وتصدعت القلوب لهول المطلع فيقول ذلك العنق المستشرف من النار عليهم إني وكلت بكل جبار عنيد فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطائر حب السمسم فإذا لم يترك أحدا منهم في الموقف نادى نداء ثانيا يا أهل الموقف إني وكلت بمن آذى الله ورسوله فيلقطهم كما يلقط الطائر حب السمسم من بين الخلائق فإذا لم يترك منهم أحد نادى ثالثة يا أهل الموقف إني وكلت بمن ذهب يخلق كخلق الله فيلقط أهل التصاوير وههم الذين ييصورون صورا في الكنائس لتعبد تلك الصور والذين يصورون الأصنام وهو قوله تعالى ' أتعبدون ما تنحتون ' فكانوا ينحتون لهم الأخشاب والأحجار ليعبدوها من دون الله فهؤلاء هم المصورون فيلقطهم من بين الصفوف كما يلقط الطير حب السمسم فإذا أخذهم الله عن آخرهم بقي الناس وفيهم المصورون الذين لا يقصدون بتصويرهم ما قصدها أولئك من عباداتها حتى يسئلوا عنها لينفخوا فيها أرواحا تحيا بها وليسوا بنافخين كما ورد في الخبر في المصورين فيقفون ما شاء الله ينتظرون ما فعل الله بهم والعرق قد ألجمهم فحدثنا شيخنا القصار بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة تجاه الركن اليماني من الكعبة المعظمة وهو يونس ابن يحيى بن الحسين بن أبي البركات الهاشمي العباسي من لفظه وأنا أسمع قال حدثنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي قال حدثنا أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن موسى بن جعفر المعروف بابن الخياط المغربي قال قرىء على أبي سهل محمود بن عمر بن إسحاق العكبري وأنا أسمع قيل له حدثكم رضي الله عنكم أبو بكر محمد بن الحسن النقاش فقال نعم حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الطبري المزوري قال حدثنا محمد بن حميد الرازي أبو عبد الله قال حدثنا سلمة بن صالح قال أنا القاسم بن الحكم عن سلام الطويل عن غياث بن المسيب عن عبد الرحمن بن غنم وزيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال كنت جالسا عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعنده عبد الله بن عباس رضي الله عنه وحوله عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في القيامة لخمسين موقفا كل موقف منها ألف سنة فأول موقف إذا خرج الناس من قبورهم يقومون على أبواب قبورهم ألف سنة عراة حفاة جياعا عطاشا فمن خرج من قبره مؤمنا بربه مؤمنا بنبيه مؤمنا بجنته وناره مؤمنا بالبعث والقيامة مؤمنا بالقضاء والقدر خيره وشره مصدقا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه نجا وفاز وغنم وسعد ومن شك في شيء من هذا بقي في جوعه وعطشه وغمه وكربه ألف سنة حتى يقضي الله فيه بما يشاء ثم يساقون من ذلك المقام إلى المحشر فيقفون على أرجلهم ألف عام في سرادقات النيران في حر الشمس والنار عن أيمانهم والنار عن شمائلهم والنار من بين أيديهم والنار من خلفهم والشمس من فوق رؤسهم ولا ظل إلا ظل العرش فمن لقي الله تبارك وتعالى شاهدا له بالإخلاص مقرا بنبيه صلى الله عليه وسلم بريئا من الشرك ومن السحر وبريئا من إهراق دماء المسلمين ناصحا لله ولرسوله محبا لمن أطاع الله ورسوله مبغضا لمن عصى الله ورسوله استظل تحت ظل عرش الرحمن ونجا من غمه ومن حاد عن ذلك ووقع في شيء من هذه الذنوب بكلمة واحدة أو تغير قلبه أو شك في شيء من دينه بقي ألف سنة في الحر والهم والعذاب حتى يقضي الله فيه بما يشاء ثم يساق الخلق إلى النور والظلمة فيقيمون في تلك الظلمة ألف عام فمن لقي الله تبارك وتعالى لم يشرك به شيأ ولم يدخل في قلبه شيء من النفاق ولم يشك في شيء من أمر دينه وأعطى الحق من نفسه وقال الحق وانصف الناس من نفسه وأطاع الله في السر والعلانية ورضي بقضاء الله وقنع بما أعطاه الله خرج من الظلمة إلى النور في مقدار طرفة العين مبيضا وجهه قد نجا من الغموم كلها ومن خالف في شيء منها بقي في الغم والهم ألف سنة ثم خرج منها سمودا وجهه وهو في مشيئة الله يفعل به ما يشاء ثم يساق الخلق إلى سرادقات الحساب وهي عشر سرادقات يقفون في كل سرادق منها ألف سنة فيسأل ابن آدم عند أول سرادق منها عن المحارم فإن لم يكن وقع في شيء منها جاز إلى السرادق الثاني فيسأل عن الأهواء فإن كان نجا منها جاز إلى السرادق الثالث فيسأل عن عقوق الوالدين فإن لم يكن عاقا جاز إلى السرادق الرابع فيسأل عن حقوق من فوض الله إليه أمورهم وعن تعليمهم القرآن وعن أمر دينهم وتأديبهم فإن كان قد فعل جاز إلى السرادق الخامس فيسأل عما ملكت يمينه فإن كان محسنا إليهم جاز إلى السرادق السادس فيسأل عن حق قرابته فإن كان قد أدى حقوقهم جاز إلى السرادق السابع فيسأل عن صلة الرحم فإن كان وصولا لرحمه جاز إلى السرادق الثامن فيسأل عن الحسد فإن كان لم يكن حاسدا جاز إلى السرادق التاسع فيسأل عن المكر فإن لم يكن مكر بأحد جاز إلى السرادق العاشر فيسأل عن الخديعة فإن لم يكن خدع أحدا نجا ونزل في ظل عرش الله تعالى قارة عينه فرحا قلبه ضاحكا فوه وإن كان قد وقع في شيء من هذه الخصال بقي في كل موقف منها ألف عام جائعا عطشانا حزنا مغموما ومهموما لا ينفعه شفاعة شافع ثم يحشرون إلى أخذ كتبهم بأيمانهم وشمائلهم فيحبسون عند ذلك في خمسة عشر موقفا كل موقف منها ألف سنة فيسألون في أول موقف منها عن الصدقات وما فرض الله عليهم في أموالهم فمن أداها كاملة جاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن قول اعلحق والعفو عن الناس فمن عفا عفا الله عنه وجاز إلى الموقف الثالث فيسأل عن الأمر بالمعروف فإن كان آمرا بالمعروف جاز إلى الموقف الرابع فيسأل عن النهي عن المنكر فإن كان ناهيا عن المنكر جاز إلى الموقف الخامس فيسأل عن حسن الخلق فإن كان حسن الخلق جاز إلى الموقف السادس فيسأل عن الحب في الله والبغض في الله فإن كان محبا في الله مبغضا في الله جاز إلى الموقف السابع فيسأل عن مال الحرام فإن لم يكن أخذ شيأ جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن شرب الخمر فإن لم يكن شرب من الخمر شيأ جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن الفروج الحرام فإن لم يكن أتاها جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن قول الزور فإن لم يكن قاله جاز إلى الموقف الحادي عشر فيسأل عن الأيمان الكاذبة فإن لم يكن حلفها جاز إلى الموقف الثاني عشر فيسأل عن أكل الربا فإن لم يكن أكله جاز إلى الموقف الثالث عشر فيسأل عن قذف المحصنات فإن لم يكن قذف المحصنات فيسأل عن البهتان فإن لم يكن بهت مسلما مر فنزل تحت لواء الحمد وأعطي كتابه بيمينه ونجا من غم الكتاب وهوله وحوسب حسابا يسيرا وإن كان قد وقع في شيء من هذه الذنوب ثم خرج من الدنيا غير تائب من ذلك بقي في كل موقف من هذه الخمسة عشر موقفا ألف سنة في الغم والهول والهم والحزن والجوع والعطش حتى يقضي الله عز وجل فيه بما يشاء ثم يقام الناس في قراءة كتبهم ألف عام فمن كان سخيا قد قدم ماله ليوم فقره وحاجته وفاقته قرأ كتابه وهوذن عليه قراءته وكسي من ثياب الجنة وتوج من تيجان الجنة وأقعد تحت ظل عرش الرحمن آمنا مطمئنا وإن كان بخيلا لم يقدم ماله ليوم فقره وفاقته أعطي كتابه بشماله ويقطع له من مقطعات النيران يقاوم على رؤس الخلائق ألف عام في الجوع والعطش والعري والهم والغم والحزن والفضيحة حتى يقضي الله عز وجل فيه بما يشاء ثم يحشر الناس إلى الميزان فيقومون عند الميزان ألف عام فمن رجح ميزانه بحسناته فاز ونجا في طرفة عين ومن خف ميزانه من حسناته وثقلت سيئاته حبس عند الميزان ألف عام في الغم والهم والحزن والعذاب والجوع والعطش حتى يقضي الله فيه بما يشاء ثميدعي بالخلق إلى الموقف بين يدي الله في اثني عشر موقفا كل موقف منها مقدار ألف عام فيسأل في أول موقف عن عتق الرقاب فإن كان أعتق رقبة أعتق الله رقبته من النار وجاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن القرآن وحقه وقراءته فإن جاء بذلك تاما جاز إلى الموقف الثالث فيسأل عن الجهاد فإن كان جاهد في سبيل الله محتسبا جاز إلى الموقف الرابع فيسأل عن الغيبة فإن لم يكن اغتاب جاز إلى الموقف الخامس فيسأل عن النميمة فإن لم يكن تماما جاز إلى الموقف السادس فيسأل عن الكذب فإن لم يكن كذابا جاز إلى الموقف السابع فيسأل عن طلب العلم فإن كان طلب العلم وعمل به جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن العجب فإن لم يكن معجبا بنفسه في دينه ودنياه أو في شيء من عمله جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن التكبر فإن لم يكن تكبر على أحد جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن القنوط من رحمة الله فإن لم يكن قنط من رحمة الله جاز إلى الموقف الحادي عشر فيسأل عن الأمن من مكر الله فإن لم يكن أمن من مكر الله جاز إلى الموقف الثاني عشر فيسأل عن حق جاره فإن كان أدى حق جاره أقيم بين يدي الله تعالى قريرا عينه فرحا قلبه مبيضا وجهه كاسيا ضاحكا مستبشرا فيرحب به ربه ويبشره برضاه عنه فيفرح عند ذلك فرحا لا يعلمه أحد إلا الله فإن لم يأت بواحدة منهن تامة ومات غير تائب حبس عند كل موقف ألف عام حتى يقضي الله عز وجل فيه بما يشاء ثم يؤمر بالخلائق إلى الصراط فينتهون إلى الصراط وقد ضربت عليه الجسور على جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف وقد غابت الجسور في جهنم مقدار أربعين ألف عام ولهيب جهنم بجانبها يلتهب وعليها حسك وكلاليب وخطاطيف وهي سبعة جسور يحشر العباد كلهم عليها وعلى كل جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف عام ألف عام صعود وألف عام استواء وألف عام هبوط وذلك قول الله عز وجل ' إن ربك لبالمرصاد ' يعني على تلك الجسور وملائكة يرصدون الخلق عليها ليسأل العبد عن الإيمان بالله فإن جاء به مؤمنا مخلصا لا شك فيه ولا زيغ جاز إلى الجسر الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر الرابع فيسأل عن الصيام فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر الخامس فيسأل عن حجة الإسلام فإن جاء بها تامة جاز إلى الجسر السادس فيسأل عن الطهر فإن جاء به تاما جاز إلى الجسر السابع فيسأل عن المظالم فإن كان لم يظلم أحدا جاز إلى الجنة وإن كان قصر في واحدة منهن حبس على كل جسر منها ألف سنة حتى يقضي الله عز وجل فيه بما يشاء وذكر الحديث إلى آخره وسيأتي بقية الحديث إن شاء الله في باب الجنة فإنه يختص بالجنة ولم نذكر النشأة الأخرى التي يحشر فيها الإنسان في باب البرزخ لأنها نشأة محسوسة غير خيالية والقيامة أمر محقق موجود حسي مثل ما هو الإنسان في الدنيا فلذلك أخرنا ذكرها إلى هذا الباب وصل اعلم أن الناس اختلفوا في الإعادة من المؤمنين القائلين بحشر الأجسام ولم تتعرض لمذهب من يحمل الإعادة والنشأة الآخرة على أمور عقلية غير محسوسة فإن ذلك على خلاف ما هو الأمر عليه لأنه جهل أن ثم نشأتين نشأة الأجسام ونشأة الأرواح وهي النشأة المعنوية فاثبتوا المعنوية ولم يثبتوا المحسوسة ونحن نقول بما قاله هذا المخالف من إثبات النشأة الروحانية المعنوية لا بما خالف فيه وإن عين موت الإنسان هو قيامته لكن القيامة الصغرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول من مات فقد قامت قيامته وإن الحشر جمع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية هذا كله أقول به كما يقول المخالف وإلى هنا ينتهي حديثه في القيامة ويختلف في ذلك بعينه من يقول بالتناسخ ومن لا يقول به وكلهم عقلاء أصحاب نظر ويحتجون في ذلك كله بظواهر آيات من الكتاب وأخبار من السنة إن أوردناها وتكلمنا عليها طال الباب في الخوض معهم في تحقيق ما قالوه وما منهم من نحل نحلة في ذلك إلا وله وجه حق صحيح وإن القائل به فهم بعض مراد الشارع ونقصه علم ما فهمه غيره من إثبات الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة والميزان المحسوس والصراط المحسوس والنار والجنة المحسوستان كل ذلك حق وأعظم في القدرة وفي علم الطبيعة بقاء الأجسام الطبيعية في الدارين إلى غير مدة متناهية بل مستمرة الوجود وإن الناس ما عرفوا من أمر الطبيعة إلا قدر ما أطلعهم الحق عليه من ذلك مما ظهر لهم في مدد حركات الأفلاك والكواكب السبعة ولهذا جعلوا العمر الطبيعي مائة وعشرين سنة الذي اقتضاه هذا الحكم فإذا زاد الإنسان على هذه المدة وقع في العمر المجهول وإن كان من الطبيعة ولم يخرج عنها ولكن ليس في قوة علمه أن يقطع عليه بوقت مخصوص فكما زاد على العمر الطبيعي سنة وأكثر جاز أن يزيد على ذلك آلافا من السنين وجاز أن يمتد عمره دائما ولولا أن الشرع عرف بانقضاء مدة هذه الدار وإن كل نفس ذائقة الموت وعرف بالإعادة وعرف بالدار الآخرة وعرف بأن الإقامة فيها في النشأة الآخرة إلى غير نهاية ما عرفنا ذلك وما خرجنا في كل حال من موت وإقامة وبعث أخروي ونشأة أخرى وجنان ونعيم ونار وعذاب بأكل محسوس وشرب محسوس ونكاح محسوس ولباس على المجرى الطبيعي فعلم الله أوسع وأتم والجمع بين العقل والحس والمعقول والمحسوس أعظم في القدرة وأتم في الكمال الإلهي ليستمر له سبحانه في كل صنف من الممكنات حكم عالم الغيب والشهادة ويثبت حكم الاسم الظاهر والباطن في كل صنف فإن فهمت فقد وفقت وتعلم أن العلم الذي أطلع عليه النبيون والمؤمنون من قبل الحق أعم تعلقا من علم المنفردين بما تقتضيه العقول مجردة عن الفيض الإلهي فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء والرسل على الوجهين المعقول والمحسوس إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع على تأويل مثبتي المحسوس من ذلك والمعقول فالإمكان باق حكمه والمرجح موجود فبماذا يحيل وما أحسن قول القائل : حسوسة فإن ذلك على خلاف ما هو الأمر عليه لأنه جهل أن ثم نشأتين نشأة الأجسام ونشأة الأرواح وهي النشأة المعنوية فاثبتوا المعنوية ولم يثبتوا المحسوسة ونحن نقول بما قاله هذا المخالف من إثبات النشأة الروحانية المعنوية لا بما خالف فيه وإن عين موت الإنسان هو قيامته لكن القيامة الصغرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول من مات فقد قامت قيامته وإن الحشر جمع النفوس الجزئية إلى النفس الكلية هذا كله أقول به كما يقول المخالف وإلى هنا ينتهي حديثه في القيامة ويختلف في ذلك بعينه من يقول بالتناسخ ومن لا يقول به وكلهم عقلاء أصحاب نظر ويحتجون في ذلك كله بظواهر آيات من الكتاب وأخبار من السنة إن أوردناها وتكلمنا عليها طال الباب في الخوض معهم في تحقيق ما قالوه وما منهم من نحل نحلة في ذلك إلا وله وجه حق صحيح وإن القائل به فهم بعض مراد الشارع ونقصه علم ما فهمه غيره من إثبات الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة والميزان المحسوس والصراط المحسوس والنار والجنة المحسوستان كل ذلك حق وأعظم في القدرة وفي علم الطبيعة بقاء الأجسام الطبيعية في الدارين إلى غير مدة متناهية بل مستمرة الوجود وإن الناس ما عرفوا من أمر الطبيعة إلا قدر ما أطلعهم الحق عليه من ذلك مما ظهر لهم في مدد حركات الأفلاك والكواكب السبعة ولهذا جعلوا العمر الطبيعي مائة وعشرين سنة الذي اقتضاه هذا الحكم فإذا زاد الإنسان على هذه المدة وقع في العمر المجهول وإن كان من الطبيعة ولم يخرج عنها ولكن ليس في قوة علمه أن يقطع عليه بوقت مخصوص فكما زاد على العمر الطبيعي سنة وأكثر جاز أن يزيد على ذلك آلافا من السنين وجاز أن يمتد عمره دائما ولولا أن الشرع عرف بانقضاء مدة هذه الدار وإن كل نفس ذائقة الموت وعرف بالإعادة وعرف بالدار الآخرة وعرف بأن الإقامة فيها في النشأة الآخرة إلى غير نهاية ما عرفنا ذلك وما خرجنا في كل حال من موت وإقامة وبعث أخروي ونشأة أخرى وجنان ونعيم ونار وعذاب بأكل محسوس وشرب محسوس ونكاح محسوس ولباس على المجرى الطبيعي فعلم الله أوسع وأتم والجمع بين العقل والحس والمعقول والمحسوس أعظم في القدرة وأتم في الكمال الإلهي ليستمر له سبحانه في كل صنف من الممكنات حكم عالم الغيب والشهادة ويثبت حكم الاسم الظاهر والباطن في كل صنف فإن فهمت فقد وفقت وتعلم أن العلم الذي أطلع عليه النبيون والمؤمنون من قبل الحق أعم تعلقا من علم المنفردين بما تقتضيه العقول مجردة عن الفيض الإلهي فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء والرسل على الوجهين المعقول والمحسوس إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع على تأويل مثبتي المحسوس من ذلك والمعقول فالإمكان باق حكمه والمرجح موجود فبماذا يحيل وما أحسن قول القائل : زعم المنجم والطبيب كلاهما . . . لا تبعث الأجسام قلت إليكما
पृष्ठ 389