मक्की विजय
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
प्रकाशक
دار إحياء التراث العربي
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
1418هـ- 1998م
प्रकाशक स्थान
لبنان
قال الله تعالى ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ولم يقل منها ولا إليها فهي أرض الله سواء سكنها من يعبده أو من يستكبر عن عبادته وقال عز من قائل يا عبادي إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون فأضافها إليه أشد إضافة من قوله إن أرض الله وكذلك أضاف العباد إليه إضافة الأرض إضافة اختصاص وكذلك أضافهم في الأمر بالعبادة إليه فقال فإياي فاعبدون وقال في غير هذا الموطن اعبدوا الله واعبدوا ربكم فمن عرف قدر هذه الإضافة إلى المتكلم عرف قدر ما بين الإضافتين وإن كان المقصود بالعبادة واحدا فضيق في توسعه في إضافتهم إلى المتكلم ووسع في إضافتهم إلى الاسم وهنا أسرار لا يعلمها إلا من يعلم الأمر على ما هو عليه في نفسه وهو قوله عليه السلام لما فتح مكة لا هجرة بعد الفتح مع أن مكة أشرف البقاع وأنها بيت الله الذي يحج إليه من مشارق الأرض ومغاربها ولكن أمر وعظم الأجر لمن يهاجر منها من أجل ساكنيها فلما فتحها الله وأسكنها المؤمنين من عباده قال لا هجرة بعد الفتح فمن فتح الله عليه رآه في كل شيء أو عين كل شيء فلم يهاجر لأنه غير فاقد فإن هاجر فعن أمره فيهاجر به منه إليه عن أمره مثل خروجه إلى أداء الصلاة في مسجد الجماعة ومثل خروجه إلى مكة يريد الحج وكخروجه أيضا إلى الجهاد وإلى الزيارة وزيارة أخ في الله تعالى أوفى السعي على العيال فهذا كله ليس بهجرة على الحقيقة وإنما هي سياحة عن أمر إلهي على شهود فإن لم يكن على شهود ولا كأنه شهود فما هو من مطلوبنا في هذا الموضع فإن أدنى مرتبة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ولما خلق الله الإنسان الكامل بالصورتين الموجود بالنشأتين الذي جمع الله له بين الاسمين الأول والآخر وأعطاه الحكمين في الظاهر والباطن ليكون بكل شيء عليما خلقه من تراب الأرض أنزل موجود خلق ليس وراءها كما أنه ليس وراء الله مرمى فجعل مسكنه في أشرف الأماكن وهو النقطة التي يستقر عليها عمد الخيمة وجعل العرش المحيط مكان الاستواء الرحماني كما يليق بجلاله إعلاما بالارتباط الإلهي الذي بين العرش والأرض وما بينهما في مراتب العالم المتحيز العام للمساحات من الأفلاك والأركان فجميع العالم في جوف العرش إلا الأرض فإنها مقر السرير فلما أراد الله أن يخلقنا لعبادته قرب الطريق علينا فخلقنا من تراب في تراب وهو الأرض التي جعلها الله ذلولا والعبادة الذلة فنحن الأذلاء بالأصل لا نشبه من خلق نورا من النور وأمر بالعبادة فبعدت عليهم الشقة لبعد الأصل مما دعاهم إليهم من عبادته فلولا أن الله أشهدهم بأن خلقهم في مقاماتهم ابتداء لم ينزلوا منها فلم يكن لهم في عبادتهم ارتقاء كما لنا ما أطاقوا الوفاء بالعبادة فإن النور له العزة ما له الذلة فمن عناية الله بنا لما كان المطلوب من خلقنا عبادته أن قرب علينا الطريق بأن خلقنا من الأرض التي أمرنا أن نعبده فيها ولما عبد منا من عبد غير الله غار الله أن يعبد في أرضه غيره فقال وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه أي حكم فما عبد من عبد غير الله إلا لهذا الحكم فلم يعبد إلا الله وأخطؤوا في النسبة إذ كان لله في كل شيء وجه خاص به ثبت ذلك الشيء فما خرج أحد عن عبادة الله ولما أراد الله أن يميز بين من عبده على الاختصاص وبين من عبده في الأشياء أمر بالهجرة من الأماكن الأرضية التي بعبد الله فيها في الأعيان ليميز الله الخبيث من الطيب فالخبيث هو الذي عبد الله في الأغيار والطيب هو الذي عبد الله لا في الأغيار وجعل تعالى هذه الأرض محلا للخلافة فهي دار ملكه وموضع نائبه الظاهر بأحكام أسمائه فمنها خلقنا وفيها أسكننا أحياء وأمواتا ومنها يخرجنا بالبعث في النشأة الأخرى حتى لا تفارقنا العبادة حيث كنا دنيا وآخرة وإن كانت الآخرة ليست بدار تكليف ولكنها دار عبادة فمن لم يزل منا مشاهدا لما خلق له في الدنيا والآخرة فذلك هو العبد الكامل المقصود من العام النائب عن العالم كله الذي لو غفل العالم كله أعلاه وأسفله زمنا فردا عن ذكر الله وذكره هذا العبد قام في ذلك الذكر عن العالم كله وحفظ به على العالم وجوده ولو غفل العبد الإنساني عن الذكر لم يقم العالم مقامه في ذلك وخرب منه من زال عنه الإنسان الذاكر قال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول الله الله ولما خلق الله هذه النشأة الإنسانية وشرفها بما شرفها به من الجمعية ركب بها الدعوى وذلك ليكمل بها صورتها فإن الدعوى صفة إلهية قال تعالى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني فادعى أنه لا إله إلا هو وهي دعوى صادقة لم تتوجه عليه حجة وكان له السلطان على كل من رد عليه دعواه لأن له الشدة والغلبة والقهر لأنه صادق والصدق الشدة فلا يقاوم ولما كانت الدعوى خبرا والخبر نسبة الصدق إليه ونسبة الكذب على السواء بما هو خبر يقبل هذا وهذا علمنا عند ذلك أنه لا بد من الاختبار فادعى المؤمن الإيمان وهو التصديق بوجود الله وأحديته وأنه لا إله إلا هو وإن كل شيء هالك إلا وجهه وأن الأمر لله من قبل ومن بعد فلما ادعى بلسانه أن هذا مما انطوى عليه جنانه وربط عليه قلبه احتمل أن يكون صادقا فيما ادعاه أنه صفة له ويحتمل أن يكون كاذبا في أن ذلك صفة له فاختبره الله لإقامة الحجة له أو عليه بما كلفه من عبادته على الاختصاص لا العبادة السارية بسريان الألوهة ونصب له وبين عينيه الأسباب وأوقف ما تمس حاجة هذا المدعي على هذه الأسباب فلم يقض له بشيء إلا منها وعلى يديها فإن رزقه الله نورا يكشف به ويخترق سدف هذه الأسباب فيرى الحق تعالى من ورائها مسببا اسم فاعل أو يراه فيها خالقا وموجدا لحوائجه التي اضطره إليها فذلك المؤمن الذي هو على نور من ربه وبينة من أمره الصادق في دعواه الموفي حق المقام الذي ادعاه بالعناية الإلهية التي أعطاه ومن لم يجعل الله له نورا فمل له من نور فقال بعد إقراراه بربوبية خالقه لما أشهده على نفسه في أخذ الميثاق حين قال له ولأمثاله ألست بربكم قالوا بلى فلما أوجده في هذه الدنيا أوجده على تلك الفطرة فقال بألوهية الأسباب التي رزقه الله منها وجعلها حجبا بينه وبين الله ولم يكن له نور يهتدي به في ظلمات البر والبحر وليس إلا النجوم وهي هنا نجوم العلم الإلهي فأضاف الألوهة إلى غير مستحقها فكذب في دعواه لكثرة الأسباب وإقراره في شركه بأن ذلك قربة منه إلى الله خالق الأسباب وجعلها آلهة فلم يصدق قوله لا إله إلا هو ولهذا قال من قال أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب وليس العجب إلا ممن كثر الآلهة والذي لم يقل بنسبة الألوهة للأسباب لكنه لم ير إلا الأسباب وما حصل له من الكشف ما يخرجه عنها مع توحيد الألوهة كان ذلك شركا خفيا لا يشعر به صاحبه أنه شرك يحجبه عن الأمر العالي الذي طلب به فلم يوجد صاحب هذه الدعوى في توحيد الله وتوحيده في أفعاله مع الاضطراب عند فقد السبب وسكونه عند وجوده صادقا فنقصه على قدر ما فاته من ذلك هذا ولم يجعل للأسباب آلهة فإن قلت فالمشرك الذي ادعى أنه مشرك فهو صادق في دعواه أنه مشرك فلماذا لم ينفعه صدقه قلنا هو كاذب في دعواه في نسبة الألوهة إلى من ليس بالإله هذه دعواه التي كفر بها فهو صادق في أنه مشرك وليس بصادق في أن الشركة في الألوهة صحيحة لأنه بحث عن ذلك بأدلة العقلية والشرعية فلم يوجد لما ادعاه عين في الصدق فاختبر الله العباد بما شرع لهم بإرسال الرسل واختبر الله المؤمنين بالأسباب فكل صنف اختبره بحسب دعواه فمن صدق أورثه ذلك الصدق ما تعطيه دعواه ولهذا يسأل الصادقين عن صدقهم فيما صدقوا فيه هل صدقوا فيما أمروا به وأبيح لهم أو هل صدقوا في إتيان ما حرم عليهم إتيانه مع كونهم صادقين فيقال لهم فيم صدقتم فإن النمامين صادقون والمغتابين صادقون وقد ذمهم الله وتوعد على ذلك مع كونه صدقا فلهذا يسأل الصادقين عن صدقهم فيما صدقوا فهذا من اختبار الله إياهم وأصل هذا كله ما ركب فيهم من الدعاوى ومما اختبرهم الله به في الخطاب أن جعل ما ابتلاهم به ليعلم الله الصادق في دعواه من الكاذب فأنزل نفسه في هذا الاختبار منزلة من يستفيد بذلك علما وهو سبحانه العالم بما يكون منهم في ذلك قبل كونه فمن المنزهة في زعمهم من يقول أن الله لا يستفيد من ذلك علما فإنه لا يعلم الأمر من حيث ما هو واقع من فلان على التعيين فرد كلام الله وتأوله إذ خاف من وقوع الأذى به لذلك ومن الظاهرية من التزم أنه يعلم بذلك الاختبار وقوفا عند هذا اللفظ ومن الناس من صرف ذلك إلى تعلق العلم به عند الوقوع فالعلم قديم والتعلق حادث ومن المؤمنين من سلم علم ذلك إلى الله وآمن به من غير تأويل معين وهذا هو أسلم ما يعتقد وهذا كله ابتلاء من الله لعباده الذين ادعوا الإيمان به بألسنتهم فإنه قال حتى نعلم كما قال ولنبلونكم وقال أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين فميز بينهما فيجازي المجاهد بجزاء معين ويجازي الصابر عليه بجزاء معين وقال فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين لما ذكر الفتنة وهي الاختبار فإذا نظر الإنسان إلى نشأته البدنية قامت معه الأرض التي خلق منها وجعل منها غذاؤه وما به صلاح نشأته لم يرزقه الله في العادة من غيرها ومن خرق الله فيه العادة بأن لم يرزقه منها رزقه من أمر طبيعي خفي وهو السبب الذي أبقى عليه حياته به فوفر عليه حرارته ورطوبته التي هي مادة حياته بأمر لطيف لا يعلمه إلا الله ومن أطلعه عليه لأن الله لما وضع الأسباب لم يرفعها في حق أحد وإنما أعطى الله بعض عباده من النور ما اهتدى به في المشي في ظلمات الأسباب غير ذلك ما فعل به فعاينوا من ذلك على قدر أنوارهم فحجب الأسباب مسدلة لا ترفع أبدا فلا تطمع وإن نقلك الحق من سبب فإنما ينقلك بسبب آخر فلا يفقدك السبب جملة واحدة فإنه حبل الله الذي أمرك بالاعتصام به وهو الشرع المنزل وهو أقوى الأسباب وأصدقها وبيده النور الذي يهتدي به في ظلمات بر هذه الأسباب وبحرها فمن عمل كذا وهو السبب فجزاؤه كذا فلا تطمع فيما لا مطمع فيه ولكن سل الله تعالى رشة من ذلك النور على ذاتك وأظهر الأمور اللطيفة أن جعل بدنك ذا مسام وأحاط بك الهواء الذي هو مادة الحياة الطبيعية فإنه حار رطب بالذات وجعل فيك قوة جاذبة فقد تجذب في وقت فقدك الأسباب المعتادة الهواء من مسامك فتغذي به بدنك وأنت لا تشعر وقد علمنا أن من الحشرات من يكون عداؤه من مسام بدنه مما يجذبه من الرطوبات على ميزان خاص يكون له البقاء من غير إفراط ولا تفريط ثم لتعلم أيها الأخ الولي أن أرض بدنك هي الأرض الحقيقية الواسعة التي أمرك الحق أن تعبده فيها وذلك لأنه ما أمرك أن تعبده في أرضه إلا ما دام روحك يسكن أرض بدنك فإذا فارقها أسقط عنك هذا التكليف مع وجود بدنك في الأرض مدفونا فيها فتعلم أن الأرض ليست سوى بدنك وجعلها واسعة لما وسعته من القوى والمعاني التي لا توجد إلا في هذه الأرض البدنية الإنسانية وأما قوله فتهاجروا فيها فإنها محل للهوى ومحل للعقل فتهاجروا من أرض الهوى منها إلى أرض العقل منها وأنت في هذا كله فيها ما خرجت عنها فإن استعملك الهوى أرداك وهلكت وإن استعملك العقل الذي بيده سراج الشرع نجوت وأنجاك الله به فإن العقل السليم المبرأ من صفات النقص والشبه هو الذي فتح الله عين بصيرته لإدراك الأمور على ما هي عليه فعاملها بطريق الاستحقاق فأعطى كل ذي حق حقه ومن لم يعبد الله في أرض بدنه الواسعة فما عبد الله في أرضه التي خلق منها فإن الله يقول وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين وهو الماء الذي نبع من هذه الأرض البدنية واستقر في رحم المرأة ثم سواه فبعد تسوية أرض البدن وقبوله الاشتعال بما فيه من الرطوبة والحرارة نفخ الله فيه فاشتعل فكان ذلك الاشتعال روحا له فما خرج إلا منه فمنه خلق وجعل العقل في هذه النشأة نظير القمر في الأرض نورا يستضاء به ولكن ما له ذلك النفوذ بالحجب المانعة من البيوت والجدران والأكنة وجعل الشرع لهذا العقل في هذه الأرض البدنية سراجا فأضاءت زوايا هذه الأرض بنور السراج فأعطى من العلم بها مما فيها ما لم يعطه نور العقل الذي هو بمنزلة القمر ثم يعيدنا فيها يعني في النشأة الأخرى أيضا كما خلقنا فيها ويخرجنا إخراجا لمشاهدته كما أنشأنا منها وأخرجنا لعبادته فخلق أرواحنا من أرض أبداننا في الدنيا لعبادته وأسكننا أرض أبداننا في الآخرة لمشاهدته إن كنا سعداء كما آمنا به في النشأة الأولى لما اعتنى الله بنا والحال مثل الحال سواء في تقسيم الخلق في ذلك وكذلك يكونون غدا والموت بين النشأتين حالة برزخية تعمر الأرواح فيها أجسادا برزخية خيالية مثل ما أعمرتها في النوم وهي أجساد متولدة عن هذه الأجسام الترابية فإن الخيال قوة من قواها فما برحت أرواحها منها أو مما كان منها فاعلم ذلك فأرض الله التي هي ركن موجودة وأنت فيها مدفون وما أمرت بعبادة ربك وما دمت في أرض بدنك الواسعة مع وجود عقلك وسراج شرعك فأنت مأمور بعبادة ربك فهذه الأرض البدنية لك على الحقيقة أرض الله الواسعة التي أمرك أن تعبده فيها إلى حين موتك ومن مات فقد قامت قيامته وهي القيامة الجزئية وهو قوله وفيها نعيدكم فإذا فهمت القيامة الجزئية بموت هذا الشخص المعين علمت القيامة العامة لكل ميت كان عليها فإن مدة البرزخ هي للنشأة الآخرة بمنزلة حمل المرأة الجنين في بطنها ينشئه الله نشأ بعد نشء فتختلف عليه أطوار النشء إلى أن يولد يوم القيامة فلهذا قيل في الميت أنه إذا مات فقد قامت قيامته أي ابتدأ فيه ظهور نشأة الأخرى في البرزخ إلى يوم البعث من البرزخ كما يبعث من البطن إلى الأرض بالولادة فتدبير نشأة بدنه في الأرض زمان كونه في البرزخ ليسويه ويعدله على غير مثال سبق مما ينبغي للدار الآخرة فيعبده فيها أعنى في أرض نشأته الأخراوية عبادة ذاتية لا عبادة تكليف فإن الكشف يمنعه أن يكون عبدا لغير من يستحق أن يكون له عبدا كما ينال هذا المقام رجال الله هنا ولما خلق الله أرض بدنك جعل فيها كعبة وهو قلبك وجعل هذا البيت الغلبي أشرف البيوت في المؤمن فأخبر أن السموات وفيها البيت المعمور والأرض وفيها الكعبة ما وسعته وضاقت عنه ووسعه هذا القلب من هذه النشأة الإنسانية المؤمنة والمراد هنا بالسعة العلم بالله سبحانه فهذا يدلك على أنها الأرض الواسعة وأنها أرض عبادتك فتعبده كأنك تراه من حيث بصرك محجوب أن يدركه بصرك فإنه في الباطن منك فتعبد الله كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله وعين بصيرتك تشهده فإنه ظاهر ظهور علم بعين بصيرتك وكأنك تراه من حيث بصرك فتجمع في عبادتك بين الصورتين بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال وبين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال فتعبده مطلقا ومقيدا وليس ذلك لغير هذه النشأة فلهذا جعل هذه النشأة المؤمنة حرمه المحرم وبيته المعظم المكرم وقد أشرت إلى هذا المعنى بقوليالأرض وفيها الكعبة ما وسعته وضاقت عنه ووسعه هذا القلب من هذه النشأة الإنسانية المؤمنة والمراد هنا بالسعة العلم بالله سبحانه فهذا يدلك على أنها الأرض الواسعة وأنها أرض عبادتك فتعبده كأنك تراه من حيث بصرك محجوب أن يدركه بصرك فإنه في الباطن منك فتعبد الله كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله وعين بصيرتك تشهده فإنه ظاهر ظهور علم بعين بصيرتك وكأنك تراه من حيث بصرك فتجمع في عبادتك بين الصورتين بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال وبين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال فتعبده مطلقا ومقيدا وليس ذلك لغير هذه النشأة فلهذا جعل هذه النشأة المؤمنة حرمه المحرم وبيته المعظم المكرم وقد أشرت إلى هذا المعنى بقولي
من كان حقا كله . . . قد زال عنه كله
فالحق شخص قائم . . . وأنت منه ظله
أو أنت فيه ظله . . . فالأمر حق كله
حرامه محترم . . . فالحل لا يحله
पृष्ठ 244