1024

मक्की विजय

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

प्रकाशक

دار إحياء التراث العربي

संस्करण

الأولى

प्रकाशन वर्ष

1418هـ- 1998م

प्रकाशक स्थान

لبنان

क्षेत्रों
सीरिया
साम्राज्य और युगों
अय्यूबिद

ومن آتاه الذي قد كان يفعله . . . فكيف ينكره أم كيف يجهله قال الله عز وجل ) الرحمن علم القرآن ( على أي قلب ينزل ) خلق الإنسان ( فعين له الصنف المنزل عليه ) علمه البيان ( أي نزل عليه القرآن فأبان عن المراد الذي في الغيب ) الشمس والقمر بحسبان ( ميزان حركات الأفلاك ) والنجم والشجر يسجدان ( لهذا الميزان أي من أجل هذا الميزان فمنه ذو ساق وهو الشجر ومنه ما لا ساق له وهو النجم فاختلفت السجدتان ) والسماء رفعها ( وهي قبة الميزان ) ووضع الميزان ( ليزن به الثقلان ) أن لا تطغوا في الميزان ( بالإفراط والتفريط من أجل الخسران ) وأقيموا الوزن بالقسط ( مثل اعتدال نشأة الإنسان إذ الإنسان لسان الميزان ) ولا تخسروا الميزان ( أي لا تفرطوا بترجيح إحدى الكفتين إلا بالفضل وقال تعالى ونضع الموازين القسط فاعلم أنه ما من صنعة ولا مرتبة ولا حال ولا مقام إلا والوزن حاكم عليه علما وعملا فللمعاني ميزان بيد العقل يسمى المنطق يحوي على كفتين تسمى المقدمتين وللكلام ميزان يسمى النحو يوزن به الألفاظ لتحقيق المعاني التي تدل عليه ألفاظ ذلك اللسان ولكل ذي لسان ميزان وهو المقدار والمعلوم الذي قرنه الله بإنزال الأرزاق فقال وما تنزله إلا بقدر معلوم ولكن ينزل بقدر ما يشاء وقد خلق جسد الإنسان على صورة الميزان وجعل كفتيه يمينه وشماله وجعل لسانه قائمة ذاته فهو لأي جانب مال وقرن الله السعادة باليمين وقرن الشقاء بالشمال وجعل الميزان الذي يوزن به الأعمال على شكل القبان ولهذا وصف بالثقل والخفة ليجمع بين الميزان العددي وهو قوله تعالى بحسبان وبين ما يوزن بالرطل وذلك لا يكون إلا في القبان فلذلك لم يعين الكفتين بل قال فأما من ثقلت موازينه في حق السعداء وأما من خفت موازينه في حق الأشقياء ولو كان ميزان الكفتين لقال وأم من ثقلت كفة حسناته فهو كذا وأم من ثقلت كفة سيئاته فهو كذا وإنما جعل ميزان الثقل هو عين ميزان الخفة كصورة القبان ولو كان ذا كفتين لوصف كفة السيئات بالثقل أيضا إذا رجحت على الحسنات وما وصفها قط إلا بالخفة فعرفنا أن الميزان على شكل القبان ومن الميزان الإلهي قوله تعالى أعطى كل شيء خلقه وقال صلى الله عليه وسلم وزنت أنا وأبو بكر فرجحت ووزن أبو بكر بالأمة فرجحها واعلم أن الأمر محصور في علم وعمل والعمل على قسمين حسي وقلبي والعلم على قسمين عقلي وشرعي وكل قسم فعلى وزن معلوم عند الله في إعطائه وطلب من العبد لما كلفه أن يقيم الوزن بالقسط فلا يطغى فيه ولا يخسره فقال تعالى لا تغلوا في دينكم وهو معنى لا تطغوا في الميزان ولا تقولوا على الله إلا الحق وهو قوله وأقيموا الوزن بالقسط فطلب العدل من عباده في معاملتهم مع الله ومع كل ما سوى الله من أنفسهم وغيرهم فإذا وفق الله العبد لإقامة الوزن فما أبقى له خيرا إلا أعطاه إياه فإن الله قد جعل الصحة والعافية في اعتدال الطبائع وأن لا يترجح إحداهن على الأخرى وجعل العلل والأمراض والموت بترجيح بعضهن على بعض فالاعتدال سبب البقاء والانحراف سبب الهلاك والفناء وترجيح الميزان في موطنه هو إقامته وخفة الميزان في موطنه إقامته فهو بحسب المقامات وإذا كان الأمر على ما قررناه فاعلم أن المحقق هو الذي يقيم هذا الميزان في كل حضرة من علم وعمل على حسب ما يقتضيه من الرجحان والخفة في الموزون بالفضل في موضعه والاستحقاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم ندب في قضاء الدين وقبض الثمن إلى الترجيح فقال أرجح له حين وزن له فما أعطاه خارجا عن استحقاقه بعين الميزان فهو فضل لا يدخل الميزان إذ الوزن في أصل وضعه إنما وضع للعدل لا للترجيح وكل رجحان يدخله فإنما هو من باب الفضل وإن الله لم يشرع قط الترجيح في الشر جملة واحدة وإنما قال والجروح قصاص وقال وجزاء سيئة سيئة مثلها ولم يقل أرجح منها وقال فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولم يقل بأرجح فمن عفا وأصلح فأجره على الله فرجح في الإنعام وما ندب الله عباده إلى فضيلة وكريم خلق إلا وكان الجناب الإلهي الأعلى أحق بذاك وهذا من سبق رحمته غضبه فالنار ينزل فيها أهلها بالعدل من عبر زيارة والجنة ينزل فيها أهلها بالفضل فيرون ما لا تقتضيه أعمالهم من النعيم ولا يرى أهل النار من العذاب إلا قدر أعمالهم من غير زيادة ولا رجحان إلى أن يفعل الله بهم ما يريد بعد ذلك ولذلك قال في عذابهم إن ربك فعال لما يريد وما يعلم أحد من خلق الله حكم إرادة الله في خلقه إلا بتعريفه ألا تراه في حق السعداء يقول عطاء غير مجذوذ والصورة واحدة والمدة واحدة ولم يقل في العذاب أنه غير مجذوذ لكن يقطع بأنهم غير خارجين من النار ولا يعرف حالتهم فيها في حال الاستثناء ما يفعل الله فيهم فلا يقضي في ذلك بشيء مع علمنا بأن رحمته سبقت غضبه وعلمنا بأن الله يجزي كل نفس بما عملت وقد قام الدليل على الفضل في أهل السعادة وما جاء مثل ذلك في الأشقياء وهذه مسألة يقف عندها صاحب الفكر أو يحكم بغلبة الظن لا بالقطع إلا صاحب الكشف فإنه يعلم بما أعلمه الله من ذلك غير أن ابن قسي وهو من أهل هذا الشأن قال لا يحكم عدله في فضله ولا فضله في عدله وهذا كلام مجمل فلا أدري هل قاله عن كشف أو عن اعتبار وفكر وهذا الكلام من وجه ينافي قوله تعالى سبقت رحمتي غضبي ومن وجه لا ينافيه فإن الحقائق تعطي أن الفضل لا يحكم في العدل وأن العدل لا يحكم في الفضل فإنه ليس كل واحد من النعتين محلا لحكم الآخر وأن محل حكم الصفة إنما هو في المفضول عليه أو المعدول فيه وإنا قد علمنا من الله تعالى أن الله يتفضل بالمغفرة على طائفة من عباده قد عملوا الشر ولم يقم عليهم ميزان العدل ولا آخذهم بعدله وإنما حكم فيهم بفضله ولا يقال في مثل هذا أنه حكم فضله في عدله وهو الذي يليق بابن قسي رحمه الله أنه أنبأ عن حقيقة كما هو الأمر عليه في نفسه وإذا خالف الكشف الذي لنا كشف الأنبياء عليهم السلام كان الرجوع إلى كشف الأنبياء عليهم السلام وعلمنا أن صاحب ذلك الكشف قد طرأ عليه خلل بكونه زاد على كشفه نوعا من التأويل بفكره فلم يقف مع كشفه كصاحب الرؤيا فإن كشفه صحيح وأخبر عما رأى ويقع الخطأ في التعبير لا في نفس ما رأى فالكشف لا يخطئ أبدا والمتكلم في مدلوله يخطئ ويصيب إلا أن يخبر عن الله في ذلك فأما ميزان العلم العقلي فهو على قسمين قسم يدركه العقل بفكره وهو المسمى بالمنطق في المعاني وبالنحو في الألفاظ وهذا ليس هو طريق أهل هذا الشأن أعني علم ما اصطلحوا عليه من الألفاظ المؤدية إلى العلم به من البرهان الوجودي والجدلي والخطابي والكلية والجزئية والموجبة والسالبة والشرطية وغير الشرطية وإن اجتمعنا معهم في المعاني ولابد من الاجتماع فيها ولكن لا يلزم من الاجتماع في المعنى أن لا يكون ذلك إلا من طريق هذه الألفاظ وكذلك لا يلزمنا معرفة المبتدأ والابتداء والفاعل والمفعول والمضاف والمصدر والإضافة واسم كان واسم أن والإعراب والبناء وإن علمنا المعاني ولكن لا يلزم أن نعرف هذه الألفاظ فصاحب الكشف على بصيرة من ربه فيما يدعو إليه خلقه ولكن للعقل قبول كما له فكر ولذلك القبول في الكشف ميزان قد عرفه فيقيمه في كل معلوم يستقل العقل بإدراكه لكن لا يعلمه هذا الولي من طريق الفكر وميزان المنطق فالذي دخل في طريقنا من ميزان العلم العقلي هو إذا ورد العلم الذي يحصل عقيب التقوى من قوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله ومن قوله أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا فالعارف عند ذلك ينظر في تقواه وما اتقى الله فيه من الأمور وما كان عليه من العمل وينظر في ذلك العلم ويناسب بينه وبين تقواه في العمل الذي كان عليه فإن موازين المناسبات لا تخطيء فإذا رأى المناسبة محققة بين العلم المفتوح عليه به وبين ذلك العمل ورأى أن ذلك العمل يطلبه فذلك العلم مكتسب له بعمله فإذا رآه خارجا عن الميزان وترتفع المناسبة أو يكون ما زاد من جنس ما حصل ولكن لا يقتضيه قوة عمله لضعف أو نقص كان في عمله فما زاد على هذا المقدار فهو من علوم الوهب وإن كان له أصل في الكسب فيتعين عليه أن يشكر الله سبحانه على ما منحه فيكون ذلك الشكر يجبر له ما نقص من العمل الذي لو عمله نتج له هذا الذي وهب له فهذا مسبب قد تقدم سببه بل عاد سببا لما كان ينبغي أن يكون مسببا عنه ويزيده الله لذلك الشكر فتحا في قلبه على الحد الذي ذكرناه وتؤخذ جميع الأعمال على ذا كم فهذا حد الميزان العقلي في الطريق واختلفنا فيما يستقل العقل بإدراكه إذا أخذه الولي من طريق الكشف والفتح هل يفتح له مع دليله أم لا فذهبنا نحن إلى أنه قد يفتح له فيه ولا يفتح له في دليله وقد ذقناه وذهب بعضهم منهم صاحبنا الشيخ الإمام أبو عبد الله الكتاني بمدينة فاس سمعته يقول لابد أن يفتح له في الدليل من غير فكر ويرى ارتباطه بمدلوله فعلمت أن الله ما فتح عليه في مثل هذا العلم إلا على هذا الحد فقال أيضا ذوقه فأخباره أنه كذا رآه صحيح وحكمه أنه لا يكون إلا هكذا باطل فإن حكمه كان عن نظره لا عن كشفه فإنه ما أخبر عن الله أنه قال له هكذا أفعله وأن غير هذا الرجل من أهل هذا الشأن قد أدرك ما ذهبنا إليه ولم يعرف دليله العقلي فأخبر كل واحد بما رآه وصدق في أخباره وما يقع الخطأ قط في هذا الطريق من جهة الكشف ولكن يقع من جهة التفقه فيه فيما كشف إذا كان كشف حروف أو صور وأما الميزان الشرعي فهو أن الله إذا أعطاك علما من العلوم الإلهية لا من غيرها فإنا لا نعتبر الغير في هذا الميزان الخاص فننظر في الشرع إن كنا عالمين به وإلا سألنا المحدثين من علماء الشرائع لا نسأل أهل الرأي فنقول لهم هل رويتم عن أحد من الرسل أن قال عن الله كذا وكذا فإن قالوا نعم فوازنه بما علمت وبما قيل لك واعلم أنك وارث ذلك النبي في تلك المسألة أو ينظر هل يدل عليها القرآن وهو قول الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فهو الميزان وليس يلزم في هذا الميزان عين المسألة أن تكون مذكورة في الكتاب أو السنة وإنما الذي يطلب عليه القوم أن يجمعهما أصل واحد في الشرع المنزل من كتاب أو سنة على أي لسان نبي كان من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن أمورا كثيرة ترد في الكشف على الأولياء وفي التعريف الإلهي لا تقبلها العقول وترمي بها فإذا قالها الرسول أو النبي عليه السلام قبلت إيمانا وتأويلا ولا تقبل من غيره وذلك لعدم الإنصاف فإن الأولياء إذا عملوا بما شرع لهم هبت عليهم من تلك الحضرة الإلهية نفحات جود إلهي كشف لهم من أعيان تلك الأمور الإلهية التي قبلت من الأنبياء عليهم السلام ما شاء الله فإذا جاء بها هذا الولي كفر والذي يكفره يؤمن بها إذا جاء بها الرسول فما أعمى بصيرة هذا الشخص وأقل الأمور أن يقول لها إن كان ما تقوله حق أنك خوطبت بهذا أو كشف لك فتأويله كذا وكذا إن كان ذلك من أهل التأويل وإن كان ظاهريا يقول له قد ورد في الخبر النبوي ما يشبه هذا فإن ذلك ليس هو من شرط النبوة ولا حجره الشارع لا في كتاب ولا سنة ومن هذا الباب في هذا المنزل يعلم الإنسان ميزانه من الحضرة الإلهية في قوله أن الله خلق آدم على صورته فقد أدخله الجود الإلهي في الميزان فيوازن بصورته حضرة موجده ذاتا وصفة وفعلا ولا يلزم من الوزن الاشتراك في حقيقة الموزونين فإن الذي يوزن به الذهب المسكوك هو صنجة حديد فليس يشبهه في ذاته ولا صفته ولا عدده فيعلم أن لا يوزن بالصورة الإنسانية إلا ما تطلبه الصورة بجميع ما تحوي عليه بالأسماء الإلهية التي توجهت على إيجاده وأظهرت آثارها فيه وكما لم تكن صنجة الحديد توازن الذهب في حد ولا حقيقة ولا صورة عين كذلك العبد وإن خلقه الله على صورته فلا يجتمع معه في حد ولا حقيقة إذ لا حد لذاته والإنسان محدود بحد ذاتي لا رسمي ولا لفظي وكل مخلوق على هذا الحد والإنسان أكمل المخلوقات وأجمعها من حيث نشأته ومرتبته فإذا وقفت على حقيقة هذا الميزان زال عنك ما توهمته في الصورة من أنه ذات وأنت ذات وأنك موصوف بالحي العالم وسائر الصفات وهو كذلك وتبين لك بهذا الميزان أن الصورة ليس المراد بها هذا ولهذا جمع في صورة واحدة خلق الإنسان ووضع الميزان وأمرك أن تقيمه من غير طغيان ولا خسران وما له إقامة إلا على حد ما ذكرت لك فإنه الله الخالق وأنت العبد المخلوق وكيف للصنعة أن تكون تعلم صانعها وإنما تطلب الصنعة من الصانع صورة علمه بها لا صورة ذاته وأنت صنعة خالقك فصورتك مطابقة لصورة علمه بك وهكذا كل مخلوق ولو لم يكن الأمر كذلك وكان يجمعكما حد وحقيقة كما يجمع زيدا عمرا لكنت أنت إلها أو يكون هو مألوها حتى يجمعكما حد واحد والأمر على خلاف ذلك فاعلم بأي ميزان تزن نفسك مع ربك ولا تعجب بنفسك واعلم أنك صنجة حديد وزن بها ياقوتة يتيمة لا أخت لها وإن اجتمعت معها في المقدار فما اجتمعت معها في القدر ولا في الذات ولا في الخاصية تعالى الله فالزم عبوديتك واعرف قدرك واعلم أن الله قد جعل من مخلوقاته من هو أكبر منك وإن كان خلقه من أجلك ولكن لا يلزم إذا خلق شيئا من أجلك أن تكون أنت أكبر منه فإن السكين عمل من أجل أمور منها قطع يد السارق والنار خلقت من أجل عذاب الإنسان فالإنسان أشرف من النار لأنها خلقت من أجله فهذا الفصل لا يطرد فلا تدخله ميزانك فأنت أنت وهو هو لا إله إلا هو العزيز الحكيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فبهذا قد أعلمتك بالميزان العلمي المشروع والمعقول وما يحتاج إليه من ذلك فلنبين لك ميزان العمل فاعلم أن العمل منه حسي وقلبي وميزانه من جنسه فميزان العمل أن ينظر إلى الشرع وكيف أقام صور الأعمال على أكمل غاياتها قلبيا كان ذلك العمل أو حسيا أو مركبا من حس وقلب كالنية والصلاة من الحركات الحسية فقد أقام الشرع لها صورة روحانية يمسكها عقلك فإذا شرعت في العمل فلتكن عينك في ذلك المثال الذي أخذته من الشارع واعمل ما أمرت بعمله في إقامة تلك الصورة فإذا فرغت منها قابلها بتلك الصورة الروحانية المعبر عنه بالمثال الذي حصلته من الشارع عضوا عضوا ومفصلا مفصلا ظاهرا وباطنا فإن جاءت الصورة فيها بحكم المطابقة من غير نقصان ولا زيادة فقد أقمت الوزن بالقسط ولم تطغ فيه ولم تخسره فإن الزيادة في الحد عين النقص في المحدود فإذا وزنت عملك مثل هذا الوزن كانت صورة عملك مقدار للجزاء الذي عينه الحق لك عليه سواء كان ذلك العمل محمودا أو مذموما فإن الشرع أيضا كما أقام لك صورة العمل المحمود لتعمله وبينه لك لتعرفه كذلك أقام لك صورة العمل المذموم لتعرفه وتميزه من المحمود ونهاك أن تعمل عليه صورة تطابقه فإن خالفت وعملت صورة تطابق تلك الصورة طلبت تلك الصورة موازنتها من الجزاء فإن اتفق أن يدخلها الحق في الميزان بالجزاء فإنه لا يزيد عليها في المقدار وزن ذرة أصلا هذا إذا أقام الوزن عليه بالجزاء وكان عذابه في النار جزاء على قدر عمله لا يزيد ولا ينقص لا في العمل ولا في مقدار الزمان والإصرار من الأعمال المنهي عن عملها ولا يزيله إلا التوبة فإن مات عليه خيف عليه ولم يقطع وإذا أدخل الحق صورة العمل الصالح الميزان ووزنه بصورة الجزاء رجحت عليه صورة الجزاء أضعافا مضاعفة وخرجت عن الحد والمقدار منة من الله وفضلا وهو قوله تعالى من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها كما ذكرناه وقال في الأخرى من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها وقال مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ولم يجعل للتضعيف في الخير مقدار يوقف عنده بل وصف نفسه بالسعة فقال والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم وقال إن ربك واسع المغفرة وقال ورحمتي وسعت كل شيء وغضبه شيء فقد وسعته رحمته وحصرته وحكمت عليه فلا يتصرف إلا بحكمها فترسله إذا شاءت وفيه رائحة الرحمة من أجل المنزل وتمسكه إذا شاءت ولهذا ليس في البسملة شيء من أسماء القهر ظاهرا بل هو الله الرحمن الرحيم وإن كان يتضمن الاسم الله القهر فكذلك يتضمن الرحمة فما فيه من أسماء القهر والغلبة والشدة يقابله بما فيه من الرحمة والمغفرة والعفو والصفح وزنا بوزن في الاسم الله من البسملة ويبقى لنا فضل زائد على ما قابلنا به الأسماء في الاسم الله وهو قوله الرحمن الرحيم فأظهر عين الرحمن وعين الرحيم خارجا زائدا على ما في الاسم الله منه فزاد في الوزن فرجح فكأن الله عرفنا بما يحكمه في خلقه وأن الرحمة بما هي في الاسم الله الجامع من البسملة هي رحمته بالبواطن وبما هي ظاهرة في الرحمن الرحيم هي رحمته بالظواهر فعمت فعظم الرجاء للجميع وما من سورة من سور القرآن إلا والبسملة في أولها فأولناها أنها إعلام من الله بالمآل إلى الرحمة فإنه جعلها ثلاثا الرحمة المبطونة في الاسم الله والرحمن الرحيم ولم يجعل للقهر سوى المبطون في الاسم الله فلا عين له موجودة كالكناية في الطلاق ينوي فيه الإنسان بخلاف الصريح فافهم وأما سورة التوبة فاختلف الناس فيها هل هي سورة مستقلة كسائر سور القرآن أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة فإنهم كانوا لا يعرفون كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة ولم يجيء هنا فدل أنها من سورة الأنفال وهو الأوجه وإن كان لتركها وجه وهو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري ولكن ما لهذا الوجه تلك القوة بل هو وجه ضعيف وسبب ضعفه أنه في الاسم الله المنعوت بجميع الأسماء ما هو في اسم خاص يقتضي المؤاخذة والبراءة إنما هي من الشريك إذا تبرأ من المشرك فلكونه مشركا لأن متعلقه العدم فإن الخالق لا يتبرأ من المخلوق ولو تبرأ منه من كان يحفظ عليه وجوده ولا وجود للشريك فالشريك معدوم فلا شركة في نفس الأمر فإذا صحت البراءة من الشريك فهي صفة تنزيه وتبرئة لله من الشريك وللرسول من اعتقاد الجهل ووجه آخر في ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في كل سورة أولها ويل وأين الرحمة من الويل ولهذا كان للقراء في مثل هذه السورة مذهب مستحسن فيمن يثبت البسملة من القراء وفيمن يتركها كقراءة حمزة وفيمن يخبر فيها كقراءة ورش والبسملة إثباتها عنده أرجح فأثبتناها عند قراءتنا بحرف حمزة في هذين الموضعين لما فيهما من قبح الوصل بالقراءة وهو أن يقول والأمر يومئذ لله ويل فبسملوا هنا وأما مذهبنا فيه فهو أن يقف على آخر السورة ويقف على آخر البسملة ويبتدئ بالسورة من غير وصل والقراء في هذا الفصل على أربعة مذاهب المذهب الواحد لا يرونه أصلا وهو أن يصل آخر السورة بالبسملة ويقف ويبتدئ بالسورة هذا لا يرضيه أحد من القراء العلماء منهم وقد رأيت الأعاجم من الفرس يفعلون مثل هذا مما لا يرضيه علماء الأداء من القراء والمذهب الحسن الذي ارتضاه الجميع ولا أعرف لهم مخالفا من القراء الوقوف على آخر السورة ووصل البسملة بأول السورة التي يستقبلها والمذهبان الآخران وهما دون هذا في الاستحسان أن يقطع في الجميع أو يصل في الجميع وأجمع الكل أن يبتدئ بالتعوذ والبسملة عند الابتداء بالقراءة في أول السورة وأجمع على قراءة البسملة في الفاتحة جماعة القراء بلا خلاف واختلفوا في سائر سور القرآن ما لم يبتدئ أحد منهم بالسورة فمنهم من خير في ذلك كورش ومنهم من ترك كحمزة ومنهم من بسمل ولم يخير كسائر القراء ولوجه التخيير والترك وعدم الترك لهذه البسملة حكم عجيبة لا يسع الوقت لذكرها ولأنها خارجة عن مقصود هذا الباب وهي آية حيثما وقعت إلا في سورة النمل في كتاب سليمان عليه السلام فإنها بعض آية ولا أعلم فيها خلافا فهذا قد أبنت لك عن الميزان العملي والعلمي على التقريب والاختصار فلنبين لك ما يتضمنه هذا المنزل من الأمور التي لم نذكرها مخافة التطويل فاعلم أن هذا المنزل يتضمن علم علل هذه الموازين التي ذكرناها وفيه علم ما يستحقه الرب من التعظيم وفيه علم الآخرة الذي بين الدنيا ونزول الناس في منازلهم من الجنة والنار فيه علم البعث وفيه علم بعض منازل الأشقياء والسعداء وفيه علم الستور وفيه علم الاصطلام وفيه علم مراتب العالم العلوي والسفلي والطييعي والروحاني وفيه منزل القربة ولنا فيه جزء لطيف وفيه علم المفاضلة وفيه علم موازنة الجزاء وفيه علم التخليص والامتزاج وفيه معرفة الوصف الذي لا ينبغي أن يتصف به نبي وعصمة الولي من ذلك وهو عزيز وفيه علم ما يكره في الدنيا ويمقت فاعله وهو محبوب في الآخرة وهو ذلك الفعل بعينه والله يقول الحق وهو يهدي السبيلكونه مشركا لأن متعلقه العدم فإن الخالق لا يتبرأ من المخلوق ولو تبرأ منه من كان يحفظ عليه وجوده ولا وجود للشريك فالشريك معدوم فلا شركة في نفس الأمر فإذا صحت البراءة من الشريك فهي صفة تنزيه وتبرئة لله من الشريك وللرسول من اعتقاد الجهل ووجه آخر في ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في كل سورة أولها ويل وأين الرحمة من الويل ولهذا كان للقراء في مثل هذه السورة مذهب مستحسن فيمن يثبت البسملة من القراء وفيمن يتركها كقراءة حمزة وفيمن يخبر فيها كقراءة ورش والبسملة إثباتها عنده أرجح فأثبتناها عند قراءتنا بحرف حمزة في هذين الموضعين لما فيهما من قبح الوصل بالقراءة وهو أن يقول والأمر يومئذ لله ويل فبسملوا هنا وأما مذهبنا فيه فهو أن يقف على آخر السورة ويقف على آخر البسملة ويبتدئ بالسورة من غير وصل والقراه في هذا الفصل على أربعة مذاهب المذهب الواحد لا يرونه أصلا وهو أن يصل آخر السورة بالبسملة ويقف ويبتدئ بالسورة هذا لا يرضيه أحد من القراء العلماء منهم وقد رأيت الأعاجم من الفرس يفعلون مثل هذا مما لا يرضيه علماء الأداء من القراء والمذهب الحسن الذي ارتضاه الجميع ولا أعرف لهم مخالفا من القراء الوقوف على آخر السورة ووصل البسملة بأول السورة التي يستقبلها والمذهبان الآخران وهما دون هذا في الاستحسان أن يقطع في الجميع أو يصل في الجميع وأجمع الكل أن يبتدئ بالتعوذ والبسملة عند الابتداء بالقراءة في أول السورة وأجمع على قراءة البسملة في الفاتحة جماعة القراء بلا خلاف واختلفوا في سائر سور القرآن ما لم يبتدئ أحد منهم بالسورة فمنهم من خير في ذلك كورش ومنهم من ترك كحمزة ومنهم من بسمل ولم يخير كسائر القراء ولوجه التخيير والترك وعدم الترك لهذه البسملة حكم عجيبة لا يسع الوقت لذكرها ولأنها خارجة عن مقصود هذا الباب وهي آية حيثما وقعت إلا في سورة النمل في كتاب سليمان عليه السلام فإنها بعض آية ولا أعلم فيها خلافا فهذا قد أبنت لك عن الميزان العملي والعلمي على التقريب والاختصار فلنبين لك ما يتضمنه هذا المنزل من الأمور التي لم نذكرها مخافة التطويل فاعلم أن هذا المنزل يتضمن علم علل هذه الموازين التي ذكرناها وفيه علم ما يستحقه الرب من التعظيم وفيه علم الآخرة الذي بين الدنيا ونزول الناس في منازلهم من الجنة والنار فيه علم البعث وفيه علم بعض منازل الأشقياء والسعداء وفيه علم الستور وفيه علم الاصطلام وفيه علم مراتب العالم العلوي والسفلي والطييعي والروحاني وفيه منزل القربة ولنا فيه جزء لطيف وفيه علم المفاضلة وفيه علم موازنة الجزاء وفيه علم التخليص والامتزاج وفيه معرفة الوصف الذي لا ينبغي أن يتصف به نبي وعصمة الولي من ذلك وهو عزيز وفيه علم ما يكره في الدنيا ويمقت فاعله وهو محبوب في الآخرة وهو ذلك الفعل بعينه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل الباب الثاني وثلاثمائة

في معرفة منزل ذهاب العالم الأعلى ووجود العالم الأسفل من الحضرة المحمدية والموسوية والعيسوية

منزل تلقين الحجج . . . منزل من كان درج

فلا تكن كمثل من . . . إن فتح الباب خرج

والزم وكن كمثل من . . . إن فتح الباب ولج

من لاذ بالله احتمى . . . ومن ألح يندرج

في كل ما تسأله . . . من كل ضيق وفرج

قد قيل ذا في مثل . . . بأن من أدلج حج

في مثل هذا يا أخي . . . تفنى النفوس والمهج

كم من لبيب هالك . . . في بحره وسط اللجج

पृष्ठ 13