وبلغنا قباء ونزلنا أمام المسجد، ما أفسح رقعته! فهو مربع، ضلعه أربعون مترا، وما أعلى جدرانه وأمتنها! فهي تعلو الأرض قرابة ستة أمتار، وتدعمها دعائم مبنية وراءها تزيدها قوة، وتخطينا باب المسجد فإذا صحن مكشوف فرش بالحصباء تتوسطه قبة يقابلها محراب، قيل: إنها أقيمت حيث بركت ناقة النبي، ويسمونها لذلك مبرك الناقة، وزوار المسجد يقفون عندها يعيدون من الأدعية ما يتلوه «المزورون» عليهم، وفي جانب من الصحن بئر تنسب لأبي أيوب الأنصاري، لم أعرف لنسبتها له سببا مذكورا في التاريخ، وإن روى عنها المزورون الروايات المختلفة، وعلى يمين الداخل من الباب جانب مسقوف ممتد طول ضلع المسجد ويزيد عرضه على عشرة أمتار، في هذا الجانب يقيم الناس الصلاة، وفيه تقوم عمد وقباب، ويفرشه حصير نظيف، ويتوسطه محراب هو قبلة المصلين، وفي نهاية الجدار الذي يقوم فيه هذا المحراب محراب آخر يقال له: طاقة الكشف، والمزورون يذكرون أن النبي رأى الكعبة من موضعه، وهذا قول ينكره الحس، وبين قباء والكعبة أكثر من ثلاثمائة ميل؛ ولذلك يقول صاحب «مرآة الحرمين»:
وفي المسجد موضع يقال: إنه طاقة الكشف يزوره الناس، ولا أدري كشف أي شيء.
ليس يشبه هذا البناء الذي نراه اليوم ذلك المسجد الذي بناه الرسول بقباء؛ فقد كان ذلك المسجد الأول من اللبن والجريد، فلما كانت خلافة عثمان بن عفان جدده وزاد فيه على نحو ما جدد المسجد النبوي وزاد فيه، وكما هدم عمر بن عبد العزيز المسجد النبوي وشيده بناء بالغا غاية الروعة، هدم كذلك مسجد قباء ووسعه وبالغ في تنميقه، وأقام له مئذنة، وجعل له رحبة وأروقة، وفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة عمره أبو يعلى الحسيني وكتب على حجر يوجد اليوم فوق محراب طاقة الكشف: «بسم الله الرحمن الرحيم
إنما يعمر مساجد الله
الآية. أمر بعمارة مسجد قباء الشريف أبو يعلى أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن - رضي الله عنه - ابتغاء ثواب الله وجزيل عطائه في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة.» وأحدث عمارة في هذا المسجد أجراها السلطان محمود الثاني سنة ألف ومائتين وخمس وأربعين، ونقش تاريخها في حجر لا يزال على بابه.
على مقربة من المسجد مقبرة يزعمون أن مسجد الضرار الذي ورد ذكره في القرآن كان يقوم موضعها، ويذكرون أنها اليوم مقبرة الشيعة والرافضة والنخاولة، ونسبة مسجد الضرار إلى هذا المكان وهم، وحسبك أن تعلم أن مسجد الضرار الذي أحرقه رسول الله كان بذي أوان شمال المدينة ، وأن قباء في أقصى جنوبها، لتدفع هذا الوهم.
قل من يعنى بهذه المقبرة وما يروى عنها، وإنما يعنى الزائرون ببناء مظلم يجاور مسجد قباء ويسميه بعضهم مسجد علي، ويروي الأكثرون أنه دار زوجه فاطمة ابنة الرسول، ويزيرون الناس حجرا في داخله يقولون: إنه الرحا التي كانت فاطمة تطحن بها الحنطة، وليس لهذا الكلام سند من الثبوت العلمي، وإن كان في روايته من الخير أنه يعلم الناس شرف العمل اليدوي وخدمة المرء نفسه والمرأة بيتها.
فأما الأثر الثابت بقباء ثبوت المسجد، والذي يسترعي لذلك الانتباه والعناية، فبئر أريس، ومنبع العين الزرقاء، وهما يقعان قبالة باب المسجد وعلى مقربة منه، ويلفتان مثله نظر الباحث المحقق كما يلفتان نظر الزائر المتبرك، فأنت ترى أمامك قبة تحسبها مزار ولي أو صحابي، وتعجب كيف لم يهدمها الوهابيون؟! ثم تسمع حين تسأل عنها أنها قائمة على بئر أريس، وترى إلى جانبها قبة أخرى ذات محراب بها طاقة تطل على البئر ويستقى منها، فماء البئر عذب سائغ والزائرون يشربونه تبركا لما يقال لهم من أنه كان أجاجا فتفل النبي فيه فعذب، وهذه رواية لم يثبتها ثقات المحدثين، ونفاها نقاد الحديث ولم يتجاوز عنها إلا أقلهم.
ولهذا القول الضعيف تسمى بئر أريس بئر التفلة، وهي تسمى كذلك بئر الخاتم، لما يقال من أن خاتم رسول الله سقط فيها، ورواية سقوط الخاتم ليست منسوبة إلى النبي، فقد بقي هذا الخاتم في حياته وطول خلافة أبي بكر وعمر، وفي السنة السادسة من خلافة عثمان سقط الخاتم من يده في هذه البئر؛ بئر أريس، وعبثا بحث الباحثون عنه لاستخراجه منها.
وقد أضيفت بئر أريس بعد ذلك إلى العين الزرقاء الواقعة في جوارها، كما أضيفت إليها بئر الرباط وبئر بويرة، ومياه الآثار تحدث حين انحدارها في العين الزرقاء دويا كدوي الشلالات؛ ولذلك يسميها أهل المدينة شلالات العين الزرقاء.
अज्ञात पृष्ठ