फी अदब मिस्र फातिमिया

मुहम्मद कामिल हुसैन d. 1380 AH
119

फी अदब मिस्र फातिमिया

في أدب مصر الفاطمية

शैलियों

بيد أن الفاطميين تركوا لفقهاء هذه المذاهب حريتهم العقلية ، وسمحوا لهم بالتحلق في المسجد، وإلقاء تعاليم المذاهب السنية على من يشاء من الطلاب، وقد ذكرنا أن الحاكم بأمر الله لما أمر بعمارة دار العلم، ونقل إليها الكتب من القصر، أسكنها من شيوخ السنة شيخين، أحدهما أبو بكر الأنطاكي، وخلع عليهما وقربهما، وسمح لهما بحضور مجالسه وملازمته، وأنه جمع الفقهاء والمحدثين إلى دار العلم. ويحدثنا عمارة اليمني أن الملك الصالح طلائع بن رزيك كان يلقى في ولايته فقهاء السنة ويسمع كلامهم،

52

مع ما كان عليه الملك الصالح من إفراط في التعصب لمذهبه.

53 (5) تعصب الفاطميين لمذهبهم!

أما هذه المسألة التي أثارها المؤرخون حول تعصب الفاطميين أو تسامحهم، فيخيل إلي أن الفاطميين كانوا يميلون إلى صبغ البلاد كلها بصبغة مذهبهم، أحيانا بالترغيب وأحيانا بالترهيب، فكان الدعاة يؤدون واجبهم في تشكيك المسلمين في مذاهبهم السنية، ويحببون إليهم المذهب الفاطمي؛ فمن المصريين من استجاب لهذه الدعوة عن رغبة بعد أن اقتنع بأقوال الدعاة، ومنهم من استجاب لغرض التقرب إلى الحاكمين، عساه يجد حظوة لديهم وينال مآربه، وهذا اللون من الناس كثير في كل البيئات والأقاليم، ومن المصريين من امتنع عن التحول عن مذهبه الديني، واستمر يحافظ على عقيدته التي دان بها، والتي نشأه عليها أبواه، ولو أدى ذلك إلى تعسف الحاكمين معه. وإذا كان الفاطميون استعملوا السيف في سبيل نشر عقيدتهم وإخضاع الخارجين على مذهبهم، فهذا أمر طبيعي نجد مثيلا له في ظل كل الحكومات التي لها نزعة خاصة حتى في عصرنا الحاضر، فقد رأينا اليوم ألوانا مختلفة من الحكومات الفاشية والشيوعية والنازية، وكلها تحاول فرض سلطانها ومبادئها في بلادها، وأن تصبغ هذه البلاد بصبغتها الخاصة، وأن تحكم بالقوانين التي سنتها نظمها، ولو أدى ذلك إلى القتل والنفي والتشريد لكل من حاول مخالفة تلك النظم والقوانين، رأينا ذلك كله ولمسناه في هذا العصر الحديث، فلا نستطيع أن ننكر أن الفاطميين الذين حكموا مصر منذ ألف عام تقريبا، كانوا يستعملون وسائل الإرهاب لمخالفي عقيدتهم، ولا سيما أن الشيعة عامة ذاقت من العذاب والتنكيل على أيدي خصومهم ما تتحدث به كتب التاريخ.

كان الفاطميون منذ أوائل حكمهم بمصر إلى آخر عهد الظاهر يحكمون بأنفسهم، ولم يكن الوزراء قد بلغوا من القوة والاستبداد بالأمر هذا المبلغ الذي نراه في عهد المستنصر ومن بعده من خلفاء الفاطميين، ففي هذا العصر الأول كان اضطهاد أهل السنة أمرا طبيعيا لتثبيت أركان الدولة، وحمايتها من أعدائها أمويي الأندلس في الغرب، ومن العباسيين في الشرق؛ فكانت السياسة تقضي على الفاطميين أن يكونوا على حذر من كل مخالف لعقيدتهم، وأن يشحذوا السيف لكل من تحدثه نفسه بالخروج على سلطانهم، ولا سيما أن العباسيين وأمويي الأندلس أخذوا يسيئون إلى الفاطميين في نسبهم وفي عقائدهم، وحاربوا الفاطميين بالسيف طورا وبالدعاية طورا آخر، فكتبوا المحاضر في نسب الفاطميين، وطلبوا من العلماء والكتاب الطعن في عقائد الفاطميين، مثل ما نراه في كتب الغزالي وغيره؛ فاضطر الفاطميون إلى أن يكونوا على يقظة من أمرهم إذا جد الجد، وأن يعتبروا كل من لم يعتنق عقيدتهم عدوا لهم، وبهذا نستطيع أن نفسر تطورات الحاكم بأمر الله في سياسته، فكان حينا يقرب أهل السنة ويغدق عليهم أمواله، وطورا يشتت شملهم ويمعن فيهم بالقتل والسجن، وهو في كلا الأمرين مضطر إلى اتخاذ هذه السياسة أو تلك على حسب مقتضى الحال مع خصومه وأعدائه، فالحاكم بأمر الله لم يكن مجنونا كما يصور في كتب التاريخ، وإنما كان سياسيا حازما في سياسته، يعفو في وقت العفو، ويقتل حين يشتد به الأمر، وهكذا كانت الحال في سياسة الفاطميين نحو أهل السنة.

فحينا ترى الفاطميين لا يفرقون بين أصحاب الفرق الإسلامية أو الذمية، فهم يستخدمونهم في وظائف الدولة، ولا يتعرضون لهم بمقت ولا أذى، وقد قال القاضي النعمان في كتابه المجالس والمسايرات:

54 «لما قلدني القضاء بالمنصورية، رأيت قوما لم يصلوا إلى الدعوة، ورأيت فيهم مقاربة، ورجوت أن يهديهم الله إن فتح في ذلك لعباده، فلما جاء الله من ذلك بما هيأه لخلقه من فتح باب رحمته لعباده تخلفوا، ورجوت أن يحاسبوا أنفسهم، ورمزت لهم وطارحتهم، فلم أرهم يقبلون على شيء، فواجهتهم وكلمتهم واحتججت عليهم وناظرتهم حتى قطعتهم، فلم يزدهم ذلك إلا تماديا في الغي وإصرارا على الجهل، فثقل علي أمرهم، وكرهت جانبهم، وأبغضت رؤيتهم، وسئمت صحبتهم، فأردت الاستبدال بهم، فرفعت ذلك إلى المعز، فوقع إلي فيهم: «أبقهم على خدمتك، فإن يفيء الله بهم فسعادة ساقها الله إليهم، وثواب يصير إليك بما بذلته من النصيحة لهم، وإلا فلا يمنعك جهل الحمر المستنفرة من الانتفاع بها في بعض مصالحك، ويكونون بعد كما قال الله - عز وجل:

عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية .

وحينا آخر كان الفاطميون يضطرون اضطرارا إلى أخذ أهل هذه المذاهب بالشدة والعنف، حتى ولي المستنصر بالله سنة 427ه، فأخذ الوزراء ورجال الدولة كل سلطة من الخلفاء، واستطاع الوزراء أن يكونوا هم أصحاب السلطة الفعلية في البلاد، وأصبح الخليفة الفاطمي ألعوبة في أيدي وزرائه، وليس له من الأمر إلا الخطبة، وظهر بين الوزراء من كان على مذهب يخالف المذهب الفاطمي.

अज्ञात पृष्ठ