अरबों का मिस्र पर विजय
فتح العرب لمصر
शैलियों
5
في الجانب الشرقي من المدينة، وكان في انتظاره هناك البطريق «زكريا»، فسلم عليه وأظهر الخضوع، ثم أخذ يعنفه على فخامة ملبسه، وأمره أن يخلع رداءه الأرجواني، ويطرح ما عليه من الذهب حتى يقترب من المواضع الطاهرة بما يليق بها من الخضوع والخشوع. وسار الإمبراطور المظفر بعد ذلك في لباس الحاج المنيب إلى ربه، وكان يرى أينما ولى وجهه آثار الخراب الذي جره الفرس على البلاد منذ أربعة عشر عاما، ثم شكر «مودستوس» على ما بذله في سبيل الإصلاح والعمارة، ولا سيما إعادته بناء كنيسة القيامة وكنيسة الرأس وكنيسة قسطنطين، ثم كان بعد ذلك الاحتفال الأكبر المشهور باسم «إعلاء الصليب»، ولا تزال ذكراه إلى اليوم تحييها الكنيستان الشرقية والغربية كلتاهما في يوم 14 سبتمبر.
وتروى قصة عن الصليب المقدس أنه بقي محفوظا في صندوقه تحليه الجواهر، ولم تقع عليه نظرة نجسة من أعين الكفار في مدة وقوعه في يد الفرس، حتى إن كسرى نفسه لم يجرؤ على أن يدير مفتاح ذلك الكنز الطاهر أو يكشف غطاءه. وأكبر الظن أن الصليب لم تدركه يد التدمير لأمرين؛ أولهما: أن الملك كان يخشاه ويحترمه مع أنه كان غير مسيحي، وكانت خشيته ناشئة من وهم خرافي. وثاني الأمرين: أن الصليب كان له في نفسه قيمة لما فيه من الذهب والجوهر الذي يحيط به، وكان كسرى يحب جمع التحف وآثار الفن. وعلى أي حال قد أرجع الصليب إلى كنيسة القيامة، ووضع فيها على المذبح في احتفال باهر فخم.
وليس من الوهم أن نرى في هذا الاحتفال الباهر بإعادة الصليب أعلى ما بلغه الإمبراطور من المجد في حياته؛ فقد أدرك عند ذلك قصارى السلطان والهيبة، وطبق ذكره الآفاق. ولعله أحس عند ذلك أنه قد أدى أمانته وأتم أمره؛ فقد قضى من قبل عشر سنين كان فيها مخذولا ذليلا، يهوي به خور عجيب في النفس، وهوت معه دولته حتى رغمت، وضاعت منها قطعة بعد قطعة لا تحتمل أن تلمسها جيوش الهمج حتى تتداعى، فلم يبق منها إلا أسوار العاصمة وما يليها من شريحة صغيرة من البحر تفصل بينها وبين جموع العدو الضاربة حولها، ثم نهض كما ينهض الحالم من سباته، فأعجب العالم بما أظهر من مضاء في العزيمة، وقوة في الجهاد، ومن حماسة ثائرة، ورأي في الحرب باهر، ومن سرعة في بت الرأي، وهيبة تخضع لها الرجال. وتلك لعمري صفات جعلته سيد قواد عصره لا يدانيه مدان. وسارت الجيوش التي جمعها تحت لوائه يهديها بهدي عقله الراجح، فغلبت الفرس وكانوا من قبل مغلوبين، وأزاحت نيرهم عن الدولة من ضفاف البوسفور إلى شواطئ «نهر الرس»، ومن ثم إلى الأردن فالنيل. وفوق هذا وذاك استطاع أن يحفظ المسيحية من خطر كاد يدهمها من الوثنية؛ إذ كانت على وشك أن تجتاحها، وأرجع من ملك الوثنيين أعز رمز لدين المسيح؛ فكان إرجاع الصليب إلى مشهده في المدينة المقدسة بمثابة الخاتم ضم الإمبراطور المظفر إلى الغازي الموفق في جهاده في سبيل الدين؛ فقد خلص دولة الروم وحفظ دين المسيح بعد أن كانا على شفا جرف هار من الضياع والدمار.
غير أنه منذ ذلك الوقت أخذ حظه يتعثر، وخلقه يهن ويضمحل. وكان أول ما أمر به في أمور السياسة أن نكل باليهود تنكيلا فظيعا انتقاما منهم، وكان الناس والقسوس كلاهما يتسابق بالوشاية إلى الإمبراطور بهذا الشعب، وإيغار صدره منهم، يتهمونهم بأشنع من تهم الفرس، وأنهم كانوا أشد منهم فتكا بالمسيحيين، وأفظع منهم جرما في تدمير الكنائس وإحراقها. ولسنا ندري لعل تلك التهمة كانت صحيحة أو في شيء كثير من الصحة؛ فإنه لأمر ما قد بادر اليهود إلى أخذ عهد من الإمبراطور يؤمنهم، وإنهم ولا شك كانوا عند ذلك يحملون للمسيحيين عداوة أشد مما كانوا يحملون لجيرانهم من أهل الوثنية. على أن هرقل لم يسارع إلى الأمر، بل كان غير راغب في الإقدام على نقض عهده، فقال له قائل: إنه إنما أعطى العهد قبل أن يعلم بحقيقة ما كان منهم، وإنه ما كان ليحفظ عهدا مع قوم خدعوه عنه، وإنه لو كان قد علم بما فعله اليهود من فتك بالمسيحيين بالسيف والنار لما تردد في أن يقسو عليهم ويشتد في حكمهم، إلى غير ذلك من الأقوال. وما زالوا به حتى أزالوه عن رأيه؛ إما بعلو ضجيجهم، وإما بالتماس الحجج لإحلاله من عهده. ولعل كلا الأمرين قد اجتمع على ذلك؛ فأمر أن يجلى اليهود عن بيت المقدس، ويمنعوا أن يعودوا بعد ذلك إلى ما بعد أسوار المدينة بثلاثة أميال. ولكن ذلك النفي لم يكن أشد عقوبة نزلت بهم؛ فإنه يلوح لنا أن هرقل قد أجاب المسيحيين من رعيته إلى كل ما طلبوه من الانتقام، وهناك وقعت في اليهود مقتلة تشبه أن تكون عامة.
6
ولكن البطريق ومطارنته أرادوا أن يزيلوا وساوس الإمبراطور، وأن يطيبوا نفسه، ويطمئنوا نفوسهم إلى ما كان، فبعثوا إلى المدائن جميعها كتبا يأمرون فيها أن يصوم الناس أسبوعا، وأن تكون تلك سنة أبد الدهر. وما زالت تلك السنة باقية إلى يومنا هذا؛ فإن أول أسبوع من الصوم الكبير عند القبط لا يزال اسمه «صوم هرقل». ويمكن أن نقول إن القبط قد اشتركوا في تلك المقتلة لما كان بهم من ذحل وموجدة على اليهود منذ أيام فتح الفرس للإسكندرية.
والظاهر أن الإمبراطور قضى الشتاء في بيت المقدس. ويمكننا أن نستنتج من تاريخ الصيام المذكور أن مقتلة اليهود كانت في أول العام الذي بعده؛ أي عام 630. وقد مات في ذاك الشتاء البطريق «زكريا»،
7
وولي مكانه على عرش البطرقة «مودستوس» عن رضا من الملك والناس جميعا.
अज्ञात पृष्ठ