وهي جالسة رأت جماعة عليهم ألبسة المصريين الوطنيين من التجار والمزارعين، وقد تجمعوا أزواجا وأثلاثا وهم يتذمرون ويتأوهون وسمعت أحدهم يقول: «ما لنا وللحروب لقد خربت البلاد واختنق الناس من القحط والغلاء حتى فرغت أيدينا من النقود وهؤلاء الجند لا يزيدوننا إلا ضرائب. وهم منعمون لا يهمهم إلا أخذ الأموال ... إنهم معذورون طبعا إذا خافوا على سيادتهم وأحبوا محاربة أولئك المغاربة.»
فأجابه آخر: «ما لنا ولهم ... الأفضل لنا أن نصالح. وهذا الوزير قد وافقنا على طلب الصلح. إن هذه الدولة الجديدة رشيدة وقد سمعت الثناء على خليفتها وزهده في الأموال ورغبته في راحة رعيته ...»
فتقدم ثالث وقال: «وقد بلغني أن هذا الجند قادم إلينا وقد حمل الذهب على الجمال كالأرحية ... أين ذلك من استبداد جندنا وحكومتنا بأموالنا؟»
ثم سمعت رجلا يضحك - وفي وجهه هيئة المجون - وقال: «كيف تدعون الفقر يا قوم أليست الأموال مخزونة في بيت الإخشيدية والكافورية؟ هذه بنت الإخشيد قد فرشت منزلها بما لم تبلغ إليه زبيدة زوج الرشيد وعندها الجواري بالمئات ... وتقولون مع ذلك إننا فقراء؟»
فضحك الجميع من مجونه، ثم شغلوا بحركة وضوضاء ظهرت هناك فالتفتت لمياء فرأت ابن الفرات خارجا وقد خرج الشريف مسلم لوداعه وابن الفرات يبالغ في احترامه والثناء عليه. ولما ودعه قال ابن الفرات: «أتعدني يا سيدي بالذهاب غدا إلى الإسكندرية؟»
قال: «كن مطمئنا أني باذل جهدي في إقناع القائد أن يقبل بالصلح وأنا ضامن ذلك - بإذن الله.»
ففهمت أن ابن الفرات يسعى في المصالحة، وتذكرت ما سمعته من أبي حامد في هذا الشأن. وأرادت أن تخاطب الشريف فرأته تحول إلى غرفته كأنه في شاغل عن المقابلات، فأجلت مقابلته إلى فرصة أخرى، وذهبت إلى دار الحريم وقد تعبت واستلقت على الفراش ومالت إلى الخلوة وأخذت تفكر بما سمعته فغلب عليها النعاس فنامت رغم إرادتها.
ولم تفق إلا في الصباح على ضوضاء القوم في الدار، فنهضت وسألت عن الشريف فقيل لها إنه بكر إلى الإسكندرية مع وفد من أعيان المصريين ومعه كتاب الوزير ابن الفرات في طلب الصلح.
1
أما هي فإنها ما زالت في قلق؛ لما علمته من مساعي أبي حامد، وأسفت لأنها لم تستطع مقابلة مسلم قبل ذهابه. وهي في ذلك رأت يعقوب داخلا، فأحست براحة وأسرعت إليه فلما رآها هش لها وتقدم نحوها فأومأت إليه أن يجلس وقصت عليه ما سمعته أمس. فاستغرب قولها وأدهشه عزم أبي حامد وما دبره فقالت: «لا حاجة بي أن أخبرك عن أهم ما قصصت عليك.»
अज्ञात पृष्ठ