ولكل جعلنا موالي ، قال: الموالي العصبة، هم كانوا في الجاهلية الموالي؛ فلما دخلت العجم على العرب لم يجدوا لهم اسما، فقال تبارك وتعالى:
إن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ، فسموا الموالي، قال: والموالي اليوم موليان: مولى يرث ويورث، فهؤلاء ذوو الأرحام؛ ومولى يورث ولا يرث، فهؤلاء العتاقة»، فظاهر من قوله أن إطلاق الموالي على هذه الأعاجم معنى مستحدث في الإسلام، والظاهر أنه استعمل في عهد النبي
صلى الله عليه وسلم
بهذا المعنى، فقد كانوا يطلقون على زيد بن حارثة مولى رسول الله؛ ووردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى مثل: «نهى رسول الله عن بيع الولاء»، و«الولاء لحمة كلحمة النسب...» إلخ، فلما كثر الرق والعتق كثر استعمال الموالي بمعنى المعتقين: وقد تأثر الموالي بالعصبية العربية، فكان موالي كل قبيلة ينتسبون إليها، ويحاربون معها، ويستخدمون في شئونها، ومع أن الإسلام يدعو إلى أن المسلمين كلهم سواء، فقد كان العرب - وخاصة في الدولة الأموية - ينظرون إليهم نظرة فيها شيء من الازدراء مما أدى إلى كراهية الموالي للأمويين، وتكوين عصبية لهم؛ جاء في تاريخ الطبري في ثورة المختار: «التقى أشراف الناس بالكوفة فأرجفوا بالمختار، وأخذوا يقولون: «والله لقد تأمر علينا هذا الرجل بغير رضا منا، ولقد أدنى موالينا، فحملهم على الدواب وأطعمهم فيئنا، ولقد عصتنا عبيدنا فحرب
9
بذلك أيتامنا وأراملنا ... ثم قال: إنهم بعثوا إليه شبث بن ربعي، فقال له: عمدت إلى موالينا وهم فيء أفاءه الله علينا وهذه البلاد جميعا، فأعتقنا رقابهم، نأمل الأجر في ذلك والثواب والشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاء في فيئنا» ... إلخ، ولعل هذه القصة أصدق ما يرينا نظرة العربي إذ ذاك إلى مواليه، وقد روى ابن عبد ربه في العقد الفريد «أن معاوية قال: إني رأيت هذه الحمراء (يعني الموالي من الفرس والروم) قد كثرت ... وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطرا، وأدع شطرا لإقامة السوق وعمارة الطريق ... ثم عدل عن ذلك»
10 .
هذا النظام الذي ذكرت من رق وولاء ، كان له أكبر الأثر في الحياة العقلية، فكثير من رجال البلاد المفتوحة ونسائهم وزعوا - كأنهم غنائم - على الجيش العربي ، فكان لكل جندي تقريبا عبيد وإماء يستخدمهم في حوائجه، ويستولد الإماء إن شاء، فنتج من هذا أن البيت العربي دخلت فيه عناصر أخرى فارسية أو رومانية أو سورية أو مصرية أو بربرية، فلم يعد البيت العربي بيتا عربيا، بل بيتا مختلطا، ورب البيت هو العربي؛ أضف إلى هذا أن هؤلاء الإماء كن يلدن أولادا يحملون الدمين معا: الدم العربي من جهة الأب، والدم الأجنبي من جهة الأم، وكان عدد هذا النوع كثيرا لكثرة الفتوح التي فتحها المسلمون في عهد عمر ومن بعده، وكثير من هذه البلاد فتحت عنوة، فكان أهلها وغزاتها عرضة للأسر والسبي، حتى أكبر الأسر وأعظمها جاها؛ ذكر «الزمخشري» في كتابه «ربيع الأبرار»: أن الصحابة رضي الله عنهم لما أتوا المدينة بسبي فارس في خلاقة عمر بن الخطاب كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد (ملك الفرس) فباعوا السبايا، وأمر عمر ببيع بنات يزدجرد أيضا؛ فقال علي بن أبي طالب: إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة، فقال: كيف الطريق إلى العمل معهن؟ قال: يقومن، ومهما بلغ ثمنهن قام به من يختارهن، فقومن، فأخذهن علي بن أبي طالب، فدفع واحدة لعبد الله بن عمرو، وأخرى لولده حسين، وأخرى لمحمد بن أبي بكر الصديق؛ فأولد عبد الله ولده سالما؛ وأولد الحسين زين العابدين؛ وأولد محمد ولده القاسم؛ فهؤلاء الثلاثة بنو خالة وأمهاتهم بنات يزدجرد، ويشك بعض الباحثين في نسبة هؤلاء البنات إلى يزدجرد، ولكن يظهر أن ليس هناك شك في أنهن من خيرة بنات الفرس؛ جاء في كتاب الكامل للمبرد: «وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم علي بن الحسين، والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا، فرغب الناس في السراري».
هؤلاء الأرقاء والموالي أنتجوا في الجيل الثاني لعهد الفتح عددا عديدا، منهم من يعد من سادات التابعين، وخير المسلمين، ومن حملة لواء العلم في الإسلام؛ وسنبين ذلك عند الكلام على الحركة العلمية.
دخول البلاد المفتوحة في الإسلام:
अज्ञात पृष्ठ