أما فيما يختص بالأراضي التي يحتمل أن تكون أملاك الملك، وكذلك ما يتعلق بملاحظة الموظفين المكلفين برعايتها، فإن الملك قد ختم ذلك القانون الذي يعتبر بحق دستور إعلان الحقوق للفقراء
Magna Carta
بالكلمات التالية: «راع القانون الذي ألقي على عاتقك.»
هل هي رؤية الملك الأمثل الذي ذكره «إبور» أمام البلاط؟ أو صورة الفساد القائمة التي صورها «الرجل التعس»؟ أو رؤية ذلك المنظر المؤثر الذي دل على الاضطهاد الرسمي وكشفته لنا قصة «الفلاح الفصيح»؟ أي هذه العوامل هي التي أحاطت أخيرا العرش الملكي بجو من العدالة الاجتماعية حتى إن تنصيب رئيس الوزراء وقاضي القضاة في الدولة - (لأن الوزير الأعظم كان يلقب أيضا بذلك اللقب الأخير) - جعل الملك يلقي خطاب عرش ليكون بمثابة تصريح رسمي من رئيس البلاد الأعلى إلى أكبر موظف في الهيئة التنفيذية يضمنه المبادئ الأساسية التي تقوم عليها العدالة الاجتماعية؟!
إننا الآن بالطبع نستطيع القول بأن تلك الوثيقة الرسمية المفعمة بروح العدالة الاجتماعية كانت هي النتيجة المباشرة لتلك المقالات المصرية الاجتماعية التي طالعناها فيما تقدم، وتوجد بعض الأدلة على صحة ذلك الاستنتاج؛ إذ إن نفس الرعاية التي أظهرها الملك في هذه التعليمات بتفضيله الضعيف على المستكبر أو العنيف القلب، يوجد مثلها في تحذيرات «إبور». وعلى وجه عام فإن خطاب تنصيب الوزير يتفق تمام الاتفاق مع تعاليم تلك المقالات المصرية الاجتماعية.
وسواء أكان المقصود من سياسة الملك الاجتماعية المذكورة في مقاله ذلك هو استجابة ظاهرة لتلك المقالات أم لا، فليس لذلك أهمية ذات شأن؛ إذ إنه من الظاهر جدا أن موضوع «الضمير» في ذلك العصر الإقطاعي قد صار يعد شيئا أكثر من كونه مجرد تأثير خاص بسلوك الفرد، فقد صار «الضمير» في الواقع قوة اجتماعية ذات تأثير عظيم في الحياة الاجتماعية لأول مرة في التاريخ البشري.
ومن الواضح أن الملك قد صار منقادا لنفوذ المفكرين الأخلاقيين في ذلك العصر، وأن سياسة العدالة الاجتماعية صارت تكون جزءا من هيكل النظام الحكومي. وقد انتهى عهد تلك الأيام الخالية التي كان يعتبر فيها سلوك الإنسان الخلقي مرضيا إذا رضي عنه الأب والأم والإخوة والأخوات، وجاء العهد الذي يصح أن نسميه عصر «الضمير» الاجتماعي، وهو الذي بحلوله بزغ عصر الأخلاق.
وقد رأى أنصار ظهور المخلص الاجتماعي أن حلمهم ذلك قد تحقق فيما يختص بظهور الملك العادل؛ وذلك عندما اعتلى «أمنمحات الأول»
2
عرش الملك. فماذا كان من أمر المصلحين الذين كانوا أقل خيالا في مطامحهم وأعني بهم الذين كان أساس آمالهم إنشاء جيل جديد من الموظفين العدول؟ الحقيقة الواقعة أنه لا يمكن فصل أحد المنهجين عن الآخر؛ لأن حكم الملك العادل لا يكون له بمفرده تأثير يذكر إذا لم يعتمد على طائفة من الموظفين العدول ليقوموا بتنفيذ السياسة الملكية العادلة. وقد كان الملك «أمنمحات الأول» يؤمن بتلك الحقيقة إيمانا راسخا، ولعدم ثقته بالناس كان ضعيف الأمل في أن تأتي استقامته بمفرده بالنفع المأمول. على أن مفكرا مثل مؤلف قصة «الفلاح الفصيح» (الذي نجهل اسمه الآن) كان يتطلع إلى ظهور نتائج ما كتبه، ولدينا بعض الأدلة التي تثبت أنه لم يخب ظنه.
अज्ञात पृष्ठ