दीन इंसान
دين الإنسان: بحث في ماهية الدين ومنشأ الدافع الديني
शैलियों
نظريات في منشأ الدين: نقد وتأسيس
لقد قلت في بداية هذا الكتاب إن ما أهدف إليه هو التعرف على الظاهرة الدينية عند الإنسان، كما هي، وعلى حقيقتها، وذلك بوصفها وصفا دقيقا، وعزلها عن بقية ظواهر النشاط العقلي والنفسي المتعددة الأخرى؛ لغرض الجواب على التساؤل الأساسي: ما هو الدين؟ وقد خصصت القسم الأول من الدراسة لتحليل بنية الدين، فوجدت أنه يتألف من مكونات أساسية هي: المعتقد والطقس والأسطورة؛ وأخرى ثانوية هي: الأخلاق والشرائع. وبما أن كل ظاهرة يمكن تلخيصها إلى بنية الحد الأدنى التي يقودنا استقصاؤها إلى توضيح ماهية الظاهرة ومعناها، فقد وجدنا في المعتقد الديني ذلك الحد الأدنى الذي يمكن تقليص الظاهرة الدينية إليه دون المساس بأساسياتها. ثم انتقلت إلى الافتراض بأن المعتقدات الدينية قديمها وحديثها وبسيطها ومركبها، يمكن إرجاعها إلى عدد من العناصر الثابتة والمشتركة بين الأديان جميعا. ففي القاع من كل إيمان ديني لا بد من وجود عدد من الأفكار البسيطة الأولية التي تجمعه إلى كل إيمان آخر؛ لأن الظاهرة الواحدة لا بد لها من أساس واحد تقوم عليه، رغم تنوع تبدياتها عبر الأزمان واختلاف البيئة والمكان. وبتعبير آخر، فإن بنية الحد الأدنى للدين التي وجدتها في المعتقد، إنما تقوم بدورها على بنية أخرى للحد الأدنى الاعتقادي، هي تصور إنساني واحد يقوم عليه الدين برمته، وأنى التقينا به. ثم خصصت القسم الثاني من الدراسة لتقصي هذا الحد الأدنى الاعتقادي، أو التصور الإنساني المشترك، وذلك باستعراض أهم النماذج الممثلة لدين الإنسان عبر التاريخ، فاتضح أمامنا تدريجيا صحة فرضيتنا، وتكشفت كثرة المعتقدات عن وحدة صميمية:
يقوم المعتقد الديني على الإحساس بانقسام الوجود إلى مستويين، أو مجالين؛ المستوى الطبيعاني، وهو عالم الظواهر المحسوسة الذي يعانيه ويتحرك ضمنه الإنسان؛ والمستوى القدسي، وهو الغيب الذي صدرت عنه هذه الظواهر المحسوسة بما فيها الإنسان وأشكال الحياة الأخرى. يتصل المستوى القدسي بالكون من خلال حالة فعالية ، هي قوته السارية، التي تجمع بين المستويين في دارة واحدة؛ باطنها الألوهة، وظاهرها ما لا يحصى من الظواهر الحية والجامدة.
في المناهج الحديثة لدراسة أي موضوع، هنالك تمييز بين ثلاث مراحل للتقصي؛ ففي المرحلة الأولى نبحث في طبيعة الموضوع، وفي الثانية في كيفية نشأته وعن ماذا، وفي الثالثة في معناه وأهميته ودوره. تتخذ المرحلتان الأولى والثانية طابعا معرفيا عمليا، بينما تتخذ الثالثة طابعا قيميا وأخلاقيا وفلسفيا. وهنا يكمن فيصل التمييز بين المنهج الفينومينولوجي الظاهراتي الذي يقف عند المرحلة الثانية لا يتجاوزها، والمنهج الآخر الذي يستوفي المراحل الثلاث؛ لأنه يهدف منذ البداية إلى معرفة قيمة الظاهرة المدروسة وإصدار الأحكام القيمية بشأنها، استنادا إلى معايير موضوعة وموازين منصوبة. ولقد تعرفت على طبيعة الظاهرة الدينية من خلال وصفها وصفا شاملا، ثم لخصتها إلى بنية الحد الأدنى التي تلخص ماهيتها وجوهرها، وذلك في القسمين الأولين من هذه الدراسة، وبقي علينا أن نتساءل عن المصدر والمنشأ، أما التقييم وإصدار الحكم فأمر لا يعنى به منهجنا الذي التزمناه.
فعن ماذا ينشأ الاعتقاد بانقسام الوجود إلى مستويين، متمايزين ظاهرا ومتحدين ضمنا وباطنا؟ وما هي بواعث ذلك الإحساس بالوحدة الشاملة التي يقوم عليها المعتقد الديني، ومن ورائه الظاهرة الدينية إجمالا؟ وباستخدام المصطلحات والتعابير الشائعة نقول: ما هو الأصل في الدين؟ وما هي بواعث التدين؟ وهو التساؤل المعروف الذي عالجته مدارس فكرية من شتى المشارب والمذاهب. ولكن، قبل أن نشرع في بسط ما قادتنا إليه هذه الدراسة من نهايات تتعلق بهذا التساؤل، سوف نعمد إلى استعراض أهم المواقف الفكرية من المسألة، فنناقشها ونبني على دحضها نظرية جديدة مدعمة. قد نعود إلى مناقشة بعض الأفكار الرئيسية لمدارس ومذاهب معينة، ولكن لا لغرض التكرار، بل لوضعها في سياق جديد.
إن البحث في منشأ الدين وأصله ليس بالأمر الجديد، كما يعرف كل منا معرفة جيدة. ولقد قادنا الاطلاع على النظريات الرئيسية في أصل الدين إلى تصنيفها في زمرتين، تؤكد الزمرة الأولى على الأصل العقلاني، بينما تؤكد الثانية على الأصل العاطفي غير العقلاني . ينتهي كلا الاتجاهين إلى نتيجة تستدعيها مقدماتهما، وهي أن الدين لا ينبع إلا عن وهم خلقه خيال البشر أو عواطفهم عبر التاريخ، وأنه لا يعكس بأية حال خبرة تمت إلى عالم الحقيقة بصلة. فإلى أي حد تتمتع هذه النتيجة بقيمة تؤهلها لأن تكون نهاية المطاف في استقصاء منشأ الدين؟
لفترة طويلة من الزمن، طرحت النظرية الأرواحية (=
Animism ) نفسها كأقوى معبر عن الاتجاه العقلاني في تفسير الدين، وبقيت حتى الآن نظرية كلاسيكية تتمتع ببعض القبول. يرى الفيلسوف والاجتماعي البريطاني هربرت سبنسر، أن البشرية قد مرت في مراحلها الأولى بزمن لم تعرف خلاله الدين، ثم بدأ الدين بالتكون عندما أخذت الجماعات البشرية بتقديس أرواح زعمائها الراحلين، وتحولت أرواح هؤلاء الأسلاف المبجلين تدريجيا إلى آلهة، تمركز الدين حولها وابتدأ بها. ثم جاء الأنتروبولوجي تيلور، فطور هذه الفكرة المركزية في مذهب سبنسر، ووضع الأسس النظرية المتكاملة للنظرية الأرواحية. فمن فكرة الروح التي طورها الإنسان القديم انطلاقا من مراقبته لأحلامه، انتقل تيلور إلى الربط بين فكرة الروح وتطور مفهوم الآلهة ونشوء الدين. ومن فكرة الأرواح البشرية، انتقل تيلور إلى فكرة الأرواح الحالة في مظاهر الطبيعة. فالبدائي، كما يرى تيلور، لم يكن يستطيع رسم فاصل واضح بين الكائنات الحية والأشياء الجامدة؛ ولذلك فقد نقل إيمانه بأرواح البشر إلى الإيمان بأرواح المظاهر الطبيعية، وفسر ما يراه من حركة هذه المظاهر بالأرواح التي تسكنها. وبذلك وسع الإنسان مفهوم الروح التي افترضها في الكائنات الحية ليشمل عالم الطبيعة، فقرن عبادة الأسلاف بعبادة مظاهر الطبيعة. لقد قدمنا، بتفصيل أكثر، مذهب تيلور في موضع سابق من هذا الكتاب، ولكن ما أريد إضافته هنا يتعلق بالموقف العقلاني الذي تقوم عليه الأرواحية؛ فالدين عند تيلور إنما ينشأ نتيجة التأمل في العمليات النفسية للإنسان، وبشكل خاص، فإن التأمل في الأحلام هو الذي يقود إلى افتراض وجود الروح، فإلى عبادة أرواح الأسلاف ومظاهر الطبيعة؛ وبذلك يكون الدين قد نشأ، في تفسيره، على عدد من المفاهيم الذهنية التي تكونت نتيجة الفكر والتأمل.
1
النظرية الرئيسية الأخرى في الاتجاه العقلاني هي النظرية الطبيعيانية. وقد جاء أصحابها في صفوف الباحثين في أديان الحضارات الكبرى، لا من صفوف علماء الأنتروبولوجيا والإثنولوجيا. وقد ساهم في صياغة هذه النظرية عدد من الباحثين من أمثال الألماني
अज्ञात पृष्ठ