وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير من الذهب، فتسلق المسلمون وقلعوه، والفرنج ينظرون إليهم، فصاح الناس كلهم صيحة كادت الأرض أن تميد بهم، أما المسلمون فصاحوا سرورًا بالتكبير والتهليل، وأما الفرنج فصاحوا تغينًا وتوجعًا (^١).
وقال ابن كثير ﵀: ولم تتفق صلاة الجمعة يومئذ، يعني يوم دخولهم، خلافًا لبعضهم ممن زعم (^٢) أنها أقيمت يومئذ، وأن السلطان خطب بنفسه بالسواد يومئذ، والصحيح أن الجمعة لم يتمكن إقامتها (^٣) يومئذ لضيق الوقت، وإنما أقيمت في الجمعة المقبلة، وكان الخطيب القاضي محيي الدين بن على القرشي المعروف بابن الزكي كما نذكره قريبًا.
ونظف المسجد لأقصى يومئذ مما كان فيه من الصلبان والرهبان والخنازير، وخربت دور الداوية كانوا قد ابتنوها غربي المحراب الكبير، وكانوا اتخذوا المحراب سرابا (^٤) ومستراحا (^٥)، فنظف المسجد من ذلك كله، وأعيد إلى ما كان عليه في الأيام الإسلامية والدولة المحمدية. وغسلت الصخرة بالماء الطاهر. وأعيد غسلها بماء الورد الفاخر، وأبرزت للناظرين، وقد كانت مستورة محجوبة (^٦) عن الزائرين (^٧). وفي المرآة: ودخل السلطان الصخرة وغسلها بماء الورد، وقيل: غسلها بلحيته وهو يبكي. ومحى الصور منها.
وقد كان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀ قد عمل منبرًا بحلب وتعب عليه مدة، وقال: هذا لأجل القدس الشريف، فأرسل السلطان صلاح الدين وأحضره من حلب، وجعله في الجامع الأقصى.
ولما كان في الجمعة الثانية، وأرادوا أن يقيموا به الجمعة، حضر المسلمون بالحرم الشريف من كل فج عميق، فاجتمع من الأعمال الإسلامية عدد لا يحصى، فلما أذن
(^١) في مفرج الكروب، ج ٢، ص ٢١٧.
(^٢) "خلافًا لمن زعم" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٤٥.
(^٣) "لم يتمكنوا من إقامتها" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٤٥.
(^٤) لم ترد كلمة سرابًا في المصادر المعاصرة التي بين أيدينا.
(^٥) "مشتا" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٤٥، والمثبت كما في الفتح القسي، ص ١٣٧؛ الكامل، ج ١٠، ص ١٥٨.
(^٦) "مخبوءة" في البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٤٥.
(^٧) انظر: مرآة الزمان، ج ٨، ص ٢٥٤.