233

وأما الدليل السمعي: فهو ما حكاه الله تعالى في محكم كتابه عن بني إسرائيل حين قهرهم عدوهم وأزعجهم من ديارهم، فطلبوا القيام بمجاهدته، فإنهم أول ما طلبوا مالا يستقيم إلا به، فقالوا: لنبيهم أشمويل -عليه السلام-{ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله }[البقرة: 246]، ولم يقولوا: إئذن لنا نقاتل عدونا، ما ذاك إلا لما علموا أن القتال من دون ملك ينظمه، ويدبر أمره لا يستقيم، فطلبوا ما يحصل به قوامه، وهو بعث الملك لهم فقرر الله تعالى ورسوله نظرهم في ذلك، ولم ينكر نبيهم -عليه السلام- ما اعتقدوه من كون القتال لا يستقيم إلا بملك، وإلا لم يحصل الغرض المقصود به، فأجاب سؤالهم بأن أخذ عليهم العهد بأنهم يقاتلون متى أمرهم الملك الذي التمسوا إقامته، وأنهم لا يتركون القتال معه حيث قال: {هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا}[البقرة: 246] فقرروا على أنفسهم الوفاء بما عهد به إليهم، بأن قالوا: {وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله}[البقرة: 246] الآية فلما أنس منهم الوفاء، وعلم أن الجهاد لا قوام له إلا بملك ينظم أمره ويعلم أحكامه.

पृष्ठ 240