कराइस बयान
عرائس البيان في حقائق القرآن
وقال الجنيد : ما أوقعهم في الحسد إلا ما أظهر من شفقته عليه بهذا القول.
قوله تعالى : ( قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة ): لما رأى يعقوب أن حبال التقدير لا تضر وأن تواتر البلاء لا ينقطع وأن عساكر الغيرة لا تمتنع أرسله معهم ، وذهب مع سيول بحر القهريات مريد المرادة ، وكيف تدفع تقدير الأزل قوة العصبة وعلة التدبير ، وربما نفي نظر التوحيد في بعض الوسائط في بعض الأوقات ، فقطع الله ذلك حتى لا يستمسك غريق بحر المعرفة من قبلهم ، فالقوة في الجب ، ثم لما أرسل بنيامين قال : ( فالله خير حافظا ): حفظه ورده إلى يوسف عليه السلام ، وردهم جميعا إلى يعقوب ، كذا حال من اعتمد على ربه ، ومن اعتمد على غيره.
ولما وقع يوسف عليه السلام في بحر الامتحان ، وعجز في أيدي الأخوان ، وذاق طعم جفائهم ، رفع عروس الغيب رأسه عن بحر البلاء لتسلية قلب يوسف عليه السلام بالولاء بقوله : ( وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ): لتنبئنهم بأنباء الأزلية ، ومناطق الربوبية بلسان النبوة ما غاب عنهم ، وما علموا وفعلوا وصنعوا حين نبلغك إلى رتبة الأعلى من النبوة والرسالة والتمكين والاستقامة ، وهكذا كمال تسلية الله سبحانه صديقه في ابتلائه.
وقال الأستاذ : الإشارة فيه أنه لما حلت به البلوى عجلنا له تعريف ما ذكر من البشرى ليكون محمولا بالتعريف في عين ما هو محتمل له من البلاء العنيف.
ويقال : إن انقطع عن يوسف عليه السلام مراعاة أبيه إياه حصل له الوحي من قبل مولاه.
قوله تعالى : ( وجاؤ أباهم عشاء يبكون ): سر هذه الاية أن طبيعة البشر إذا ظفرت بمرادها رقت ، فإذا دعيت بالبكاء أجابت ، ولكن لا يكون بكاءها إلا من فرح الخداع وحب الجاه والرياسة ، وإن ذلك البكاء أكثره تباكيا ، بكوا بغير عبرة ولا بفلق وحزن من أسف ، ولا بزفرة جاءوا عشاء حتى لا يتبين تباكيهم من بكائهم ، وليرتفع من بينهم وبين أبيهم سجون الاحتشام :
إذا اشتبكت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكى
قيل : أخروا المجيء إلى وقت العشاء الاخرة ليدنسوا على أبيهم.
وقيل : ليكونوا إجراء في الظلمة على الاعتذار ، وترويح ما مكروا.
قوله : ( وجاؤ على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل ): فتح الله سبحانه ثوب رزق الرازقين في هذه الاية ، الذين زينوه بالرزق والسود ، وادعوا صدق المقامات والكرامات ، وإن دم الكذب إشارة إلى من يدعي جراحة المحبة على
पृष्ठ 153