कराइस बयान
عرائس البيان في حقائق القرآن
( ثم وليتم مدبرين ): موكولين إلى حولكم وقوتكم وكثرتكم ، فلما رأى تقصيرهم بصرف عيونهم عن مشاهدة الله إلى أنفسهم طرفة عين ، وندموا على ذلك ، ورجعوا بعد الامتحان إلى ساحة الرحمن ألبسهم الله أنوار قربه ، وكساهم سنا قدرته وهيبته ، ولذت قلوبهم بحسن عنايته حتى قويت بها في احتمالها أثقال عبوديته (1)، وبين ذلك بقوله سبحانه : ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ): والإشارة فيه إلى أن قلب نبيه صلى الله عليه وسلم كان لم يخل أيضا من شواهد امتحانه ؛ لأن الحق حق ، والخلق خلق ؛ ولذلك قال : ( أنزل الله سكينته على رسوله ).
كان عليه الصلاة والسلام في مثل ذلك يقول : «إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» (2).
( سكينته ): زيادة أنوار كشف مشاهدة الله له حين خاف من مكر الأزل ، فأراه الله اصطفائيته الأزلية ، وأمنه من مكره لا أنه ينظر من الحق إلى نفسه طرفة عين ، لكن إذا غاب في بحار القدم لم ير للحدث أثرا ، ورأى الحدثان متلاشية في قبض بطش العظمة ، ففزع منه به ، فاواه الله منه إليه حتى سكن به عنه سكينته بالدنو ، حيث قال : ( ثم دنا فتدلى ) [النجم : 8] ، وثباته بدنو الدنو ، بقوله تعالى : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) [النجم : 9] ، فلما وصفه بالمرتبة الأعلى ، والمشاهدة الأدنى ، وسكينة قربه الأصفى ، زاد في وصفه حين لم ير في مشاهدة القدم ما خرج من العدم ، بقوله : ( ما زاغ البصر وما طغى ) [النجم : 17] سكينته كانت من رؤية الذات ، وسكينة المؤمنين من رؤية الصفات.
قال بعضهم : السكينة التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم هي التي أظهر عليها ليل المسرى عند سدرة المنتهى ، فما زاغ ، وما طغى ، بل السكينة إقامة مقام الدنو ، بحسن الأدب ناظرا إلى الحق ، مستمعا منه ، مثنيا به عليه ، بقوله : «التحيات لله» (3).
والسكينة التي نزلت على المؤمنين ، هي سكون قلوبهم إلى ما يأتيهم به المصطفى صلى الله عليه وسلم من
पृष्ठ 9