قال: «وتناشدا الأشعار حتى قتل، وأقبلت الجارية ووضعت رأسه في حجرها وجعلت ترشفه وتبكي ...» إلى آخر القصة في الجزء السابع من الأغاني وهي على ظهور الاختراع في بعضها لا تخلو من دلالة على موقف بني جذيمة من سرية خالد.
فإذا صح مع هذا أن خالدا تلقى من عبد الله بن حذافة السهمي أمرا بقتال بني جذيمة نقلا عن النبي
صلى الله عليه وسلم
فهو خليق أن يعتمد على الفتوى من أمثاله لحداثة إسلامه وقلة علمه بفقه الدين وأحكامه، وهي على أية حال رواية لا تغفل كل الإغفال في صدد البحث عن أخبار هذه السرية ...
والجو كله بعد هذا وذاك - سواء في البادية أو في مكة - هو جو الحرب والريبة وجو التربص والنفور، فلا عجب أن تختلف فيه النوازع والآراء وأن تستطار فيه دواعي الشر والنقمة، وأن يتطرق إليه اللبس وتتعذر فيه استبانة الوجه الصراح.
وعند خالد دوافع الطبع إلى جانب دواعي اللبس واختلاط الآراء وهي الدوافع التي قد نعد منها حداثة السن في ذلك الحين، ومنها أنه تناول الموقف كما يتناوله القائد المطبوع على القتال في الصحراء، ويحدث للقائد في هذا الموقف كثيرا أن يفرق بين ضربين من التسليم هما: تسليم المراوغة والختل، وتسليم الإذعان والنصيحة، ولا سيما تسليم العدو المتهم المتردد الذي يحيد عن الصراحة يفند أناس منه مقال أناس آخرين.
ومن دوافع الطبع عند خالد، تلك الصرامة التي ينشأ عليها كل من نشأ في مثل بيئته من الجاهلية، وتلك الشدة التي تثيره إليها أعصابه، ويومئ إليها تفزعه في نومه ومشاركة إخوته في عوارضها الموروثة على نحو من الأنحاء، وهي ولا ريب تلك الشدة التي عناها عمر بن الخطاب حين قال: «إن سيف خالد لرهقا» وهو من أعرف الناس به وأقربهم إليه، وهي التي توقعها جحدم أخو بني جذيمة حين صاح بقومه محذرا إياهم من إلقاء السلاح: ويلكم يا بني جذيمة. إنه خالد! كأنها خليقة معهودة منه لا تحتاج إلى تأويل بعيد.
وندرت في تاريخ الحروب القديمة والحديثة حرب تدور على العقيدة الدينية أو الحمية الوطنية لا تحصى عليها فلتة من أشباه هذه الفلتات ولا يقع فيها نذير السيف حيث ينبغي أن يقع بشير السلام.
ولا يبعد أن يكون خالد قد ورث من عمومته جفوة لبني جذيمة؛ فجنح به شعوره إلى سوء الظن بهم وقلة الطمأنينة إليهم من حيث لا يقصد الترة ولا يتعمد الانتقام.
فكل هذا أقرب إلى تعليل بطشته بالقوم من اتهامه بحمل أمانة النبي على دخل وسوء نية، وهو الرجل الذي حارب أصدقاءه وأقرب الناس إليه على أبواب مكة، وله ندحة عن حربهم لو تعمد اجتنابها أو كان قصاراه أن يتعلل باللسان ولا يرجع إلى صدق النية في إطاعة النبي - عليه السلام ...
अज्ञात पृष्ठ