इस्लाम के युग में दुखी
البؤساء في عصور الإسلام
शैलियों
النضر بن شميل هو العالم المتبحر، الشاعر التميمي المازني النحوي البصري، بل هو أعلم أهل زمانه بفنون العلم والأدب، وهو صاحب «غريب الحديث»، ومن أصحاب الخليل بن أحمد بن عمرو الفراهيدي.
ضاقت به الحال بالبصرة فخرج يريد خراسان عساها أن تكون سببا في اتصال عيشه واتساع رزقه؛ فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو لغوي أو عروضي أو إخباري. فقال لهم: يا أهل البصرة، يعز علي فراقكم، ولو وجدت ما يسد رمقي بين ظهرانيكم ما فارقتكم.
فلم يتكفل أحد بطعامه، وسار حتى دخل بغداد، فدخل على أمير المؤمنين المأمون في ثوب مرقوع، وهو في شدة الفاقة والفقر، فقال له المأمون: ما هذا التقشف؟! فقال: يا أمير المؤمنين، شيخ ضعيف، وحر شديد؛ فأتبرد بهذه الخلقان. فقال المأمون: لا، ولكنك قشف. ثم تجاذبا أطراف الحديث إلى أن أدى بهما إلى السداد بمعنى البلغة، وسد الثلمة، فأورده المأمون بفتح الثاء، فرده النضر وبين له أن المفتوح إنما هو القصد لا البلغة، فأمر له عند انصرافه بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل، فصرفها له الفضل ثمانين ألفا عند وقوفه على سبب الصرف. وتوفي النضر بمرو سنة «402 هجرية» وهو معدم في شدة الإملاق.
النيسابوري
هو الإمام الحافظ الفقيه الورع، العالم العلامة، وحيد دهره، وفريد عصره، أبو بكر عبد الله بن زياد النيسابوري، ولد رحمه الله من أبوين كريمين، وترعرع في نعمتهما، ونشأ في يسار وبسطة وغنى، ولما بلغ العاشرة من عمره توفي والده فاحتضنته والدته، ولكنها بعد سنة لحقت بوالده فأصبح لطيما، ولحقه الإملاق ولم يتركا له من المتاع ما يستعين به؛ فأقام يعاني أهوال الفقر أربعين سنة وهو مكب على دروس العلم في محافل العلماء، ولم يرزق الغنى في حياته، ولم ينم الليل إلا غفوات، ويتقوت كل يوم بخمس حبات، إلى أن انتقل من دار الدنيا. ومن محاسن نثره: «الإنسان بين الأمل واليأس.» «الأمل» قوة عظيمة تسوق الإنسان إلى العمل؛ فينشط من عقال الخمول، ويرتقي ذروة المجد العالية، ومهما صادفه من عقبات توقفه في طريقه، وتعيقه عن إدراك ما يروم؛ فإن عوامل الأمل تدفعه إلى العمل بخطوات واسعة؛ فيتخطى العقبات، ويتسلق الجبال، ويغوص البحار، ويركب كل صعب ما دام الأمل رائده، ولا ينتهي من جهاده إلا إذا بلغ أمنيته وأدرك غايته، أما إذا عصفت عليه زوابع اليأس، ولفحته رمضاء القنوط؛ استولى عليه البؤس، وامتلأ فؤاده حزنا وأسى، وضاق في عينه فضاء الأرض الذي ترامت أطرافه. ومتى بلغ به اليأس حد التعاسة؛ خانه الصبر، وفقد تلك القوة التي تسخر الإنسان إلى الحياة؛ فتراه واقفا يندد على الدنيا، ويتمنى الرحيل إلى الدار الآخرة، ويستعمل كل غاية للقضاء على أجله. ومن البؤساء من يقتل نفسه بخنجره، أو يلقي نفسه من مرتفعات شاهقات. «ومنهم» من يتردد بين الموت والحياة، فيقف على شاطئ نهر يخطب ود أسماكه إشفاقا على جسمه من أنيابها، فإن استقوى عليه اليأس زج بنفسه في اليم وهو يحمل في صدره حقدا على الدنيا المحفوفة بالمكاره والأخطار، ويود لو زالت العوالم معه واندكت دعائم الوجود. أما إذا تغلب الأمل على اليأس؛ فتراه وثب وثبة النمر، وأخذ يخاطب المستقبل الرهيب بألفاظ لا يفهمها سواه، ثم يضم قبضتيه ويهدد الزمن وهو هازئ به، ساخر عليه. وتستحيل أوهامه إلى حقائق فينظر إلى الزمن غاضبا، ويرنو إلى السعادة التي ولدها بقلبه الأمل، وكأنها تدنو منه وتحول بينه وبين الموت. ولولا هذا الأمل العالق بقلوب بني آدم ما غرس غارس، ولا أرضعت أم ولد، ولا طال عهد الإنسان بالدنيا، ولا نفض عن جسمه غبارا أثارته عواصف الأكدار. واليأس من غير شك مهلك الأفراد؛ ما حل بإنسان إلا وتنغصت عليه حياته، وأصبح حبل الموت أقرب إليه من الوريد. وكذلك إذا تسرب بأمة من الأمم فإنه يكتسحها أمامه، ويبيدها عن آخرها.
ومتى عرفنا ذلك وجب علينا ألا ندع لهذا اليأس سلطانا على قلوبنا، ونتخذ الأمل رائدا، ومن الحقائق الطبيعية أن لا يأس مع الأمل، ولا أمل مع اليأس. وتوفي رحمه الله على منتهى البؤس والفقر سنة «322 هجرية».
أبو الحسن بن بوعت
كان رحمه الله شاعرا مجيدا إلا أنه قليل الحظ من الدنيا، عاش طول عمره فقيرا من المال غنيا بالعلم، وكان يرتدي ثوبا من نسيج الوبر الخشن ليس له غيره، ولا يجد ما يقتات به، وربما يطوي طول يومه جوعا، وتأبى عليه عزة نفسه أن يطلب من الناس شيئا، ولم يمتدح أحدا أو يتظاهر بالرياء قط، على أنه لو فعل لكان من أحسن الناس حظا. «قيل» إن الأمير ابن عبد الله الوائلي استدعاه لخدمته فمكث عنده أسبوعا، وتصادف أن ناداه ذات يوم بلهجة استعجال وتهكم كما هي عادة أمراء ذلك العصر؛ فلم يرد عليه ابن بوعت، ولكنه نظر إليه نظرة حوت كل ما في نفسه الكبيرة من العظمة والطمأنينة، وخرج من القصر مرفوع الرأس موفور الكرامة، ولم يتجاسر الأمير ولا أحد أتباعه على سؤاله.
وبعد أيام غادر البلدة قاصدا مصر، فوصلها بعد جهد جهيد وتعب شديد، وعناء ما بعده عناء، ومكث في أحد جوامعها زاهدا متعبدا.
وكان له وهو على هذه الحالة مجلس علم لا يحضره إلا العلماء، وقد انتفع بعلمه وأدبه خلق كثير.
अज्ञात पृष्ठ