عين الملك بسمارك عضوا في مجلس الأعيان، فقال في كتاب أرسله إلى أخيه بسبب النفقات: «حقا إن ذلك حمق، ولكن ذلك لمدى الحياة؛ فهو سيقوي وضعي وسيزودني بنفوذ في الحكومة، ومما يجادل فيه فائدة ذلك وإمتاعه، والجواب السلبي هو ما أميل إليه في معظم الأوقات وإن كان يأتي حين يستحوذ علي الطموح وحب الوطن فيه فألقي السمع فرضا لآرائي السياسية، ويا ليتني أقبض على الدفة لمدة ستة أشهر.» ويهجر الحزب والمجلس على عجل، ويرفض إعادة انتخابه، ويفيد من وضعه الثنائي ببرلين، متغيبا في وقت يجب على أصدقائه أن يصوتوا فيه ضد الحكومة ويجب عليه أن يصوت فيه ضد أصدقائه.
ويعتذر عن مصادفته أحرارا في مطعم ببرلين، وعن جلوسه حول مائدتهم نحو ربع ساعة، فيقول راضيا: «حقا لقد أفسدت شهوتهم، فقد لطمت مداريا خد أحدهم وكبست مداريا على يد آخر منهم وبدوت أنيسا نحوهم، ومما طابت به نفسي ما أبصرته من الحقد الذي كانوا ينظرون به إلي!» بيد أنه على غير وئام مع حزبه الخاص أيضا؛ لما كان من معارضته لأي تغيير في الدستور؛ وذلك لأنه «كف عن مضايقة الحكومة فصار بالتدريج إناء يشتمل على ما يرضي ولي الأمر قبل كل شيء»، وهكذا يعدل أساليبه، حتى إنه في عقر داره يبارك لما كان يكرهه، وهو يسأل: هل من الحكمة أن يظل رجعيا إلى الأبد؟ أفلا يؤدي هذا إلى انحياز بعض الدويلات إلى النمسة بدلا من أن تصبح هذه الدويلات صديقة لبروسية بفضل بعض الحريات؟ فمن أجل ذلك يدع مجالس برلين مع منازعها الديمقراطية تتكلم عن ألمانية على الدوام؛ لما في ذلك من جعل بروسية مألوفة في الريخ كزعيمة.
ويرى هذا البروسي «بسمارك» أن من الخير لبروسية أن تكون لها زعامة ألمانية الصغرى، وهو يصرح بقحة ولادة: «كما أنني أكره أن يضحى بالحقوق في سبيل السياسة في وطني الخاص أجد عندي من الأثرة البروسية ما لا أبالي معه بحقوق هانوفر.» وإن ألمانية الكبرى من الأحلام، وإن الاتحاد الألماني ميت، أو يوشك أن يموت، وإن إرادة صغار الأمراء لا تعدو حد الكلام، وتلوح جامعة الرين في الأفق مرة أخرى، ويسأل بسمارك غرلاخ: «وما الذي يحملك على الاعتقاد بأن دوك بادن الأكبر ودوك دارمستاد الأكبر وملك ورتنبرغ وملك بافارية مستعدون لتمثيل دور ليونيداس؟
1
وهل تظن أن الملك ماكس قال لنابليون في فونتنبلو إنه لا يجاوز حدود ألمانية أو النمسة إلا على جثته؟»
ويغدو عارفا بألمانية في غضون ذلك؛ فهو حينما قبل منصبه اشترط لنفسه أن يزور جميع قصور أولياء الأمور بألمانية، فكادت معارفه الشخصية بذلك تصبح كاملة في بضع سنين، وهكذا يصير عالما بالأمراء والوزراء وأصحاب الصحف ومن إليهم من أرباب الدس والمكايد، وهكذا يطلع على كل شيء فيروقه ذلك إلى الغاية، حتى إن الرسائل التي يكتبها من خلال ضوضاء برلين يدبجها يراعه كما لو كانت بقلم شاب مداعب.
ويولع بالسياحة، ويسيح أكثر مما يجب، ويسيح وحده على الدوام، وإذا كانت رسائله إلى زوجه تختم عادة برغبته في أن يكون بجانبها؛ فلأنه رجل يجب أن يوكد دوما مشاعره التي يرى أن يصونها، ويزور بروكسل وأمستردام وكوبنهاغن وبودابست وباريس ، والآن، حين يستطيع أن يسافر للمرة الأولى عظيما حاملا مالا وألقابا يستقبل في كل مكان كأجنبي وجيه، فيسر بهذا الشكل من التنقل كثيرا، وبينما تكون حنة في سويسرة مع أولادها وأبويها يستلقي بسمارك على شاطئ نوردرني «مدخنا حالما أو مفكرا في إنترلاكن»
2
غير أن أحب شيء إليه هو أن يدعى إلى الصيد في دانيماركة أو كورلاند مثلا، «وإذا ما أصميت وعلا في الغد كان لدي من الوقت ما أقفز فيه إليك، فلن أغادر هنا قبل أن أوفق لهذا.»
ويبلغ سروره بالحياة ذروته في تلك الأسابيع؛ لما شعر به من رجوع شبابه إليه، ومن أوستند يكتب مغتبطا: «إن ما أشعر به من خلقي في أحسن تقويم يجعلني فخورا بعرض نفسي على نساء العالم، وعلى ما يساورني من هذا الشعور أفضل على ذلك أبعد جنة، حيث لا يبدو غير الرجال في الزي الذي عنيته آنفا، ولست بالذي يحتمل السحب الندية على بدنه.» أو إنه يذهب في ليلة من ليالي يوليو على زورق فوق نهر الرين، ويسبح على ضوء القمر حتى الموزيتورم، ويتمتع بسحر العزلة، ثم يجلس مع صديق أمام رحيق الرين ويتفلسف حول روسو والرب.
अज्ञात पृष्ठ