كان قد تحدد اليوم - بعد انتظار دام أسبوعا قضيناه على أحر من الجمر في مدينة تونس - وفي الخامسة صباحا جاءت عربة «بيجو» فرنسية ذات سائق مسن صامت، حين لم يعلق على أسئلتنا الكثيرة بأكثر من الابتسامات المؤدبة، آثرنا السكوت وأسلمناه أمر مصيرنا. كنا نعرف أننا في طريقنا إلى مقر قيادة جيش التحرير، ذلك هو كل ما نعلمه. ورحت طوال الرحلة الصامتة الطويلة أحاول أن أتخيل المكان الرهيب الذي تدار منه المعارك، التي تكلف فرنسا ملايين الملايين من الفرنكات ومئات الضحايا. ولم تنته رحلتنا إلا قرب الظهر حين دخلت بنا العربة مدينة تونسية صغيرة نائية قرب الحدود الجزائرية يسمونها جاردماو، في حين أن الاسم العربي لها هو غار الدماء، ولكن هكذا ينطقها الناس هناك جريا على النطق الفرنسي لها، بلدة يقال إنها شهدت معارك مهولة في تاريخها القديم، ولهذا السبب أطلق عليها اسم غار الدماء.
ظلت العربة تجوس خلال شوارع المدينة التي تشبه أحد «المراكز» في ريفنا المصري، وهناك عند نهاية البلدة دخلت بنا بناء يبدو كالمصنع القديم المهجور أو كمدرسة ابتدائية خالية من الطلبة، بناء لا يميزه عن غيره من الأبنية إلا أن ثمة جنديا بملابس جيش التحرير يحرسه من الداخل، أما من الخارج فلا يبدو عليه بالمرة أي لمحة تدل على المهام الخطيرة التي تجري داخله، هذا البناء هو مقر القيادة لجيش التحرير الوطني الجزائري. هناك قابلنا «سي فرحات» ذلك الضابط المتحمس الشاب الصغير ذا المنظار، الذي لا ينام إلا والتومي جن بجوار فراشه، والذي كان يمثل ما يشبه الشئون العامة لجيش التحرير، من تلك اللحظة أصبحت البعثة في عهدة فرحات، «تراه أين هو الآن وماذا صار إليه؟»، وأفهمنا فرحات أننا سنقضي بعض الوقت في القيادة العامة ريثما يدبر أمر رحيلنا إلى الجبهة. وبعد دقائق كنا نغير ملابسنا المدنية بأخرى من ملابس جيش التحرير، وهكذا بعد أقل من نصف ساعة كنا قد قطعنا صلتنا بحياة عريضة بدأناها في القاهرة، ودخلنا في حياة جديدة علينا تماما، أو على الأقل هكذا كنت أحس وأنا محشور داخل بنطلون جندي «صاعقة» وقميصه. أفهمني فرحات أنهما لجندي فرنسي الله وحده يعلم مصيره آنذاك، إذ لم أجد مقاسا يناسبني بين ملابس الجنود الجزائريين الذين يتميزون كسكان الجبال بالقوام الرفيع الصلب.
الإيتاه ماجور
مكثنا ليلة، وفي الليلة التالية أخبرنا فرحات بقرب حلول موعد العشاء، والعشاء كان يحل ساعة غروب الشمس. إننا سنتعشى مع ال
Etat major ، وهو الاسم الذي يطلقونه على القيادة العامة. وحسبت أننا بعد طعام الفلفل الحار المقلي الذي ظللنا نتناوله منذ أن حللنا بجيش التحرير في طريقنا إلى مائدة طعام دسمة. ولشد ما خاب ظني ، فقد قادنا فرحات إلى غرفة عرفت فيما بعد أنها ملحقة بمكتب القائد العام. ذلك المكتب الذي لمحته من خلال الباب الفاصل لا يميزه شيء عن مكتب ناظر مدرسة إلزامية، إلا منضدة كالتي يستعملها الرسامون عليها خرائط. دخلنا، فرحات وعبد الرحمن هندام وعم رجب وأنا (أعضاء البعثة) فوجدنا ثلاثة أو أربعة رجال جالسين إلى طرابيزة من الخشب الكالح لا كراسي حولها، إنما على كل ناحية من نواحيها «دكة» خشبية منخفضة. وقلنا سلام عليكم وردوا السلام وهم يأكلون؛ إذ كانوا فعلا يتناولون الطعام دون انتظار لمقدمنا، وعرفنا حينذاك ألا برتوكولات هناك في جيش التحرير. وجلسنا، وفي الحال جيء لكل منا بطبق من «الكسكس»، وهو الطعام الرسمي والشعبي للجزائريين الحافل بكميات من الفلفل الحراق الهائلة، وكان هو كل العشاء.
ولكن مشكلتي لم تكن الكسكس أو الفلفل أو الطعام، كانت مشكلتي أن أحاول أن أخمن من يكون من بين الثلاثة الموجودين القائد العام؟ كنت أعرف أن قائد جيش التحرير اسمه بومدين، أو الكولونيل بومدين، ولكني لم أكن أعرف صورته. تراه من يكون فيهم؟ تركت مسألة التحديد للحديث، ولكن الحديث الذي دار كان قليلا جدا لم يتعد بضع كلمات ذكرها كل منهم، وعرفت منها أنهم جميعا قد زاروا القاهرة زيارات خاطفة. ولكني من مجرد طريقته في الكلام، من جلسته، من نظراته، خمنت أن القائد العام لا بد أن يكون ذلك الرجل الذي كان يبدو أنه لم يتجاوز الأربعين الجالس أمامي مباشرة. العجيب أن نفس الخاطر كان يدور في عقل زميلي هندام وعم رجب، وأنهما هما الآخران أدركا أنه نفس الشخص الذي خمنته، مع أن الضباط الثلاثة كانوا يرتدون نفس الزي ويتمتعون بنفس الاعتداد والثقة بالنفس. هو ذلك النحيل ذو الشعر الأشقر الأحمر والوجه الرفيع الضامر المشرب بحمرة، كل ما يميزه عن زميليه أنه كان يحادثنا باللغة العربية بلكنة جزائرية وإنما بطلاقة، ثبت لنا معها أنه خير من يتكلم بالعربية في جيش التحرير كله، بل وبين كل القادة الجزائريين على كثرتهم. أما الضابطان الآخران فقد كان مقدرا لهما أن يلعبا دورا خطيرا بعد هذا، فقد كانا هما نفس الضابطين اللذين قبضت عليهما حكومة بن خدة، وادعت أنهما تسللا إلى داخل التراب الجزائري للتمهيد لزعامة بن بيللا وتقوية قبضة جيش التحرير وبومدين على ولايات الداخل، وصنعت من هذا حجة لإصدار قرار بعزل «الإيتاه ماجور» أو بومدين وأركان حربه. وكانت النتيجة تلك الأزمة التي أطاحت بحكومة بن خدة.
فراز الرجال
أذكر أن بومدين سألنا يومها إن كنا جادين في رغبتنا في الاشتراك في معركة يخوضها الجيش مع القوات الفرنسية عند خطوط شارل أو موريس، وحين أكدنا له عزمنا على هذا أجابنا بأنها مسئولية جيش التحرير أن يحافظ على حياتنا، ولكنا أبدينا استعدادنا بكتابة تعهدات على أنفسنا تخلي جيش التحرير من المسئولية. وتفرس فينا بومدين بنظرة فاحصة عميقة لست أدري أكان بها يختبر شجاعتنا وهو القائد الذي دربت عينه على فرز الرجال وسبر غور طبيعتهم، ولكنها والحق يقال نظرة لم نسترح لها كثيرا؛ إذ كانت خالية من الود، حافلة بالموضوعية. وهكذا بومدين، إنه ليس من ذلك النوع الاجتماعي الودود من الرجال الذي يسخر مواهبه ويستنفد قواه في كسب الأصدقاء والأنصار. إنه دائما موضوعي وجاد وعلاقته بالناس يحددها المبدأ أو القضية ولا تحددها أبدا العاطفة الشخصية، وربما يصلح هذا المفتاح لتفسير كنه ما حدث، فالناس لا يزالون للآن يعجبون كيف «ينقلب» بومدين على «صديقه» بن بيللا! إذ ذلك نوع من التصور العاطفي الشخصي للعلاقة، في حين أن علاقات بومدين بالناس كما قلت أساسها أبدا ليس العاطفة أو النوازع الشخصية.
المهم أني خلال اليومين اللذين قضيناهما في «الإيتاه ماجور» نحيا مع بومدين عن قرب، نأكل أحيانا معا، وكثيرا ما نلتقي ونتبادل الأحاديث الخاطفة. أدركت أن قيادة جيش التحرير ليست سوى الجزء الحاضر أو الظاهر من مهمة كبرى لا تزال مستترة يعد لها هذا الرجل القوي المتميز نفسه.
المشهد الغريب
अज्ञात पृष्ठ