إن شريعة العين بالعين والسن بالسن تطبق دونما تمييز بين الأشخاص. إلا أن القضاة يصدرون أحكامهم تبعا لمذهب المذنب ... فلو لم يرش القاضي لما حكم إلا بالسجن الطويل الأمد عقوبة لهذه الجريمة، ولا تكون القضية على هذه الخطورة لو أن تركيا لطم مسيحيا.
إنهم يحكمون بناء على ادعاء شفوي. يحضر القاضي المتهم حالا، فيحاول هذا الأخير تبرئة نفسه جهده عندما يبلغ الجرم المنسوب إليه، وعلى الفريق الذي يريد إثبات مدعاه أن يسمي عند ذاك شهوده، وبعد استماع أقوال الشهود يلفظ القاضي الحكم فيكون مبرما، والذي يحكم عليه يدفع النفقات.
إن الذين عرفوا أساليب المحاكمة في أفريقيا يسهل عليهم أن يتخيلوها في سوريا:
يستمع القائد إلى أقوال الفريقين الجالسين القرفصاء قرب باب القاعة، بينما يكون هو ممددا على سجادة وبضع وسائد، ثم يحمي وطيس النقاش. وفي بعض الأحيان يتكلم القائد والمتداعون معا، ويتعالى الكلام - وعلى الأصح الصراخ - دون أن يسمع أحدهما الآخر، فينهال الجنود على المتداعيين بضرب قاس ليلزما الحشمة والأدب، وعند ذاك يلفظ القائد حكمه، فيخرج المتداعيان تحت ضرب الجنود ورفسهم لينفذ الحكم بلا هوادة.
7
إن الوساطات التي تستخدم للتأثير على السلطات هي بلا مراء تشجيع للإجرام؛ فالحالات التي يعفى بها عن المجرم بعد الحكم عليه تخلق - كما يستدل - عددا كبيرا من الجرائم.
إن القوانين رغم صراحتها لا تخيف في تركيا إلا السارقين الضعفاء، أما الأقوياء منهم فإنهم يخرقون حرمتها دائما ولا يعاقبون في أكثر الأحيان.
إن التفكير بالمثول أمام محكمة من هذا الطراز، ولا سيما في بلاد لا محامين فيها، والقضاء يقول كلمته دونما تنظيم محضر أو تدوين كلمة؛ لمروع رهيب. إنني أستطيع أن أستشهد هنا بأقوال عدة سائحين حول كيفية إحقاق الحق في ظل السلطنة العثمانية، غير أني أكتفي الآن بما قاله أحد هؤلاء وهو السيد ديجون بعد أن عرف الدولة العلية حق المعرفة، وشغل فيها خلال ثلاثين سنة منصب ضابط ارتباط قبل نشر كتابه، قال:
تنظم الأحكام عادة بسرعة كلية، فلا تعوق إعدادها صعوبة فهم النزاع؛ وهكذا فإذا كانت القضية تدرك بعض الشيء فمحاكم الأتراك أسرع إلى حلها من محاكم جميع الشعوب. بيد أن الطريقة التي تتبع في إحقاق الحق عاجلا، كثيرا ما تؤدي إلى أخطاء مخيفة؛ فهنالك أشخاص - في القسطنطينية على الأخص، وفي مدن تركيا الكبرى عموما - لا عمل لهم إلا الشهادة بالزور، وقد جمعوا من جراء هذا العمل الدنيء السافل ثروة لا يستهان بها. إن طالبي حلف اليمين ليسوا أكثر وساوس منهم؛ وهكذا فإن العدالة تسير مغمضة العينين، ولا تنطق غالبا إلا بالأباطيل.
8
अज्ञात पृष्ठ