280

मेरे कागज़... मेरा जीवन (भाग एक)

أوراقي … حياتي (الجزء الأول)

शैलियों

أما الدكتور طلعت حمودة فقد مات بالسكتة القلبية بعد أيام قليلة من عودتنا من الإسماعيلية، ترك وراءه زوجة شابة وطفلين صغيرين، أقاموا له في وزارة الصحة حفل تأبين، يشبه حفل تأبين زميلي أحمد المنيسي الذي استشهد على أرض القنال في نهاية عام 1951، حفروا اسمه على لوحة الشهداء في فناء الوزراء، سقطت اللوحة بعد سنوات قليلة، وراح اسم طلعت حمودة في العدم، بمثل ما راح اسم أحمد المنيسي وأحمد حلمي وغيرهما من الفدائيين. أما السائق عم محمد فقد اندثر اسمه مع جسمه في العدم، دون حفل تأبين، دون لوحة شرف يسقط فوقها اسمه.

في صيف عام 1968 أرسلت نقابة الأطباء إلى جبهة القتال في الأردن فريقا من الأطباء المتطوعين، كنت الطبيبة الوحيدة التي تطوعت للسفر ضمن مجموعة من خمسة أطباء، لماذا تطوعت؟! لا أعرف، كنت في حاجة إلى السفر بعيدا عن القاهرة، بعيدا عن الصحف وشاشة التلفزيون، لم أكن أطيق رؤية تلك الوجوه التي تظهر فوق الشاشة أو على الصفحة الأولى من الجرائد اليومية، لم أعد أطيق سماع الأكاذيب في الإذاعات، سجلت اسمي ضمن الأطباء المسافرين إلى جبهة القتال في الأردن.

وجدت نفسي أعيش في خيمة بمنطقة الأغوار بالقرب من السلط، أركب عربة الإسعاف مع امرأة يداها وقدماها محروقة بالشمس، تلف رأسها بالشال الفلسطيني، يسمونها أم الفدائيين. كانت عربة الإسعاف تنطلق بنا في الليل تقود العربة فتاة فلسطينية فدائية، عيناها مرفوعتان إلى أعلى، فيهما بريق خاطف، تتطلع نحو شاطئ نهر الأردن، إلى جوارها سلاحها، السيارة مصفحة من نوع الجيب، عجلة القيادة كبيرة تقبض عليها يد الفتاة، أصابعها طويلة، عظامها قوية تشع من تحت الجلد ما يشبه الضوء، وحركة خفيفة لها إرادتها الخاصة، أصابع كالحديد لا تلين، قابضة على عجلة القيادة الحديدية كأنما هي لعبة أطفال، أرمق يدي خلسة وأنا جالسة إلى جوارها، عظام أصابعي تبدو رقيقة هشة، يدي اليمنى معقودة مع يدي اليسرى فوق حجري، يدها اليمنى تقود السيارة وحدها دون الاستعانة بيدها اليسرى؛ مبتورة عند الكوع، تستعين بها حين تهتز فوق مطبات الطريق.

كانت صامتة شاخصة إلى الأمام، وجهها من الجانب من الفولاذ أو الماس، نوع من الأحجار الكريمة المشعة، لا أستطيع أن أحرك عيني بعيدا عن هذا الأنف المرفوع الشامخ، يشق الظلمة مثل نصل السيف، أيكون لأنفي مثل هذه الارتفاعة الشامخة، لم تحرك رأسها ناحيتي، وأنا لا أحرك رأسي بعيدا عنها.

في المقعد الخلفي جلست أم الفدائيين، عيناها غائرتان عميقتان تغطيهما طبقة شفافة من الدموع، تشبه اللمعة الخاطفة أو الابتسامة الدائمة، تشبه أم إبراهيم أو جدتي الفلاحة في قريتي على ضفاف النيل، ملامح وجهها مؤكدة في عتمة الليل، الجبهة البارزة القوية مثل النتوء الصخري يطل على النهر، يناديها الفدائيون «أمنا»، كما ينادون الأرض الضفة الأخرى من النهر، حيث الوطن والأهل، هي تناديهم أطفالي كما تنادي الأرض نبتها الأخضر. لم يكن لها بيت، لا رجل ولا أب ولا أم، البيوت كلها بيتها، الرجال كلهم رجالها، النساء نساؤها، في ذاكرتها منذ ثلاثين عاما قصة حب، وجنين في أحشائها لم تلده أبدا، أو ولدته ثم ضاع منها في الأغوار.

الظلام مكتمل والقمر والنجوم غابت، العربة المصفحة تشق الليل كالسهم المارق، الجنود الإسرائيليون يطلون علينا من أبراج المراقبة، الظلمة تحوطنا، تخفينا عن عيونهم، وصلنا إلى حطام مدينة اسمها الكرامة، وقعت معركة الكرامة من شهرين فقط، 21 مارس 1968، قتل كل سكانها. توقفت العربة بجوار جدار أسود مثقوب بالرصاص والدانات، مرسوم عليه وجه طفل يبتسم، عين الطفل اليمنى مثقوبة تحت الابتسامة وحروف متعرجة محفورة في الحجر: سنقاتل حتى الموت. البيوت كلها متهدمة، الشوارع والأزقة خالية من البشر. عثرت وأنا أمشي في شيء صغير، فردة حذاء طفل، انحنت الفتاة الفدائية بجسمها النحيف الممشوق، التقطت فردة الحذاء بأصابعها الطويلة القوية، ضمتها إلى صدرها كأنما تضم الطفل، عيناها مرفوعتان تشقان الظلمة، تتطلعان إلى الأرض وراء النهر، إلى البيت القديم الذي ولدت فيه، كانت في العاشرة من عمرها حين استولى الإسرائيليون على البيت، ذبحوا أباها أمامها، أربعة منهم اغتصبوا أمها واحدا وراء الآخر، ثم بقر أحدهم بطنها قبل أن يقطع ثدييها بخبطة واحدة. أخوها أخذوه إلى السجن الذي يسمونه سجن الأنصار، قطعوا أصابع يده اليمنى، لم يعد قادرا على حمل السلاح، يجلدونه كل يوم بالسياط، يدخلون في فتحة الشرج عمودا من الحديد، يطفئون السجائر في جسده، بتروا ساقيه وذراعيه، دون جدوى، لا يمكن أن يعترف، لا ينطق اسم أحد زملائه الفدائيين أو الفدائيات، نماذج من القوة الإنسانية يعجز عنها الخيال.

عادت الفتاة إلى العربة ومعها فردة الحذاء، وضعتها إلى جوار سلاحها، وانطلقت في الأغوار. عند حافة النهر توقفت، كان هناك الجريح راقدا داخل العشب، حوطته أم الفدائيين بذراعيها كالأم تعثر على ابنها، تناديه باسم طفلها الغائب، لم تعد الأسماء تهم، غسان أو يوسف أو فتحي أو زياد، كلهم هذا الجسد الجريح ينزف الدم، فقد ذراعيه وساقيه، يئن بصوت مكتوم، يناديها أمي، وهي تغرقه بدموعها وتناديه ابني.

حملنا الفدائي الجريح إلى الخيمة في معسكر السلط، شفي بعد ثلاثة شهور، أصبح يمشي داخل مقعد يتحرك فوق العجلات، جسد ورأس بلا أطراف، عيناه زرقاوان عميقتان تشعان ما يشبه اللهب الأزرق، ابتسامته عريضة، أسنانه بيضاء مثل فصوص من اللؤلؤ.

في المدرسة الابتدائية في منوف كانت لي زميلة اسمها حميدة مبتورة الساقين، داست عليهما عجلات كارو في يوم العيد، لم يكن في إمكاني النظر إلى جسمها المبتور، يرتعد جسدي لمنظر الأجساد المشوهة، كأنما التشويه مرض معد ينتقل لمجرد النظر.

في الخيمة كنت أنام تحت رأسي قطعة حجر ناعمة دافئة تشع حرارة الشمس في الليل، إلى جواري أم الفدائيين نائمة عيناها نصف مفتوحتين، شفتاها نصف منفرجتين، أنفاسها عميقة مسموعة في صمت الليل، ملايين الأصوات الخافتة الهامسة تصنع الصمت، تدوي في أذني بكلمة واحدة: «ابني».

अज्ञात पृष्ठ