मेरे कागज़... मेरा जीवन (भाग एक)

नवाल सआदावी d. 1442 AH
161

मेरे कागज़... मेरा जीवन (भाग एक)

أوراقي … حياتي (الجزء الأول)

शैलियों

أستعيد اليوم وجه طفلتي حين كانت تضحك، كم كان عمرها حين سمعتها تضحك لأول مرة؟ كانت لها ضحكة مميزة عن كل الأطفال في العالم، ترن في البيت تتجاوز الجدران إلى الشارع إلى الكون، أسمعها وأنا أمشي في الشارع، أو واقفة في غرفة العمليات بالمستشفى، أو جالسة أكتب في مكتبي، أو راكبة القطار أو الترام أو الأتوبيس، لها رنين عجيب في أذني، كالماء المقطر يهتز داخل إبريق من الفضة، أسمعها وأنا غارقة في النوم تبدو كالحقيقة، وأسمعها وأنا صاحية يقظة تبدو كالحلم، أحملها فوق صدري وأطعمها كما كانت أمي تحملني فوق صدرها وتطعمني، رائحة طفلتي في أنفي كأنما هي رائحة أمي في طفولتي، واللبن الدافئ يسري داخل عروقي كالدم.

في عيد ميلادي يأتيني صوتها عبر أسلاك التليفون، يجتاز البحر الأبيض المتوسط وقارة أوروبا والمحيط الأطلسي والشاطئ الشرقي الجنوبي لأمريكا الشمالية حتى مدينة دير هام، يخترق صوتها المساحات والمسافات، لا توقفه أرض ولا بحر ولا سماء، يأتيني وأنا نائمة في السرير عند طلوع الفجر، يسري في أذني مثل أول شعاع للشمس «كل سنة وانتي طيبة يا ماما.» لا يمكن أن تنساه، في كل عام تذكرني به، يأتيني صوتها حيث أكون، في المنفى حيث تلقي بي الرياح خارج الوطن، يرن جرس التليفون بجوار سريري، أرفع السماعة: «كل سنة وانتي طيبة يا ماما .» يأتيني صوتها كأنما في الحلم، كنت أنسى دائما يوم مولدي، لم أحتفل أبدا بعيد ميلادي، النهاردة إيه يا منى؟ تضحك ابنتي ضحكتها المميزة تسري عبر الأسلاك إلى أذني، تمشي كالدم الدافئ إلى جسدي النائم: «النهاردة عيد ميلادك يا ماما.» أصحو فجأة كأنما من غيبوبة «مش معقول يا منى دي الأيام بتجري بسرعة أوي.» يعود إلى ذاكرتي صوت جدتي الريفية وأنا طفلة: «اللي متغطي بالأيام عريان.» أردد العبارة بصوت جدتي، تضحك ابنتي كما كانت تضحك وهي طفلة، أستعيد طفولتي، يتدفق الحماس إلى عقلي الناعس، أقفز من السرير كما كنت أفعل وأنا في السابعة من العمر، أفتح النوافذ على آخرها، أستقبل الشمس والهواء، هذا عام جديد يضاف إلى عمري الطويل، هذه ابنتي تذكرني رغم البعد، تشدني إلى الوطن، تحوطني كذراعي أمي، صوتها يأتيني وإن صمتت كل الأصوات، إن نسيني الجميع لا تنساني، تفسح لي مكانا دائما في سريرها، في مدخل بيتها، في قلبها أجدني وإن امتلأت المساحات في قلبها، إن تعبت أو مرضت أجدها بجواري، تمتد ذراعاها نحوي تحملني فوق صدرها كما كنت أحملها فوق صدري، كبرت ابنتي وأصبحت هي الكاتبة المعروفة «منى حلمي»، يخفق قلبي حين أرى اسمها مطبوعا فوق الورق، أصابعها تلتف حول القلم تشبه أصابعي، حروفها قوية بارزة محفورة فوق وجه القمر.

في طفولتي تصورت أن قلب أبي أكبر من قلب أمي، كان يتسع قلبه لحب الله والوطن، لم أسمع أمي تتحدث عن الله أو الوطن، تصورت أن الأبوة تعلو على الأمومة كما يعلو الرجل على المرأة أو يسود عليها، ثم اكتشفت أن قلب الأم أكبر من قلب الأب، لا شيء في الكون أكبر من قلب الأم، لا تشترط الأم الطاعة مقابل الحب، الأمومة راسخة في التاريخ قبل أن يعرف الأب أطفاله، لم تنشأ الأبوة إلا بنشوء النظام الطبقي الأبوي وفرض قانون الزواج على المرأة، الأمومة كالشمس والمطر والزرع، ظاهرة من ظواهر الطبيعة من غير حاجة إلى قوانين.

تعلمت الحب بلا شروط من خلال أمومتي، ثم امتدت الأمومة خارج جدران البيت وروابط الدم، أصبحت أحب الحب بصرف النظر عن صلة الرحم، بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الطبقة أو الدين، عشت قصصا متعددة من الحب وأصبح لي في كل شبر من العالم قصة حب.

بعد مولد ابنتي في ربيع 1956م امتد الفرح ليشمل الوطن كله، في 8 يونيو 1956م تم إعلان الدستور الجديد وإلغاء الأحكام العرفية، والإفراج عن المعتقلين في 2 يوليو 1956م، ولم يلبث أن دوى الصوت في الراديو يعلن تأميم قناة السويس، إنه صوت جمال عبد الناصر، واليوم هو 23 يوليو 1956م عيد الثورة الرابع، والشهر الرابع من عمر ابنتي، والأفراح في كل بيت، والسجون انفتحت أبوابها وخرج كل المسجونين السياسيين ومنهم الشيوعيين، خرج أسعد شقيق صفية التي أصبحت الدكتورة صفية في مستشفى الأطفال، وتزوجت مدير المستشفى ، خرج من السجن رفاعة خطيب سامية، حضرت فرحهما، واشتغل الاثنان في صيدلية بشارع قصر العيني، تزوجت بطة أحد الأساتذة وشاركته عيادته الكبيرة في ميدان الدقي، أما أنا فقد اخترت طريقا آخر، كنت أبحث عن شيء جديد، لا أريد أن أكون مثل الطبيبات النساء، يسعين إلى العمل في القاهرة في حضن الأهل والأسرة، كنت أبحث عن عمل يأخذني بعيدا في أحضان الريف، أكنت أشتاق إلى قريتي أو هي ابنتي أعادتني إلى طفولتي؟! أم أنني مللت القاهرة بكل ما فيها؟!

منذ جاءت ابنتي للوجود دار سؤال لم يخطر أبدا لعقلي: هذه الابنة! أهي السبب الأول لوجودي؟ أي الهدف الأول من الحب والزواج والطلاق وكل شيء؟ لا شيء خارج كيان هذه الابنة يرتبط بوجودي، مثل ذكر النحل ينتهي دوره بانتهاء الإخصاب، ولا يبقى للمرأة منه إلا الأسى والألم.

أهي الأمومة في قوتها الكاسحة تحطم كل شيء إلا نفسها وموضوع حبها؟! كان الرجل البدائي يقتل أطفاله أو يأكلهم، لم يمنعه إلا الأم، كانت تقتل الأب قبل أن يأكل أطفاله، لولا هذه الأمومة القاتلة في حبها لانقرضت الحياة فوق الأرض واندثرت في التاريخ فصيلة الإنسان.

الفصل الثالث

طبيبة القرية

كان يوما دافئا من أيام سبتمبر 1956م، مدينة القاهرة تركتها وراء ظهري، ليست هي الأرض التي خرجت منها، هذه الشوارع الأسفلت لا تنبت فيها زهرة، إن نبتت تدوسها الأحذية، الكعوب السميكة المربعة أو العجلات الحديد، خطوتي فوق الأرض واسعة قوية، كخطوة جدتي الفلاحة، في أعماقي حنين لرائحة الزروع وخبيز الفرن، ابنتي أحملها فوق صدري، عمرها ستة شهور، أغطيها بشال لونه وردي، اشتغلته بيدي بخيوط من الحرير، دقات قلبها تنبض مع الدقات تحت ضلوعي، أحوطها بذراعي أخفيها عن العيون.

अज्ञात पृष्ठ