سبحانك! إن الساخط على الحياة والحياة منك، ليس إلا كورقة في شجرة قد بدا لها، فسخطت شجرتها وعملها ونظامها ولونها، فانتزعت نفسها، وهوت في التراب؛ لتخلق أوهامها، وتخرج من نفسها على ما تحب شجرة جمال ولون وثمر، فإذا هي أهون على الأرض والسماء من أن تكون إلا ورقة يابسة قد هلكت حمقاء، وارفتت رغما وهوانا، وضاعت فيما يضيع!
سبحانك سبحانك! اللهم لا تجعل ما يرفعني يقذفني، ولا ما يمسكني يرميني، ولا ما ينضرني يجفو بي! •••
ولما فرغت من ابتهالي، اتكأت إلى حبيبة منهن، وجعلت أفكر وأنا أحس كأن كل شجرة تضع قبلة ندية على قلبي، أو كأن غصنا مطلولا ينفض طل الصباح قطرات في دمي.
وسألت نفسي: لم لا يكتسي الشجر كل عام جنسا من الورق، فإذا اخضر هذا العام احمر من قابل، ثم يصفر في الذي بعده، ثم يكتسي من الوشي الأزرق في الذي يتلوه، ثم يطلع في الديباج الأسود، وهلم إلى عدد الألوان خالصة أو متمازجة؟
أذلك لأن الطبيعة عاجزة عن التفنن، أم لأنها شحيحة مقتصدة؟ أم لأن تركيب العالم قائم على أن تبقى الحقيقة كما هي لا تتغير؟ أم لأن كل شيء يستمر على وتيرة واحدة؛ ليظهر جانبا معينا من حكمة الله؟ فينشئ جانبا معينا من ذوق الإنسان وفكره، أم العالم كله كلمات صريحة تقول لهذا الإنسان: إنك أنت وحدك المتقلب المتلون ...؟ •••
ثم مددت يدي فهصرت غصنا من تلك الأماليد الناعمة اللينة، فإذا هو ريان تجد مس الماء في قلبه، ولكنه أقبل في يدي بعد قليل على الموت، وأنشأ يذوي مضمحلا، فجعلت أتأمله فلم أر جزعا ولا خورا ولا إشفاقا من أمر يأتي ولا حنينا إلى شيء مضى، فعلمت أن القوة كل القوة ألا يجزع الحي فإذا هو لم يجزع يجبن، وإذا أمن الجبن لم يستذله شيء، ولم يكن الشقاء في رأيه شقاء بل مصادمة بالحياة لبعض نواميس الحياة، ومضى كما هو جزءا على وضعه من الكل الذي هو فيه، فتساوق مع الكل وبقوة هذا الكل، فأمن المنافرة، واتقى على نفسه آلامها، فإن لم ينعم بشيء فقد نعم بأنه راض مطمئن، وما في المهنا أكثر من الرضا!
قال لي ذلك الغصن الأملد، وهو يموت في يدي ويعالج سكراته: أيها الإنسان الضعيف! هأنت ذا تراني رؤية عين، وتعرف بي سرعة انقطاع الحياة، وتستيقن مني أن ما يجيء بطيئا يذهب حين يذهب سريعا، وأن طرفة عين من ساعة الموت تمسح السنين الطويلة والعمر المتقادم، وتقفل الباب على هذا العالم كله، فكن غصنا في شجرة الحياة، ولكن اعلم مثلي أن الشجرة لا تعرفك مثبتا فيها بالمسامير، ولا مشدودا إليها بقوة أزلية: فلك منها المنبت على أن تكون قابلا للكسر، ولك منها الزينة على أن تكون قابلا للتجرد، وإنما أنت فيها كما أنت؛ لتظهر فيك حقيقتها كما هي، فليس لك أنت حقيقة.
أيها الإنسان! إن للشجرة تماثيل يرفعها الله في كل مكان يوجد الإنسان فيه؛ لتقول له: كن دائما ذا فروع؛ لتظلل بأبنائك موضعك من التاريخ، كريما في حياتك تعطي مما تأخذ، كن طاهرا تعرف كيف تستمد من كل شيء شيئا واحدا يعيش عليك، كن مع جنسك مختلف الظاهر على جرثومتك وموضعك؛ فذو ثمر أو زهر أو شوك - ولكن ابق في داخلك وعنصرك مع غيرك من الناس على قانون واحد. •••
يا شجراتي! ما أنتن إلا من بعض صور الحب، ولكن حبكن من النعمة والعافية؛ إذ لا تنتهي في النفس معاني شهواتها، بل معاني لذاتها فقط ...
أنتن المثل الهنيء الذي لا بؤس فيه ولا حظ، كالمعبد الذي تحمل إليه الآلام والأوجاع؛ لتنسى فيه هنيهة من الزمن، ولهذا يقبل عليكن الحكماء وأهل النفوس الحاسة والطباع الرقيقة، يأتون بالأنفس الذابلة والقلوب المتوهجة في ضعفة وسأم؛ ليرجعوا في هذه وهذه باللون الأخضر، وبروح النسيم في قوة وعزيمة. •••
अज्ञात पृष्ठ