لفترة طويلة ظلت العمة كاسي تفكر فيما أطلقت عليه «سلوك أوليفيا الغريب». وهو أمر كانت قد لاحظته العمة كاسي لأول مرة من شهر أو شهرين، حين شرعت أوليفيا، أثناء إحدى زيارات العمة الصباحية، في البكاء فجأة وبهدوء، ثم غادرت الغرفة بدون أدنى تفسير من جانبها. وكان الأمر قد تدهور مؤخرا من سيئ إلى أسوأ؛ إذ شعرت بأن أوليفيا كانت تتملص من جميع الضوابط في تحد مباشر لنصائحها الخيرة. ثم جاءت مسألة هذا الحفل بعينه. إذ كانت أوليفيا قد تجاهلت نصائحها بالاقتصاد والادخار، والآن كانت العمة كاسي تعاني، كما لو أن الشامبانيا التي تنساب من حولها بكل أريحية هي قطرات دماء تسيل من عروقها. لم تنفق مبالغ طائلة من أموال عائلة بينتلاند دفعة واحدة على متعة خالصة هكذا منذ اشترت سافينا بينتلاند عقدا من اللؤلؤ والزمرد قبل سنوات طويلة.
كما أنها كانت تستنكر نضارة وشباب أوليفيا وسابين. فامرأتان في عمرهما لا ينبغي أن تبدو عليهما النضارة والشباب هكذا. كان ثمة شيء مبتذل، بل وغير لائق بعض الشيء، في امرأة مثل سابين في السادسة والأربعين وتبدو في الخامسة والثلاثين من عمرها. ففي سن الثلاثين، كانت العمة كاسي نفسها قد استقرت في حال امرأة في منتصف العمر، ومنذ ذلك الحين لم تتغير كثيرا. فها هي في الخامسة والستين من العمر، «بلا ولد ووحيدة في هذه الدنيا» (إلا من الآنسة بيفي بالطبع)، كانت بقدر كبير نفس المرأة الثلاثينية التي لعبت دور زوجة «السيد سترازرس المتعب». كان التغيير الوحيد الذي طرأ عليها هو شفاؤها من حالة عجز جزئية، وهي معجزة تزامن وقت حدوثها مع وفاة السيد سترازرس.
لم تغفر أبدا لأوليفيا كونها دخيلة أتت من مدينة شيكاغو (من بين كل المدن) إلى شبكة الحياة المعقدة في منزل عائلة بينتلاند. ومنذ ذلك الحين تشابكت حولها خيوط من الغموض والتصق بها شعور واهن بالغربة. بالطبع، لم يكن متوقعا من أوليفيا أن تتمكن من أن تستوعب استيعابا كاملا ما يعنيه الزواج من عائلة ذات تاريخ متغلغل بعمق في تاريخ مستعمرة خليج ماساتشوستس والحياة في مدينة بوسطن. ماذا يعني لأوليفيا أن السيد لونجفيلو والسيد لويل والدكتور هولمز كثيرا ما كانوا فيما مضى يقضون أسابيع في منزل عائلة بينتلاند؟ وأن السيد إيمرسون نفسه كان فيما مضى يأتي إلى هنا لقضاء عطلات نهاية الأسبوع؟ ومع ذلك (كما اعترفت العمة كاسي لنفسها)، كانت أوليفيا قد أبلت على نحو ملحوظ بلاء حسنا. كانت من الحكمة بما يكفي لأن تراقب وتنتظر ولا تمضي في نثر الحماقات في طريقها.
وفي وسط هذه الأفكار، ظهرت أوليفيا بنفسها في المشهد، متجهة نحو السلم، تسير بجوار سابين. كانتا تضحكان على شيء ما، سابين بطريقتها الماكرة والساخرة، وأوليفيا بضحكتها الخبيثة، وبلمعة مريبة في عينيها. غمر العمة كاسي شعور بغيض بأنهما كانتا تتشاركان بعض النكات بخصوص الحاضرين للحفل؛ بل وربما بخصوصها هي نفسها والآنسة بيفي. شعرت بأن أوليفيا ازدادت غرابة وتمردا منذ عودة سابين؛ ومع ذلك، اعترفت لنفسها بأن ثمة فارقا بين الاثنتين. كانت تفضل طابع الهدوء الذي يميز أوليفيا على الانطباع العنيف الذي تتركه سابين المتألقة. استشعرت السيدة المسنة الاختلاف، ولكن نظرا لانتمائها إلى جيل عاش على العواطف لا على التحليلات، لم تتوصل إلى كنه هذا الاختلاف. فلم تكن ترى أن المرء ينتابه عند رؤية أوليفيا شعور يجعله يقول في نفسه: «ها هي سيدة راقية!» - ربما كانت، بالمعنى الحقيقي للكلمة، السيدة الراقية الوحيدة بالغرفة. كان ثمة جانب من اللطف والرقة فيها وقدر من الاتزان الذي يدعو إلى الفخر - وجميعها سمات مستحبة من جانب العمة كاسي؛ أما ما كان يضايق السيدة المسنة فهو جو الغموض الذي كان يحيط بها. فلم يكن يمكن للمرء أن يعرف يقينا ما الذي تفكر فيه أوليفيا. كانت رقيقة للغاية وتنطق بحلو الكلام. وأحيانا في الآونة الأخيرة، كانت العمة كاسي تتراجع في جزع عندما تبالغ في الضغط على أوليفيا انطلاقا من إدراكها بأن ثمة شيء خطير يتعذر تحديده في طبيعة السيدة الأصغر سنا.
قالت السيدة المسنة وهي تقف بصعوبة وتتأوه قليلا أثناء نزولها درج السلم: «لا بد أن أنصرف، يا عزيزتي أوليفيا. الآنسة بيفي سترافقني.»
لو كان الأمر بيدها ما برحت الآنسة بيفي مكانها؛ لأنها كانت مستمتعة، تراقب كل هؤلاء الشباب بالأسفل، لكنها كانت قد اعتادت على أن تطيع أوامر العمة كاسي لفترة طويلة جدا، فنهضت حينئذ، بمسحة تذمر ضئيلة، واستعدت للانصراف.
حثتهما أوليفيا على البقاء، أما سابين فقالت فجأة، وهي تسدد عينين خضراوين تعكسان بريقا مستترا من الكراهية نحو السيدة المسنة: «لطالما ظننتك تمكثين حتى النهاية المؤلمة، يا عمة كاسي.»
جاءها الرد على هيئة تنهيدة ... تنهيدة مفعمة بتلميحات بخصوص وضع العمة كاسي باعتبارها أرملة وحيدة ومريضة ثكلى انتهت الحياة بالنسبة إليها قبل فترة طويلة، ثم قالت: «لم أعد شابة، يا سابين. وأشعر أنه ينبغي على كبار السن أن يفسحوا المجال أمام الشباب. سيأتي وقت ...»
ضحكت سابين ضحكة مكتومة، ثم قالت بصوتها الجاف: «آه، لم أبدأ في الاستسلام. ما زالت أمامي سنوات عديدة لأعيشها بصحة جيدة.»
قالت السيدة المسنة بحدة واقتضاب: «لم تعودي طفلة، يا سابين.» «حقا، بالطبع لم أعد طفلة.» فأخرس هذا التعليق العمة كاسي؛ إذ آتى أثره المقصود بأن أعاد إليها ذكرى ذلك المشهد التعيس الذي هزمت فيه ببراعة شديدة هزيمة منكرة.
अज्ञात पृष्ठ