Articles from Dorar.net
مقالات موقع الدرر السنية
प्रकाशक
موقع الدرر السنية dorar.net
ومع كثرة الحديث عن ذم الانغلاق، والدعوة إلى الانفتاح، سقط بعض هؤلاء في معتركات صعبة، وراحوا يتقحمون فيها، ويكثرون التنقل بين الأهواء (١)، ويخوضون في قضايا فكرية معقدة بآليات هشة هزيلة، وهذا في تقديري سبَّب لبعضهم صدمة معرفية حادة أدت إلى التذبذب والانهزام، وإلى تبنِّي آراء نبتت من خليط غير متجانس من الأفكار والاجتهادات العلمية والعملية. وصدق العلاَّمة محمد الخضر حسين؛ إذ قال: (الآراء الفاسدة والشُّبه المغوية، تربي في النفوس الضعيفة أذواقًا سقيمة) (٢).
ثالثًا: من أعظم ما يعصم الإنسان من فتنة الشهوات، وسطوة الشبهات: سلامة التدين، وعمق الصلة بالله، ﷿. وكثير من أدواء النفوس إنما تنمو وتترعرع عند ضعف الإيمان، وقصور التربية.
ومن أكثر أدواء النفس خفاءً وخطورة: العُجب والاعتداد بالرأي؛ فهو باب عريض من أبواب الفساد والسقوط؛ ولهذا قال النبي: «ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (٣). فإذا اجتمع الهوى والعُجب في النفس ازداد هلاكُ الإنسان، ومن دقائق الملاحظة التي تدل على النباهة وعمق البصيرة قول عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى -: (لا أعلم في المصلين شرًا من العُجْب) (٤).
وبعض الناس إذا قرأ كتابًا أو كتابين، وكتب مقالة أو مقالتين، استعلى بنفسه، وطار بها عجبًا، وظن أنَّه أصبح مفكرًا من كبار المجددين المبدعين، ولا يزال التيه يسيطر على عقله وفكره حتى يؤدي به إلى ازدراء مَنْ حوله، والتقليلِ من شأنهم، والاستخفاف بهم، بل التطاول عليهم إذا خالفوه!
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا السياق: أن المستعلي برأيه إذا أخطأ في مسألة استنكف استنكافًا شديدًا عن الاعتراف بالخطأ، والرجوع إلى جادة الصواب، وقد يدفعه استعلاؤه إلى مزيد من التعصب والاستمساك بالخطأ، ظنًا منه أنَّ سبيل الرفعة إنما يكون بالتعالي والتعاظم!
رابعًا: ومن أدواء النفوس أيضًا: التطلع إلى الصدارة، والبروز نحو الأضواء، والمسارعة إلى التزيُّن أمام الناس: وقد بيَّن النبي ﷺ، خطورة ذلك بذكر مَثَل واضح جَلِي، فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه» (٥). وهذه هي الشهوة الخفية التي كان يخافها شداد بن أوس ﵁ على أصحابه (٦).
وكثير ممن يقع في هذا الداء لا يسلم من أحد أمرين:
أحدهما: القدح في سلامة القصد، وحُسْن النية، وكفى بهذا إثمًا وفسادًا.
الثاني: التشبع بما لم يعطَ.
لكن ما علاقة هذا بالقلق الفكري؟
الحقيقة أن وهج الأضواء، وبريق الإعلام، يدفع بعض الناس أحيانًا إلى التعالم، وإلى الرغبة في التميز، وقد لا يتحقق ذلك - عند ضعف البضاعة - إلا بالإغراب، والحرص على تتبع الأغلوطات، ومخالفة العلماء والتيار السائد ليس بسبب الاجتهاد العلمي، ولكن المخالفة لمجرد المخالفة.
خامسًا: قصور العلماء والدعاة في الحوار مع هؤلاء الشباب، والتهاون في استيعابهم: وهو ما أوجد قطيعة فكرية وفجوة تربوية معهم، وزاد من حدَّتها أن بعض العلماء والدعاة ربما احتدَّ أحيانًا في تسفيه أفكارهم أو التقليل من شأنهم، فأدى ذلك إلى استفزازهم، وتعصبهم، ومقابلتهم لغيرهم بالعزة في الرأي والمعاندة، والإعراض عن نقد الآخرين، والاستفادة من آرائهم.
(١) قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (من جعل دينه عرضًا للخصومات أكثر التنقل)، رواه: اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٨)، والآجري في الشريعة (ص٥٦). وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (١/ ١٣٨).
(٢) رسائل الإصلاح: (١/ ٩٩).
(٣) أخرجه: البزار، كما في كشف الأستار عن زوائد البزار، رقم (٨٠)، وحسنه الألباني لشواهده في السلسلة الصحيحة، رقم (١٨٠٢).
(٤) سير أعلام النبلاء: (٨/ ٤٠٧).
(٥) أخرجه: الترمذي، رقم (٢٣٧٦)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
(٦) قال شداد بن أوس ﵁: (يا بقايا العرب، يا بقايا العرب، إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية) وفسر أبو داود الشهوة الخفية بحب الرياسة، انظر: شرح حديث أبي ذر لابن تيمية (ص٢٥).
1 / 493