ويومها نامت البلد من العصر. •••
ومر يومان وثلاثة وخمسة، ولا حديث للناس خلال الساعات التي يستطيعون فيها الحديث إلا عن الهجانة وما فعلوه. فالليلة دخلوا على الحاج مصطفى وهو يتعشى، وقلبوا الطبلية وضربوه، ثم تسلقوا السطح وراء الحاجة فألهبوها وهي تجأر بالصراخ.
وفي الغد تتناقل الألسن ما حدث لعبد الحميد وامرأته حين أشرفت على الوضع، وخرج غصبا عنه يحضر أم مخيمر الداية، وكيف ظلوا يضربونه حتى قال: أني مرة.
وليلتها بات في الدوار ووضعت امرأته وحدها، واستمرت تنزف إلى أن جاءتها الإسعاف في الصباح.
والا يوم قابلوا شيخ البلد وجف ريقه، ووقف لسانه وهو يردد: أنا الشيخ، أنا الشيخ، أنا الشيخ.
يقولها ويرددها حتى والكرابيج تنهال عليه والهجانة تقول: شيكه إيه يا هراميه، خش بيتك.
وكل حديث من الأحاديث كان يزيد انكماش الواحد في جلده، فأصبح لا هم لكل إنسان إلا أن ينهي ما في يده حتى يلزم داره، أما الذين كانوا يعملون في البندر ويجيئون في القطار، فقد استغنى أكثرهم عن عمله، وداروا في القرية بلا عمل، والباقي فضل ألف مرة أن يبيت على أي وجه في البندر، ولو على الرصيف.
وفي يوم السوق كانت قصة تحكى، ويعقبها استنكار كثير. فقد ضربوا ليلتها مرسي أبو إسماعين. وصحيح أن مرسي لم يكن يملك قيراطا واحدا، وليس في حوزته فدان إيجار، إنما كان ولدا ولا كل الأولاد، كان ابن ليل قتل وسرق ونهب، وفي صدره العريض الراسخ ترقد قصص تشيب لهولها الولدان، ومع هذا ففي البلد كان يعيش في حاله، وأدبه في معاملة الناس مضرب الأمثال، كان يعود المريض ويعزي في الميت، ويساعد الضعيف، وينتقم للمظلوم، ويقف لكل صغير وكبير، وكانت البلد تفخر به إذا جاء مجال الفخر بين أبطال البلاد، ويروون عنه كيف لوى سيخ الحديد وكسر المسمار، ورفع كيس القطن وحده على الجمل. وعلى حسه كان الناس يتركون محاريثهم ومواشيهم في الحقول، وبعد هذا كله تضربه الهجانة! وتطلق عليه النار إرهابا حين حاول المقاومة! ثم تدك صدره بعد ذلك بدبشك البنادق وكعوب الأحذية!
واضطر الناس في النهاية أن يصدقوا حين كانوا يقاربون السوق، ويمرون بالمركز، ويشاهدون أبو إسماعين قابضا على حديد النافذة كالأسد الجريح.
وعادوا يومها من السوق، وكل يقول لنفسه: ابعد عن الشر وغني له. •••
अज्ञात पृष्ठ