अल्लाह काव्य इंसान
الله والكون والإنسان: نظرات في تاريخ الافكار الدينية
शैलियों
يقول المعلمون الغنوصيون إنهم يستندون إلى تعاليم سرية بثها يسوع في حلقة المقربين إليه ولم يعلنها للعامة، وإلى تعاليم سرية أخرى لبولس. وفي الحقيقة فإننا نجد في الأناجيل القانونية كثيرا من أقوال يسوع ذات طابع غنوصي واضح لا سيما في إنجيل يوحنا. وهنالك إنجيل معروف باسم إنجيل توما يقع في نقطة الوسط بين الأناجيل الرسمية والأناجيل الغنوصية، وهو عبارة عن مجموعة لأقوال يسوع بعضها ورد في الأناجيل الرسمية والبعض الآخر ذو طبيعة غنوصية لا تخفي نفسها. (س):
تتحدث هنا عن أناجيل غنوصية، فهل وصلنا منها شيء؟ (ج):
قبل أواسط القرن العشرين لم يكن بين أيدي الباحثين سوى قلة من المخطوطات الغنوصية الأصلية، ولكن في العام 1945م تم العثور على كنز من المخطوطات الغنوصية الأصلية قرب بلدة نجع حمادي بصعيد مصر، وهو عبارة عن 52 نصا بينها معظم الأناجيل الغنوصية التي كنا نعرف عناوينها فقط من خلال المؤلفين المسيحيين الذين تصدوا لنقد الفكر الغنوصي. وكانت هذه المخطوطات محفوظة في جرة فخارية ضخمة مدفونة في التراب، ويبدو أن أصحابها قد أخفوها خوفا من ملاحقة السلطات الكنسية لهم بعد أن صارت المسيحية دينا رسميا للإمبراطورية الرومانية في مطلع القرن الرابع الميلادي، وصار اقتناء النصوص الغنوصية جريمة بحكم القانون، لا سيما وأن الغنوصية كانت في ذلك الوقت قد انتشرت في أوروبا أيضا. (س):
لقد كان انطفاء شعلة الغنوصية إذن نتيجة الاضطهاد الواسع والمنظم الذي قامت به كنيسة روما! (ج):
الأصل في تعريف الجريمة أنها عمل يهدد سلامة الآخرين وأمن الجماعة؛ وبالتالي فإن الفرد يحاكم على عمل قام به أو شرع به، أما في الأيديولوجيات الدينية المغلقة فإن الفرد يحاكم على أفكاره، وغالبا ما تكون المحاسبة على الأفكار أقسى وأشد من المحاسبة على الأعمال، ولقد اضطهد الغنوصيون المسالمون على أفكارهم، ولكن الغنوصية لم تندثر تماما وبقيت حية في جمعيات سرية حافظت على ميراثها، ثم كان لها انتفاضة علنية قوية عندما تشكلت دولة الكاثار أو المتطهرين في جنوب فرنسا، وأعلنت عن هويتها كمسيحية غنوصية، وكانت بمثابة بقعة ضوء في ظلام العصور الوسطى؛ فقد نشط فيها التعليم، ونشطت التيارات الفكرية والفلسفية المختلفة، وعلا شأن الشعر والشعراء، وتعلم الطلاب اللغات اليونانية واللاتينية والعربية. ونظرا لقرب المنطقة من مركز الإشعاع الحضاري في الأندلس، فقد وردتها تأثيرات عربية عن طريق الموانئ البحرية وعبر جبال البيرنيه، ولكن هذه الدولة لم تعمر سوى قرابة قرن ونيف؛ ففي عام 1209م أمر البابا إنوسنت الثالث بتجهيز حملة صليبية قوامها ثلاثون ألف مقاتل وجهها نحو مقاطعة الكاثار أفنت تدريجيا وبعد معارك دامت طويلا معظم سكان المنطقة، ومحت عن الخارطة أرقى ثقافة في عصور الظلام الأوروبية. (س):
أعود إلى إخوان الصفاء لأسأل من هم؟ ومتى ظهروا؟ وأين؟ (ج):
إخوان الصفاء هم جمعية سرية نشطت قيادتها في مدينة البصرة منذ أواسط القرن الرابع الهجري. ونفهم من إحدى رسائلهم أن هذه القيادة تتكون من أربعة أشخاص، وهؤلاء الأربعة منتقون من أربعين، والأربعون منتقون من أربعمائة، والأربعمائة منتقون من أربعة آلاف، ووراء الأربعة آلاف عدد غير محدد من أعضاء هذه المرتبة الأخيرة منتشرون في أنحاء العالم الإسلامي جميعه. وقد تركت لنا هذه الجماعة ميراثا فكريا وروحيا يتمثل في اثنتين وخمسين رسالة تستغرق في الطبعات الحديثة نحو ألفين وخمسمائة صفحة لا نعرف أسماء مؤلفيها، هدفت إلى التأسيس لمذهب إسلامي ذي طابع كوني يستغرق المذاهب كلها ويوحد بينها. وقد ظهرت هذه الرسائل في زمن كانت فيه المذاهب الإسلامية الفلسفية في طور التشكل، فتأثرت بها هذه المذاهب ودخلت أفكار الإخوان في صلب عقائدها، كما أثرت على الفكر الصوفي لا سيما فكر محيي الدين بن عربي. وعلى الرغم من أن الإسماعيليين يتبنون الإخوان ويعتبرون رسائلهم نوعا من الفلسفة الإسماعيلية المبكرة، إلا أن الإخوان لم يكونوا إسماعيليين، ولا أدل على ذلك من نقدهم لمبدأ الإمامة الذي تقوم عليه العقيدتان الشيعية والإسماعيلية. ومع ذلك فإن البنية السامقة للفلسفة الإسماعيلية قامت على أرضية فرشتها رسائل الإخوان التي كانت متداولة قبل ظهور بواكير تلك الفلسفة. (س):
ما هي نقاط الالتقاء ونقاط الخلاف بين فكر الإخوان وفكر الغنوصية؟ (ج):
الروح الإنسانية عند الغنوصيين هي شرارة من النور الإلهي الأسمى تم احتباسها في الجسد المادي. وقد عبر الإخوان عن هذه الفكرة بقولهم إن النفس الجزئية، كما يفضلون تسميتها، هي قوة منبعثة وفائضة من النفس الكلية. وقد أهبطت هذه النفس الجزئية إلى مركز العالم المادي وهو الأرض، واتحدت بالأجسام الجزئية. ويتبع ذلك عند الإخوان أن الإنسان عبارة عن جملة مجموعة من جوهرين متباينين هما جسد مادي منفسد يتحول بعد الموت إلى العناصر التي تشكل منها، ونفس روحانية سماوية نورانية، حية بذاتها وفعالة في الجسد ومستعملة له إلى وقت معلوم، ثم إنها تاركة له وراجعة إلى أصلها السماوي.
وهم يتفقون مع الغنوصية في أن فكاك النفس من أسر العالم المادي وسجن الجسد لن يتأتى لها إلا بمعرفتها لأصلها بعد صحوها من حالة الجهل والنسيان التي آلت إليها عقب ارتباطها بالجسد؛ فالشريعة وحدها لا تكفي عندهم لتحقيق الانعتاق، ولا بد من اقترانها بالكدح المعرفي الذي يحول النفس الغافلة إلى نفس منتبهة مهيأة للانعتاق بعد الموت، ولكن النفوس العارفة التي فارقت أجسادها بالموت لن ترد إليها إثر قيامة عامة للموتى لأن الجسد يسقط ولا يقوم أبدا، ولكنها تبقى سعيدة ملتذة حرة في عالم الأفلاك، بينما تبقى النفوس غير العارفة بعد مفارقة أجسادها حبيسة في العالم المادي الأسفل، فإذا حان وقت دمار العالم انسحبت منه النفس الكلية فبطلت حركته وتهاوى وآل إلى فناء، وحشرت النفوس الجزئية؛ أي اجتمعت بالنفس الكلية واتحدت معها، ثم إن النفس تلتحق بالعقل، والعقل يلتحق بباريه عز وجل.
अज्ञात पृष्ठ