وإذا كنا نجد ابن مسكويه مثلا يستشهد كثيرا بكلام أرسططاليس وجالينوس، ويتحدث عن الرواقيين، ومن إليهم من الحكماء، فإنا نجد الغزالي يؤيد أبحاثه بكلام ابن أدهم والتستري، والمحاسبي، ومن إليهم من الصوفية، وربما نقل ما روي عن عيسى موسى، ومن إليهم من الأنبياء.
تعريف الخلق
نرى الغزالي في ص56 من «الميزان» يعرف الخلق الحسن بأنه إصلاح القوى الثلاث: قوة التفكير، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، ونراه في ص64 منه يعرف الخلق الحسن بفعل ما يكره المرء. ويستشهد بالحديث: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.» وبالآية
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم
1
ونراه يقول في ص47: «وأما حسن الخلق فبأن يزيل جميع العادات السيئة التي عرف الشرع تفاصيلها ويجعلها بحيث يبغضها فيتجنبها كما يتجنب المستقذرات، وأن يتعود العادات الحسنة ويشتاق إليها فيؤثرها ويتنعم بها».
وإنما ذكرنا هذه التعاريف المبهمة، التي لا تغني شيئا في التحديد، لندل على ميل الغزالي إلى الخطابيات، فقد لا تخلو منها صفحة من كتبه في الأخلاق.
ولكنه في ص56 ج3 إحياء عرف الخلق تعريفا دقيقا فقال: «الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا.» ثم ذكر أن الخلق ليس هو فعل الجميل أو القبيح، ولا القدرة على الجميل أو القبيح، ولا التمييز بين الجميل والقبيح. وإنما هو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الإمساك والبذل. ثم قال: فالخلق إذن هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة.
الفصل الأول
تربية الخلق
अज्ञात पृष्ठ