विचार और पुरुष: पश्चिमी विचारधारा की कहानी
أفكار ورجال: قصة الفكر الغربي
शैलियों
غير أن هناك نمطا آخر أقرب إلى مركز هذه الجمهورية الأرستقراطية، أقرب إليه بمعنى أنه قدم النموذج الذي عاش في القرن التاسع عشر في رجال أمثال لورد بيرون، بل عاش في القرن العشرين في رجل مثل ولفرد سكاون بلنت أو في ذلك الرجل الأمريكي العجيب الذي يمثل هذا الطراز، وهو المرحوم جون جاي تشابمان. وكذلك يعد مثالا يدعو إلى الإعجاب آلجرنون سيدني، وهو رجل إنجليزي من أسرة نبيلة مات شنقا في عام 1683م، مستشهدا في سبيل الحكم الجمهوري، ولم تنشر «بحوثه بشأن نظام الحكم» إلا في عام 1698م، وقد وجدت في القرن التالي جمهورا كبيرا من القراء، وهي عبارة عن تاريخ روماني كامل، مروي في ضوء قواعد التهذيب التي صاحبت الكلاسيكية البريطانية زمنا طويلا. وفيها يهاجم الحق المقدس ويدافع عن السيادة الشعبية، وهي لا تشف عن مذاهب اجتماعية ثورية؛ فهي في الواقع تتحدث بلغة الدستوريين المعتدلة. ولو أن سيدني عاش في القرن التالي لكان مثالا طيبا للأحرار المعتدلين لا يشوب آراءه «هراء جمهوري». كان سيدني ضد آل ستيوارت الناشئين وضد مذهبهم في الحق المقدس، وكان يدافع عن وجود طبقة حاكمة إنجليزية تكون لها كل الفضائل الرومانية وتخلو من كل رذائل الرومان.
وينتمي ملتن نفسه من حيث آراؤه السياسية - إلى هذه الفئة من الجمهوريين الأرستقراط، وهو إنساني بطبعه وتطبعه، وهو أميل إلى الجانب المقتصد منه إلى الجانب الخصب، وليس من شك في أن أهم كتاباته النثرية (آريو باجيتيكا) وهو من الأدب الكلاسيكي الذي يدافع عن حرية الكلام، وما يترتب عليها من حريات أخرى. ولا شك أن ثقافة الغرب لم تخل في أي وقت من الأوقات من نوع من أنواع الدفاع الفصيح عن حرية الكلام، ولم تكن هذه الثقافة قط تدعو إلى التحكم بدرجة تخمد كل شرارة تومض في سبيل الحرية. غير أنا نشك في أن ملتن حتى في هذه العجالة كان يبشر بالآراء التي تدور حول المبدأ الذي يقول: «دعه يفعل » وما ينطوي عليه من فائدة لحرية الفرد. ومهما يكن من أمر فإن قراءة آريو باجيتيكا جنبا إلى جنب مع «الحرية»، الكتاب الذي وضعه جون مل في عام 1859م تدريب ممتع على البحث في تاريخ الفكر بالرغم مما فيه من حرج. إن فصاحة ملتن الكلاسيكية المتدفقة قد تقف في سبيل إدراك ما يرمي إليه، ولكنه بالرغم من ذلك يدافع عن الحرية للصفوة من الناس، وللإنسانيين، وللرجال من أمثاله. وهو في هذا يختلف عن مل الذي يدعو للحرية حتى للمتهورين، والمخطئين، والجهال، يدعو إليها - في إيجاز - لعامة الناس.
وتظهر الصفة الأرستقراطية في آراء ملتن السياسية والخلقية واضحة جلية في كتابته التي لا تبلغ مبلغ آريو باجيتيكا في أهميتها؛ فهي تبدو في كتابه «الطريق السهل المباشر لإقامة دولة مشتركة حرة»، أو في رسالته «الهدامين». والكتاب الأول محاولة فاشلة يقاوم بها استدعاء الملك شارل الثاني، وبطبيعة الحال كان ملتن يمقت الطائفيين وآمالهم الفجة في تحقيق السعادة في هذه الدنيا. كما أن إخفاق البيوريتان المعتدلين في إقامة مستقر يريح النفس ويقع بين طائفة الإنجيليين وطائفة المؤمنين بالعصر الذهبي المسيحي، إخفاقهم هذا قد كشف له عن الحقيقة: وكغيره من المدافعين عن حرية الفرد من المهذبين والمثقفين أثبت ملتن في النهاية أنه إنما قصد في الواقع إلى الدفاع عن التهذيب وعن الثقافة، ولم يقصد إلى حرية الرعاع الذين لا يفكرون. وأوشك في آخر الأمر أن يفقد الثقة في تصويت العامة أفرادا، أو جماعات يكون لها تأثيرها. وبلغ بهذه العقيدة مبلغا دفعه إلى أن يجعل الهيئة التشريعية في تخطيطه للدولة المشتركة هيئة لها دوام ذاتي تستولي على مناصب التشريع مدى الحياة. وتكون بذلك أشبه بمجلس الشيوخ دون أن يكون لأفرادها ألقاب موروثة.
غير أن أكمل عمل قامت به مدرسة الإنسانيين هذه ذات الميول التي لا أقول إنها يسارية بالضبط، ولكنها على أية حال تتجه نحو نوع شعبي من أنواع الحكومة الدستورية، أكمل عمل في هذا الباب كان لرجل إنجليزي من رجال القرن السابع عشر وهو «المحيط» لجيمس هارنجتن. والكتاب في شكله صورة لدولة مشتركة خيالية، أو لمدينة فاضلة. وربما أملت عليه هذه الصورة الحاجة إلى تفادي الرقابة التي فرضها الدكتاتور الجديد كرومويل في عام 1656م، وهو العام الذي نشر فيه الكتاب. والكتاب عبارة عن رسالة في الحكم. وهي رسالة عصر فيها ذهنه، واعترف فيها بصفة خاصة بأهمية توزيع الثروة والبناء الطبقي، وهي تنادي بدولة دستورية المصالح فيها متزنة اتزانا صحيحا، وتضم مجلسا للشيوخ من الأرستقراطيين الطبيعيين ومجلسا تمثيليا شعبيا يؤيد أو يرفض اقتراحات الشيوخ. ولهارنجتن آراء حديثة كثيرة، من بينها الاقتراع السري، والتعليم العام الإجباري. والواقع أن «المحيط» يمكن أن يعد من أعمال العقليين، وقد كان تأثيره في القرن التالي عظيما. غير أن هارنجتن كان صاحب أسلوب كلاسيكي، وعقل كلاسيكي، وهو في هذا الكتاب أقرب إلى أن يلخص عصارة تفكير الإنسانيين المعتدلين من الناحية السياسية، منه إلى أن يشق طريقا جديدا.
ولا يمكن بالضرورة أن تكون طائفة الإنسانيين من الوضوح والتحديد كما كانت الطائفتان الأخريان في أوائل القرون الحديثة - وأعني بهما البروتستانت والعقليين؛ فقد كان الإنسانيون وهم يبحثون عن معايير، وعن سلطة يستندون إليها، وهو مسعى كان خلال تاريخ الغرب بأسره من ضروب النشاط الأساسية التي تمارسها الطبقات المثقفة حتى وهم يحسبون أنهم ينبذون «كل سلطان» كانوا يرجعون إلى شيء إنساني بصفة خاصة - لا هو مقدس ولا هو حيواني - وكانوا في اتجاههم هذا يميلون من الناحية العملية إلى أن يكون من نتائجه الأولى تنوع عجيب من المعايير والسلطات الممكنة؛ لأن لفظة «إنساني» بالتعبير البسيط كلمة واسعة المعنى يمكن أن تمتد حتى تشمل كل شيء - تقريبا - بما في ذلك المقدس والحيواني.
ونستطيع - لسهولة العرض ولعلمنا جيدا أن ما نبذله من جهد منظم في تبويب الأفكار لا بد أن يكون ناقصا - أن نفصل بين هؤلاء الإنسانيين الذين عاشوا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ونقسمها قسمة تقريبية إلى طائفتين أطلقنا على إحداهما: «الخصبة»، وعلى الأخرى: «المقتصدة». وأكثر الأوائل من الطائفة الخصبة بمعنى ما، حتى إذا كانوا من الباحثين المتنبهين، وما إن حل القرن السابع عشر حتى كان أكثر الرجال الذين تهمهم الإنسانية بصفة خاصة ممن ينتمون إلى الطائفة المقتصدة أو النظامية. ونستطيع - في شيء من السذاجة، أو من البساطة على الأقل - أن نقول إن أكثر الرجال الأوائل الذين رحلوا إلى اليونان والرومان التمسوا لديهم الحرية التي تكفل للمرء أن يكون نفسه، وأن يساير ميوله، حتى إن كانت هذه الميول سلسلة من الانحرافات، كما نستطيع أن نقول إن الرجال المتأخرين - الذين مهد لهم الأوائل الطريق إلى اليونان والرومان، بل جعلوا دراستهم جزءا من البرنامج المدرسي العادي - التمسوا لديهم النظام، والهدوء، والترتيب، والبساطة. الطائفة الأولى تميل إلى الاعتقاد بأن الغالبية تمكن الأقلية من الحرية في تنمية فردياتهم أو قل إنهم لم يأبهوا بالغالبية. أما الطائفة الثانية، التي عرفت أهوال الحروب الدينية، فكانت تعنى عناية كبرى بالجماهير، وبالطرق التي تكفل لهم مكانة محترمة، أو قل في إيجاز إنهم كانوا ملكيين ومدافعين عن السلطان. ولم تكترث كلتا الطائفتين قلبيا أو بصورة فعالة بما نسميه اليوم قضية الديمقراطية. وحتى الجانب الفرعي من الكلاسيكيين الإنسانيين، وهم الجمهوريون الأرستقراطيون، مثل آلجرنون سيدني، لم يكونوا ديمقراطيين.
وقد خلف الإنسانيون أعمالا فنية لا تبلى، واشتركوا في تحطيم الاتجاهات الوسيطة، كما اشتركوا بشكل إيجابي في إقامة الدولة الدنيوية الحديثة بمعاييرها التي ترمي إلى التسوية وباتجاهها نحو الكفاية. ولكنا على وجه الجملة لا نضمر في نفوسنا اليوم من النزعة الإنسانية بمقدار ما تحدثنا به كتب الدراسة. إن الإنسانيين لم يكونوا البتة البناة الرئيسيين للعالم الحديث، كما لم يكونوا صانعي العقل الحديث، وبمقدار ما كان لهذين القرنين من أثر في صنعنا على الصورة التي نحن عليها ، كان أصحاب الأثر الأكبر هم البروتستانت والعقليين، ورجال العلم.
الفصل التاسع
صنع العالم الحديث: (ثانيا)
البروتستانتية
अज्ञात पृष्ठ