من الحقائق المعروفة أن البحث العلمي يحتاج لازدهاره إلى جو من الحرية يستطيع العالم فيه أن يجري أبحاثه وهو آمن على نفسه، واثق من أن النتائج التي سيصل إليها سوف تقدر تقديرا موضوعيا لا أثر فيه للتعصب أو التحيز. وربما بدا من الغريب - لأول وهلة - أن بداية العلم الأوروبي الحديث كانت مقترنة بحوادث اضطهاد وقمع لحرية العلماء والمفكرين على نحو يخيل إلينا معه أن هذا العلم قد استطاع أن يشق طريقه بفضل قدرته على مقاومة الكبت والقمع، لا بفضل ما كان يتاح له من الحرية، ومن ذلك فإن حوادث اضطهاد العلماء - التي أصبحت مشهورة في تاريخ العلم - لم تكن إلا بقايا عهود غابرة كانت تتشبث عن يأس بمواقع لم تعد مأمونة ولا مضمونة.
فصحيح أن جاليليو قد لقي اضطهادا قاسيا من محاكم التفتيش. وكان يراد منه أن يتراجع عن آرائه الفلكية التي أرست الأسس الأولى للعلم الحديث. وصحيح أن برونو قد أحرق حيا بسبب معتقداته العلمية والفكرية. وصحيح أن ديكارت واسبينوزا كانا يعيشان في خوف دائم من الاضطهاد. وكان لخوفهما هذا أثره البالغ في نشاطهما التأليفي. وفي تحديدهما لما ينبغي وما لا ينبغي أن ينشر من كتاباتهما. هذا كله صحيح. ولكن لا يقل عن ذلك صحة أن الجو العام الذي كان يعيش فيه هؤلاء العلماء والمفكرون كان - بالقياس إلى الجو السائد في العصور الوسطى الأوروبية - جوا من التحرر، وأن القوى الجديدة التي كانت قد بدأت تمارس تأثيرها في المجتمع الأوروبي كانت أكثر تشجيعا للعلم من القوى اللاهوتية والإقطاعية السابقة، وما كان الاضطهاد الذي عاناه هؤلاء العلماء والمفكرون سوى صرخة الاحتضار التي كانت تطلقها - في شراسة ولكن بيأس - عقليات ومصالح تعلم جيدا أن الزمن لم يعد في صفها وأن العصر لم يعد عصرها.
وإذن فبداية العلم الأوروبي الحديث تثبت - ولا تنفي - القاعدة المعروفة والقائلة: إن البحث العلمي يحتاج - من أجل ازدهاره - إلى جو من الحرية.
ومع ذلك فإن التعمق في بحث هذا الموضوع - ولا سيما في ضوء الأحوال السائدة في عصرنا الحاضر - يكشف لنا عن وجود تحفظات كثيرة ينبغي أن يعمل حسابها عند تأكيد القاعدة العامة السابقة، وبعض هذه التحفظات ناشئ عن طبيعة البحث العلمي بوجه عام ، وبعضها الآخر ناشئ عن الظروف التي يمر بها هذا البحث في عصرنا الحاضر. (1)
لا جدال في أن طبيعة البحث العلمي ذاتها - بما تقتضيه من صرامة وجدية، ومن تفكير منهجي دقيق - تستلزم قدرا من تضييق نطاق حرية العالم، وعلى سبيل المثال، فإن الحقائق الرياضية هي المثل الأعلى للدقة العلمية، وهي النموذج الذي يسعى إلى تحقيقه كل علم يود أن يكون منضبطا، والحقيقة الرياضية - بطبيعتها - تتسم بالضرورة، ولا مجال فيها لحرية التصرف أو للتغيير والتبديل، إنها حقيقة صارمة يتعين على العالم قبولها على ما هي عليه، ولو حاول أن يمارس إزاءها حريته لضاعت منه على الفور، ومثل هذا يقال عن سعي العلم إلى بلوغ الحقيقة بوجه عام، فطريق العلم صارم، يقتضي من العالم التزاما دقيقا لمناهج محدودة، ولا يسمح له بالتصرف الحر إزاء موضوعه إلا في حدود معلومة. وفي هذا يختلف العلم عن الفن اختلافا بينا، فعلى حين أن الحرية والانطلاق هما القاعدة في الفن، فإنهما بالنسبة إلى العلم قيدان ينبغي أن يتعلم الباحث كيف يتخلص منهما بأسرع وقت ممكن، وإلا فقدت أبحاثه كل قيمة لها، وبما لم تكن عملية التكوين العلمية - التي تستغرق من الباحث وقتا طويلا من حياته إلى أن يصبح عالما متمرسا - سوى تهيئة له كيما يعتاد أن يلتزم مسار العلم المقيد، ولا ينقاد للميل الطبيعي إلى الانطلاق أو التحرر من القيود، وكيما يألف إطاعة الواقع وقبول حقيقته وهو يعلم أنه ليس حرا في قبولها أو رفضها. (2)
يقتضي العلم في عصرنا الحاضر تنظيما واسع النطاق، يخرج عن نطاق الجهد الفردي لأي عالم بعينه؛ ففي الماضي كان العلم، إلى حد بعيد، سلسلة من الغزوات أو الانتصارات أو الكشوف الفردية. أما الآن فإن هذا الطابع الفردي يختفي باطراد، ليحل محله العمل الجماعي
team work
الذي يكون العالم الواحد فيه فردا في مجموعة، لا يملك حرية التصرف الكاملة؛ لأنه مقيد بعمل الآخرين، وملزم بتنسيق جهوده معهم. (3)
ومن وجهة أخرى فإن الأبحاث العلمية أصبحت تقتضي تمويلا ضخما يستحيل أن توفره موارد العالم ذاته مهما يكن ثراؤه، ومعنى ذلك أن العالم لا بد أن يستعين بالتمويل المقدم من مصادر خارجية، وقليلا ما تقف هذه المصادر موقف الحياد من أبحاث العالم. بل إنها تفرض عليه اتجاهات تتمشى مع مصالحها الخاصة؛ فالشركات الصناعية الكبرى تمول الأبحاث العلمية من أجل ترويج بضائعها، وحتى لو كانت تقدم أموالها في صورة تبرعات لمراكز أبحاث «مستقلة»، فإن هذه التبرعات يمكن أن تكون في ذاتها من عوامل فقدان استقلال مراكز الأبحاث بصورة جزئية أو كلية، وبعبارة أخرى: فإن العالم لم يعد اليوم قادرا على أن يتحرر في أبحاثه العلمية من مطالب اقتصاد السوق، أو هدف زيادة الإنتاج، وغيرها من الأهداف والنتائج العاجلة التي تسلبه - ولا شك - قدرا من حريته، وإذا كان السؤال: هل يكون العلم للعلم أم للمجتمع؟ سؤالا ينطوي في نظر الكثيرين على مغالطة، فإن السؤال: هل يكون العلم للعلم أم للسوق؟ قد أصبح في عصرنا الحاضر سؤالا حقيقيا ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار كلما بحثت مشكلة العلم والحرية. (4)
كثيرا ما يؤدي الولاء للوطن أو لأيديولوجية معينة إلى فرض قيود على الحرية الشخصية للعلماء؛ ففي ألمانيا النازية كان العلماء يجرون أبحاثهم من أجل خدمة أهداف تتنافى مع شرف العلم ذاته. وكان بعضهم واعيا بما يفعل، وبعضهم الآخر يسير في عمله العلمي على نحو آلي يفتقر إلى التفكير النقدي الواعي. ولكن العلماء كانوا في كلتا الحالتين مفتقرين إلى الحرية، ولم يكن هذا حائلا بينهم وبين مواصلة عملهم، والاهتداء إلى مجموعة هامة من الكشوف.
अज्ञात पृष्ठ