قال التلميذ: لكأنك يا مولاي قد عشت في الصين منذ عشت في الدنيا. لو رأيت بناءهم لرأيت قصورا في أشكال خيام. وذلك شأن كل «بناء» في الصين.
زهدان
شتان زهد الهند وزهد نجد.
ذاك زهد السآمة من الوفر والإغراق والابتذال، وهذا زهد الأنفة في وجه الضنك والضرورة.
زهد الهند الذي اكتظ من صنوف المائدة حتى عافها وأعرض عنها.
وزهد نجد زهد الذي لم ير المائدة وأنف من مذلة الحاجة إليها. •••
كان هذا حديث المعري لتلميذه وقد وصلا إلى جدة وقفلا من مدن الحجاز، بعد طواف طويل في الصين والهند وفارس والعراق.
وكان التلميذ يسأل أستاذه عن شظف النجديين من أتباع عبد الوهاب، إذ يحرمون على أنفسهم كل ما يعز عليهم وجوده في الصحراء النجدية. وهو ينتظر رأي المعري في هذا الشظف، وقد علم أنه أخذ نفسه بمثله أيام الحياة.
فلما قال المعري إن القوم في الصحراء يزهدون زهد الأنفة في وجه الضرورة فهم أن حكيم المعرة يستكبر أن يساويه في زهده مئات وألوف، وأحب أن يحسب القوم مضطرين غير مخيرين، أو مسوقين غير سائقين، فرجع إليه سائلا: أفترى كل محتاج زاهدا فيما يحتاج إليه، آنفا من الإقرار بالحاجة والحرمان؟
قال الشيخ: كلا، إنما تفعل ذلك الأمم التي لها عزة وليست لها وفرة. فهي إذن تفرض على نفسها القناعة وتنفض عنها شعور المذلة، ولو ضعفت ولانت لجمعت على نفسه حرمان الفقر وحرمان الذل والاستكانة، فترى أنها محرومة وأنها دون من يستمتعون بالخير والبذخ والرفاهة، ولا ترى كما يرى هؤلاء النجديون أنهم محرومون وأنهم مع ذلك خير من المستمتعين.
अज्ञात पृष्ठ