وسر عباس بهذه النتيجة غير المتوقعة، وقال بحماس: نعم الرأي هو .. حقا أنت رجل الملمات!
وسره الثناء، ومضى يفكر في تنفيذ خطته مدفوعا بغضب لكرامته، وميله الطبيعي إلى العدوان، وطمعه في الحصول على مبلغ من النقود، ثم غمغم بصوت ملؤه النذير: «ما يوم الأحد ببعيد!» وبلغا عند ذاك ميدان الملكة فريدة فتوقف عن المسير وهو يقول: عد بنا إلى حانة فيتا.
ولكن الآخر تشبث بذراعه وهو يقول: أليس من الأفضل أن نمضي إلى الحانة التي سنلقاه بها يوم الأحد لتعرف الطريق بنفسك؟
وتردد حسين لحظات، ثم سار معه كما أراد وقد حثا الخطى. وكانت الشمس قد مالت للمغيب، ولم يكد يبقى من نورها إلا ظلال خفيفة، وشمل السماء ذلك الهدوء الحالم الذي تخلد إليه إذا تراءت لها طلائع الظلام، واشتعلت مصابيح الطريق واطرد سبل السابلة لا يعبئون اختلاف الليل والنهار. ودوى سطح الأرض على غير انقطاع، فمن جعجعة الترام إلى أزيز السيارات، ومن نداء الباعة إلى نفخ الزمارات غير همهمة البشر، فكأنهما بخروجهما من المدق إلى هذا الطريق قد انتقلا من المنام إلى يقظة صاخبة. وارتاح عباس الحلو وانقشعت الحيرة التي غشيته طويلا فعرف سبيله بفضل صاحبه الجريء القوي، أما حميدة فقد ترك أمرها معلقا للظروف المجهولة تفصل فيه بما تشاء، ولم يستطع أن يبت فيه برأي، أو أنه أشفق من البت فيه برأي حاسم. وقد خطر له لحظة أن يفاتح صاحبه ببعض خواطره؛ ولكنه ما كاد يختلس إلى وجهه الأسود نظرة حتى غاص الكلام في حلقه فلم ينبس بكلمة. وواصلا السير حتى بلغا موقف الأمس الذي لا ينسى، فلكز عباس صاحبه وهو يقول: هاك دكان الأزهار الذي حادثتها فيه.
ونظر حسين إلى الدكان الذي يشير إليه صامتا، ثم سأله باهتمام: وأين الحانة؟
فأومأ له إلى باب غير بعيد وهو يغمغم: «ها هي ذي.» وراحا يقتربان على مهل وحسين كرشة يتفحص المكان وما يحيط به بعينيه الصغيرتين الحادتين. ونظر عباس الحلو إلى داخل الحانة وهما يمران بها، فجذب عينيه منظر غريب ندت عنه شهقة، وتصلبت عضلات وجهه، ثم جرت الحوادث سريعة قبل أن يفقه لها حسين كرشة معنى .. رأى حميدة في جلسة شاذة بين نفر من الجنود، كانت تجلس على كرسي وإلى ورائها جندي واقفا يسقيها خمرا من كأس في يده، ينحني عليها قليلا وتميل هي برأسها إليه وقد مدت ساقيها على حجر آخر يجلس قبالتها، وحف بهم آخرون يشربون ويعربدون. بهت الفتى وتسمر في موقفه، ونسي ما كان علمه من مهنتها، وكأن الخطب يدهمه على غير علم به، وطمس الدم الفائر بصيرته، فلم يعد يعرف غريما له في دنياه سواها، واندفع إلى الحانة كالمجنون وصاح بصوت كالرعد: حميدة!
وفزعت الفتاة مستوية على الكرسي، وحملقت في وجهه بعينين ملتهبتين، وغلبتها الدهشة ثواني، ثم ثابت إلى رشدها وقد هالها ما يتهددها به حمقه من الفضيحة، فصاحت به بصوت خشن فظ جعله الغضب كالزئير: لا تبق هنا لحظة واحدة .. اغرب عن وجهي.
وفعلت به غضبتها وصراخها فعل النفط بالنار فجن جنونه، واختفى من نفسه ما طبع عليه من تهيب وتردد، ووجد أخيرا ما عاناه في الأيام الثلاثة الماضية من قهر وعذاب وقنوط ثقبا في مرجل نفسه، فانطلق منه صارخا، مصفرا مجنونا، ولمح إلى يساره بعض زجاجات الجعة الفارغة على طاولة الحانة، فتناول واحدة وهو لا يدري ما يفعل وقذفها صوبها بكل ما يملك من قوة وغضب وقنوط، في سرعة خاطفة لم يستطع أن يمنعها أحد، لا من الجنود ولا من عمال الحانة، فأصابت الزجاجة وجهها، وتفجر الدم غزيرا من أنفها وفمها وذقنها، وانمزج بالأدهنة والمساحيق، وسال على عنقها وفستانها، واختلط صراخها بزئير السكارى الهائجين، وانقض عليه الغاضبون كالوحوش الكواسر، وتطايرت اللكمات والركلات والزجاجات.
ووقف حسين كرشة على باب الحانة يرى صاحبه تتقاذفه الأيدي والأرجل، وهو كالكرة لا يملك للقضاء دفعا. وكلما تلقى ضربة هتف صارخا: «يا حسين .. يا حسين.» ولكن الفتى الذي لم ينكص عن خوض معركة في حياته لبث متسمرا لا يدري كيف يشق سبيله إلى صاحبه وسط أولئك الجنود الكواسر الفاتكين، وتملكه الغضب، واشتعلت بصدره ثورة جائحة، وأخذ يتلفت يمنة ويسرة عله يجد آلة حادة أو عصا أو سكينا، وبقي مقهورا مغلوبا على أمره، وقد مضى السابلة يتجمعون عند مدخل الحانة متطلعين للمعركة بأعين فزعة وأيد مغلولة.
35
Shafi da ba'a sani ba