Tukunyar Marmara
الوعاء المرمري
Nau'ikan
أخذ سيف يسير بطيئا من جانب الفضاء حتى لا يتعثر بين الخيام في الظلمة، وكانت السرادقات العالية تحجب نور القمر الهابط، فكان لا يكاد يتبين ما أمامه. وكانت أفكاره ما تزال تضطرب بصور الليلة الصاخبة؛ حانة النبطي، وطليبة، والخصم المخمور، والخنجر الخائن، ونفيل بن حبيب، وأي رجل ذلك الرجل الذي كان يتطلع إلى رؤيته في يوم من الأيام! أي رجل يجمع من أسرار الطبيعة أضدادها! الرجل الذي لا يعرف عدلا ولا اعتدالا، ولا يؤمن بإله ولا إنسان، ولا يطمئن في صداقة ولا عداوة. بل الذي لا يطمئن إلى نفسه في يمين آلى بها على نفسه؟ أيريده أن يغمد سيفه في صدره إذا هو حنث في يمينه؟ وخيل إليه أنه يحس قشعريرة في جسمه، كأنه يرى كائنا لم تنجبه الطبيعة. ثم خيل إليه أنه سمع صرخة مثل نعيق بومة، كأنها صرخة جريح وقع خنجر في صدره. ورفع بصره يقلبه في الفضاء الأغبش الذي يمسحه الضوء الخافت، وكان السكون عميقا والهواء ساكنا، لو رف فيه جناح خفاش لتردد له صدى. ثم عاد الصوت يقطع الصمت كأنه أنين مكروب يعاني خوفا في أعقاب مأساة خفية يكتمها. وبدا له شبح يقطع صفحة السماء وهو يتعثر في الرمال خائرا، ويقلع خطواته مترنحا، فثبت في مكانه يراقب الشبح في دهشة. أهي امرأة؟
كانت حقا امرأة تنطق حركتها بالذعر والثورة، ويبرق في يدها شيء كأنه سلاح، فأسرع ذاهبا إليها يدفعه شعور قوي أنه حيال قصة دامية. ولما خرج من ظل الخيام ووقعت عليه لفتة المرأة المذعورة سمع صرخة مكتومة، ورآها تجري هاربة وأقدامها تغوص بها ثقيلة. ثم خارت قواها ووقعت، فلم تحاول النهوض وبقيت في مكانها تنظر إليه خامدة، وتقاربت أصوات أنينها المكتوم الممتد، ولما صار على خطوتين منها جمع صورتها في نظرة، وقال في صيحة ذاهلة: أنت؟
وكانت طليبة تنظر إليه مكشرة عن أسنانها، وعيناها تلمعان في الضوء الضئيل بحدقتين واسعتين يتمثل فيهما الرعب والتحدي. كانت مثل ذئبة جريحة لا تستطيع حراكا. ولما استطاعت أن تميز وجهه قامت تتساقط حتى وقفت، وتبدلت صورتها من الذعر اليائس إلى الاستسلام، وتهانفت باكية تقول في صوت متقطع: أأنت هنا؟ ألم يقتلك؟
واقتربت منه وسقط الخنجر من يدها، فانغرز في الرمل قائما.
وقال لها سيف: ماذا صنعت؟
فقالت وهي تلمسه بيدها: أنت هذا حقا ألمسك بيدي.
وتهالكت على الأرض تقول في صرخاتها المكتومة: قتلته. قتلته بخنجره ثم جريت أبحث عن جثتك، حسبته قتلك. وكانت تنتفض مكبة بوجهها إلى الأرض تسند رأسها بذراعها.
ومرت على سيف لحظات طويلة، خيل إليه في أثنائها كأن الوجود استحال إلى هباء، لا يرى فيه ولا يسمع شيئا. ثم أخذ الموقف المحزن يتجلى له؛ فها هو ذا خنجر نفيل مغروز في الرمل، وهذه البائسة ترتجف تحت قدميه. أتسخرها الأقدار في هذه اللحظة لكي تنفذ مشيئته؟ أهذه النمرة الوحشية تعرف الندم والحزن حتى تبكي هكذا في حرقة تهز جسمها؟ وتمثل له نفيل وهو يمد إليه يده مصافحا، كان المسكين ينظر إليه بعينين ضارعتين كأنه يستنجد به على نفسه. أفي هذه الليلة يقتل نفيل؟ وغمره حزن شديد كأنه فقد صديقا عزيزا!
وقال في صوت مهتز: ماذا فعلت أيتها البائسة؟
وأخذها من يدها فأقامها، ومال على الخنجر فغاص به في الرمل حتى دفنه. هكذا حلت الأقدار العقدة بضربة حاسمة قطعت تلافيفها، وانتهت حياة نفيل. ماذا فعلت هذه البائسة؟ المجرمة؟ هذه الهرة الوحشية؟ أهي مجرمة في شرعة الحياة المطلقة من قيود الأخلاق ومن عرف البشر؟ كيف ينظر وحش الفلاة إلى قطة وحشية حملها الذعر على أن تنقض على زميل في الفلاة وتنشب فيه أظفارها وأسنانها؟ كان نفيل مثلها ذئبا أو ضبعا أو سبعا، يشق طريقه في الأرض معترفا بشرعة الحياة المطلقة. كان يهاجم ويدافع ويراوغ، ويفر ثم يكر ويتربص، ويثب عندما يتمكن، فإذا انتصر ومزق فريسته أطلق نفسه في فرحة ضارية يستمتع فيها بنشوة النصر، لا يفكر في رحمة ولا عدالة. وسار بالفتاة متجها إلى منزله، وأحس يدها البضة تشتد في قبضته متعلقة مستأنسة، وتقترب إلى ذراعه حتى أحس دفء جسمها. وكانت تسايره غير متعثرة ولا تجرر قدميها. أذهب عنها ذعر الجريمة؟ أم كانت هزة المعركة ثم انجلت عنها؟ وبلغ منزله وهو لا يهتدي إلى رأي فيما يظنه عدلا في جزاء فعلتها. وكانت خيامه قائمة على نشز صلب من الأرض، وفي وسطها فناء واسع تكدست فيه طرود شتى، ومن ورائها فضاء فيه مرابط الخيل والرواحل. ولم يجد أحدا من أصحابه هناك، وكأنه أحس ارتياحا لذلك، ولكنه مع ذلك عجب إذ يبطئ أصحابه عن العودة إلى مثل تلك الساعة.
Shafi da ba'a sani ba