6
ومع ذلك، يمكننا بسهولة تخيل النباتات تمارس السلوكيات الموصوفة هنا دون أن يكون ثمة «شيء يشبه» كونك نباتا؛ لذا فإن السلوك المعقد لا يلقي الضوء بالضرورة على ما إذا كان النظام واعيا أم لا. ويمكننا استكشاف حدسنا بشأن السلوك من زاوية أخرى من خلال طرح السؤال التالي: «هل يحتاج النظام إلى وعي لممارسة سلوكيات معينة؟» على سبيل المثال، هل يحتاج روبوت متقدم إلى أن يكون واعيا ليربت على ظهر صاحبته عندما يراها تبكي؟ أغلبنا سوف يجيب على الأرجح: «ليس بالضرورة». فبعض شركات التقنية تقوم بخلق أصوات محوسبة لا يمكن تمييزها عن الأصوات البشرية.
7
وإذا قمنا بتصميم ذكاء اصطناعي وبدأ يوما ما في قول أشياء مثل: «توقف من فضلك - ما تفعله يؤلمني!» فهل ينبغي أن نأخذ ذلك دليلا على وجود الوعي، أو ببساطة على برمجة معقدة، ولكنها مفتقدة إلى الوعي؟
إننا نفترض، على سبيل المثال، أن خوارزمية مجردة تماما من الوعي تكمن وراء قدرة جوجل المتزايدة على تخمين ما نبحث عنه بدقة، أو قدرة برنامج مايكروسوفت أوتلوك على تقديم اقتراحات بشأن من قد نرغب في إضافته لتسلم نسخة من رسالة البريد الإلكتروني التالية. إننا لا نعتقد أن جهاز الكمبيوتر الخاص بنا واع - فضلا عن أن يهتم بنا - عندما يومض اسم أحد أقاربنا، مثل العم جون، مذكرا إيانا بإدراجه في الرسالة التي نكتبها لإخبار الأسرة بمولد طفل جديد. من الواضح أن البرنامج تعلم أن العم جون عادة ما يدرج اسمه في رسائل البريد الإلكتروني إلى الوالد وإلى ابنة العم جيني، ولكن ليس لدينا أي دافع لنقول لهذا البرنامج: «شكرا لك - كان هذا لطفا منك!» غير أنه من الممكن تصور أن تقنيات التعلم العميق المستقبلية سوف تمكن هذه الأجهزة من التعبير عن أفكار وعواطف واعية (مما يعطيها قدرات متزايدة على خداع البشر). وتكمن المشكلة في أن كلا من الحالات الواعية وغير الواعية تبدو متوافقة مع أي سلوك، حتى تلك المرتبطة بالعاطفة، ومن ثم فإن السلوك في حد ذاته لا يشير بالضرورة إلى وجود الوعي.
وهكذا، فجأة، تبدأ إجاباتنا الأولية عن السؤال الأول - سؤال ما الذي يعد دليلا على وجود الوعي؟ - في التلاشي. وهذا يقودنا إلى السؤال الثاني، بشأن ما إذا كان الوعي يؤدي وظيفة أساسية - أو له أي تأثير على الإطلاق - في النظام المادي صاحب الوعي.
8
من الناحية النظرية، يمكنني أن أتصرف بكل الطرق التي أتصرف بها وأقول كل الأشياء التي أقولها دون أن يكون لدي خبرة واعية بها، مثلما قد يفعل روبوت متقدم (رغم أنه يصعب تخيل ذلك بلا شك). هذا هو جوهر تجربة فكرية تعرف باسم «الزومبي الفلسفي»، والتي اشتهرت عن طريق ديفيد تشالمرز. يطلب منا تشالمرز أن نتخيل أن أي شخص قد يكون - حقا - زومبي؛ وهو شخص يبدو ويتصرف من الخارج مثل أي شخص آخر تماما، ولكن دون أي خبرة داخلية على الإطلاق. إن تجربة الزومبي الفكرية مثيرة للجدل، ويدعي فلاسفة آخرون، ولا سيما دانيال دينيت من جامعة تافتس، أن ما تقترحه هذه التجربة الفكرية مستحيل؛ بمعنى أن أي دماغ بشري يعمل بشكل كامل لا بد أن يكون واعيا، بطبيعة الحال. لكن تصور «الزومبي» مسألة تستحق التأمل ولو من الناحية النظرية فقط؛ لأنها تساعدنا في تحديد السلوكيات التي نعتقد أنها يجب أن تكون مصحوبة بوجود للوعي، إن وجدت.
الهدف هنا هو التخلص من أكبر عدد ممكن من الافتراضات الخاطئة، وهذا التمرين الذهني تحديدا مفيد، سواء كان وجود الزومبي متوافقا مع قوانين الطبيعة أو لا. تخيل أن شخصا ما في حياتك هو في الواقع زومبي أو روبوت مزود بذكاء اصطناعي (يمكن أن يكون أي شخص؛ بداية من شخص لا تعرفه يعمل في متجر، ونهاية بصديق مقرب لك). في اللحظة التي تشهد فيها سلوكا من هذا الشخص تعتقد أنه لا بد أن يكون سلوكا متزامنا مع خبرة داخلية لهذا الشخص، اسأل نفسك لماذا تعتقد ذلك. ما هو الدور الذي يبدو أن الوعي يلعبه في سلوكه؟ لنفترض أن صديقك الزومبي شاهد حادث سيارة، ويبدو عليه القلق على نحو متناسب مع الحدث، ويخرج هاتفه للاتصال بسيارة إسعاف. هل يمكن أن يكون هذا الشخص يتصرف بشكل آلي دون إحساس داخلي بالقلق والاهتمام، أو دون عملية تفكير واعية تؤدي به إلى إجراء المكالمة الهاتفية ووصف ما حدث؟ هل يمكن أن يحدث كل هذا حتى لو كان روبوتا، دون أن يشعر بأي شعور يدفعه لهذا السلوك؟
لقد اكتشفت أن تجربة الزومبي الفكرية يمكنها أيضا التأثير على تفكيرنا على نحو يتجاوز مقصدها الأصلي. فبمجرد أن نتخيل أن السلوك البشري من حولنا موجود دون وعي، يبدأ هذا السلوك يبدو أشبه بالعديد من السلوكيات التي نراها في العالم الطبيعي والتي لطالما افترضنا أنها غير واعية، مثل سلوك نجم البحر الذي يتجنب العقبات، وهو حيوان مائي لا فقاري ليس لديه جهاز عصبي مركزي.
Shafi da ba'a sani ba