Asasin al-Thaqafiyya ga Al'umma
الأسس الثقافية للأمم: الهرمية والعهد والجمهورية
Nau'ikan
26 (4) الاختيار الشعبي: المهمة العلمانية
تمثل القومية الجمهورية نوعا من التناقض؛ فمن ناحية، نجد أن محتوى عقيدتها علماني على نحو جذري، ويركز على احتياجات المواطنين، والتزامهم بالقانون، وترسيخ الفضيلة والوطنية. ومن ناحية أخرى، فإن ممارسة أيديولوجيتها دينية على نحو حماسي. إن نمط ثقافتها العامة، وتبجيلها للوطن، وتبجيلها لقتلى الحرب؛ تقدم جميعا صورة شركة مقدسة يقوم بها المواطنون في طقوس ومراسم عامة، وكذلك من خلال قوانين وتقاليد ورموز ومؤسسات. وبالمثل، فيما يخص القومية الجمهورية، فإن «الأمة» (مقارنة ب «دولتها») تعتبر شركة علمانية ذات أعراف وتقاليد، ولغة وثقافة محليتين ، ووطن متوارث عن الأسلاف، وتاريخ وطقس عام يتمثل في بطولة التضحية بالذات؛ بيد أن هذه الصفات نفسها تساعد أيضا في تحويلها إلى فئة دينية، وشركة مقدسة للشعب؛ ومن ثم تصبح شيئا محل تبجيل ديني وعبادة شعبية.
كان هذا التحول متأثرا بقوة بتقليد الاختيار العرقي الطويل والمؤثر. لقد رأينا ذلك بالفعل في القرن السابع عشر، حيث نقلت البروتستانتية الراديكالية صفة الاختيار من الملك ومملكته إلى مجتمع الأمة المؤمنة والمختارة. والآن، أصبح مثال السيادة الشعبية ممتزجا بمثال الاختيار العرقي للأمة الجمهورية المكونة من كل أفرادها بصرف النظر عن المكانة أو الثروة؛ ونتيجة لذلك سعت القومية الجمهورية إلى رفع منزلة كل من الأشخاص العاديين أو «عامة الشعب» وشعب بعينه، أي مجتمع مقدس محدد، وهذه شخصية مزدوجة وضحها جيدا تصور جروندفيج عن الشخصية الشعبية للشعب الدنماركي في القرن التاسع عشر، أو عن مثال أنصار السلافية المتمثل في الشركة المقدسة للشعب الروسي. وهذا يساعد أيضا في تفسير الشخصية الانعكاسية الذات للقومية الجمهورية، وإصرارها على العبادة الجمعية لذاتها كمجتمع حصري، ومتفوق غالبا على غيره، واثق من شخصيته وصفاته الفريدة.
27
كشف هذه الشخصية المثالية للأمة الجمهورية وعززها دورها الفريد ومهمتها الفريدة اللذان يكملان عادة ذكرياتها الأسطورية عن العصور الذهبية. ومن المحتمل أن تتمثل مهمتها في أن تسطع كمنارة للحضارة أو كمجمع للثقافة، أو أن تجسد مثالا للتفوق العسكري، أو أن تقدم مثالا للتكامل الاجتماعي أو التقدم الصناعي. وأيا كان مجال تميز الأمة، فإن كل أمة يمكنها أن تبرر - ولو في نظرها على أقل تقدير - مكانتها الخاصة في الإطار الأخلاقي للعالم بأسره من خلال أسطورة عن شخصيتها الفريدة ودورها الفريد في التاريخ، كما هي الحال مع أسطورة الثورة الفرنسية التي تقدم فرنسا على أنها أمة الحرية والإخاء التي تجلب لغيرها بركات النظام الجديد. والأهم من ذلك أن أفراد الأمة من الممكن أن يجدوا الراحة والفخر في مهمتها الخاصة، ومن المحتمل أن يكونوا واثقين من مصيرها الجمعي؛ مما يحقق قدرا من الخلود من خلال معرفة أن الأجيال القادمة ستستمر في إكمال الدور المميز للأمة مع «تقدمها» عبر الزمن إلى المستقبل غير المعلوم. وفي كل الأوقات، سواء الجيدة أو السيئة، ستنكشف القيمة الأساسية للأمة من خلال مهمتها الممنوحة من الرب أو الموكلة من التاريخ.
28
انطلاقا من هذا، ليس من الصعب معرفة السبب في ضرورة أن تصبح الأمة محل عبادة، أو في ضرورة أن تتخذ المراسم العامة طابعا مقدسا ومبجلا بصفتها «أفعال عبادة»، كتلك الواضحة للغاية في مهرجانات الثورة الفرنسية الكبيرة أو في الاحتفالات القديمة بيوم الطالب الألماني. إلا أنه مع تكون أمم جديدة في القرنين التاسع عشر والعشرين، شعر قادة تلك الأمم ومناصرو أيديولوجياتها بأنهم يحتاجون إلى تكوين طقوس عامة مشابهة، وأن يبثوا في نفوس أفراد الأمة مشاعر العبادة والتبجيل الدينية المشابهة لمشاعر الأديان التقليدية. ومن خلال الرموز السياسية والمراسم الجماعية المصممة، وتماثيل الأبطال، ومواقع الاحتفال وإحياء الذكرى، سعوا إلى خلق نوع من التاريخ الجمعي والمصير الجمعي لأمة خالدة، وفي الوقت نفسه متطورة، عبر الزمن من أجل تحقيق مهمتها التاريخية. وهذه هي الحال إلى حد بعيد في ألمانيا القرن التاسع عشر التي وثق جورج موسيه مهرجاناتها وآثارها، لكننا نجد طقوسا واحتفالات مشابهة في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها في أواخر القرن التاسع عشر. وتحقيقا لتلك الغاية، لقي المعماريون والفنانون والموسيقيون والشعراء تشجيعا على خلق صور وآثار حية للأمة تستحضر جلالها وحقيقتها الخيرة والموجودة في كل مكان، بحيث يجعلون ما هو عام ومجرد بالضرورة محددا وملموسا. وفي هذا الصدد أيضا، قلدت القومية الأديان التقليدية؛ فمثلما كشفت الأديان عن الرب من خلال القوانين الإلهية والأيقونات، كذلك رأى القوميون أن الأمة يمكن إدراكها من خلال قوانين الأشخاص أصحاب السيادة، ومن خلال الصور التي يقدمها الفنانون والكتاب في هذه الأمة. ومثلما دمجت الأديان التقليدية الأفراد في مجتمع المؤمنين، سعى أيضا دين القومية العلماني إلى استيعاب الفرد في مجتمع المواطنين المقدس وثقافته التاريخية المدنية.
29 (5) سلف القومية الجمهورية
لا يظهر هذا الارتباط الوثيق بين إعلاء مكانة الشعب صاحب السيادة والمهمة العلمانية للأمة على نحو أكثر وضوحا إلا في فرنسا الحديثة. بطبيعة الحال، كانت فكرة أن الفرنسيين «شعب مختار» شائعة في العصور الوسطى وما بعدها. أما ما كان جديدا فهو انتقال هذا المعتقد من مملكة فرنسا إلى الشعب الفرنسي المتمثل في مواطني الجمهورية المتآخين؛ فبينما مثل الشعب الفرنسي في العصور السابقة أمة مختارة، من حيث إنهم يشكلون الجزء الرئيسي من المملكة الفرنسية ورعايا «الملك الأكثر مسيحية» وليس أكثر من ذلك، فأثناء الثورة الفرنسية لم يصبح الشعب والأمة كفكرة منفصلين عن الملك والمملكة فحسب، بل أعلى منهما مكانة، وبعد عام 1792 أصبحوا وحدهم من يحملون صفة «الاختيار» في النموذج العلماني الحديث من الإرادة والحرية والفضيلة القومية. ولم يكن هذا التحول مفاجئا. بالفعل في عهد لويس الرابع عشر، كانت فكرة فرنسا كأمة حضارة ومجد مرتبطة بعبادة ملك الشمس؛ مما وضع معايير الذوق والثقافة لغيرها من دول الملكية المطلقة في أوروبا. وخلال القرن الثامن عشر، كانت فكرة الأمة ك «شعب» و«مجتمع» قد اكتسبت شعبية، وتحررت من ارتباطاتها بالإله والملك على حد سواء. إلا أنه على الرغم من هذا الإعداد المفاهيمي، فإن الأيديولوجية القومية الجمهورية المتعلقة بالإرادة القومية والحرية الشعبية كانت جديدة في محتواها ونطاقها؛ إذ إنها رأت أن الأمة هي المصدر الوحيد والأصلي لكل القوانين والسيادة، أو كما قال القس سييس في أوائل 1789:
توجد الأمة قبل كل الأشياء وهي أصل كل شيء. إرادتها قانونية دائما، وهي القانون نفسه ... الأمم على الأرض يجب أن تعتبر أفرادا خارج الرباط الاجتماعي، أو كما يقال، أفرادا في وضع الطبيعة. إن ممارستها لإرادتها حرة ومستقلة عن كل الأنواع المدنية. ونظرا لوجود إرادتها في النظام الطبيعي فقط، فإنها تحتاج فحسب إلى امتلاك الخصائص «الطبيعية» للإرادة كي تؤثر تأثيرها الكامل. وأيا كانت طريقة تعبير الأمة عن إرادتها، فإنه يكفي أنها تريد؛ فكل الأشكال مشروعة وإرادتها هي دائما القانون الأعلى.
Shafi da ba'a sani ba