اللهو المباح
لا مانع كذلك من اللهو المباح والترفيه البريء، وإن كانت لفظة الترفيه قد لا تكون دقيقة ومقبولة في المصطلحات الشرعية؛ لأن الرفاهية والترفيه قد لا يكون محمودًا، إنما اللعب المباح واللهو المباح على حد قوله ﷺ: ﴿كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل إلا -واستثنى ثلاثة أمور منها- ملاعبة الزوجة، وركوب الفرس، وكذلك الرمي﴾.
وهناك وجوه من اللهو المباح، منها مثلًا: المسابقة، والمصارعة بين الرجال، والمسابقة سواء مع إخوانك وزملائك أو حتى مع أهلك؛ فقد سابق النبي ﷺ عائشة مرتين، سبقته في الأولى وسبقها في الثانية، وصارع النبي ﷺ ركانة وكان شديدًا، فصرعه النبي ﷺ، وسابق النبي ﷺ بناقته العضباء فسُبقت، فشق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأخبرهم النبي ﷺ ألا يختلفوا وقال: ﴿إن حقًا على الله ألا يرفع شيئًا إلا وضعه﴾.
فكان يسابق بنفسه ﵊، ويسابق أيضًا بإبله.
وفي المناسبات كالأعياد ونحوها يرخص في اللهو المباح كما رخص النبي ﷺ للحبشان، حيث كانوا يلعبون في العيد وأراد عمر أن ينهرهم، فقال له النبي ﷺ: ﴿دعهم، لتعلم يهود أن في ديننا فسحة﴾ أو كما قال ﷺ، بل أذن لـ عائشة أن تنظر إليهم من وراء خدرها.
فهذه أمور على حسب ما جاءت به الشريعة، وعلى حسب ما هو مبسوط في كتب الأحكام، فهذا كله من اللهو المباح، لكن في حدود ألا يطغى على المقاصد الأصلية، وألا يكون غاية، ولا مانع أيضًا من الألعاب المستحدثة، ما دامت لا تتعارض مع الشريعة، لكن تكون في حدود ما رسمته الشريعة من اللهو المباح، وهذا لا يكون غاية، ولا يجوز أن تتخذ غايات، ولهذا حينما أذن النبي ﷺ بالرمي قال: ﴿ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا﴾ وقال: ﴿علموا أولادكم الرمي وركوب الخيل﴾ لكنه قال في مقام آخر: ﴿ألا إن القوة الرمي﴾ إذًا، المقصود من الرمي هو الاستعداد للحاجة إليه حينما قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] قال: ﴿ألا إن القوة الرمي﴾ إذًا هو وسيلة لغاية إسلامية شريفة.
ومن الشيء الذي يتلهى به، وهو مباح: الصيد، والصيد فيه متعة ورياضة، وفيه كسب مشروع عليكم، فهو مباح في حدود ما أباحته الشريعة، سواءٌ كان بآلة كنبل أو رمح أو حتى ببندقية من الأشياء المستحدثة أو عن طريق الجوارح كالكلاب والصقور ونحوها، فهذا أيضًا مباح كما هو معلوم.
فهذه أمور يمكن أن تكون وسيلة لتغطية الفراغ في حدود ما رسمته الشريعة، واستغلالًا للقوى وللصحة، ويبدأ بالأهم فالمهم فما دون ذلك، كما قلنا في أداء العبادات الإسلامية: الفروض العينية ثم الفروض الكفائية ثم الأكثر نفعًا كطلب العلم ونحوه، ويغطي كل ذلك ويشمله الدعوة إلى الله ﷿ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا باب واسع وباب فسيح، منه ما يكون فرض عين، ومنه ما يكون فرض كفاية، ومنه ما يكون دون ذلك، ففروض الأعيان حينما تغير منكرًا في بيتك، وحينما تأمر بالمعروف في بيتك، فأنت المسئول الأول، ولا تنتظر أن يأتي غيرك ليأمرك وينهاهم أو يأمر أهلك وينهاك، والدعوة إلى الله ﷿ باب مفتوح، ووسائلها كثيرة منها: الدعوة باللسان، الدعوة بالقلم، الدعوة بالفعل وبالقدوة الحسنة، وهذا هو أهمها، وهناك وسائل كثيرة.
كل ذلك مما يشغل به الفراغ، ومما تستغل فيه قوة البدن وقوة الفكر والصحة العامة، ولا أحب أن أطيل، لأنني أحب أن يكون الحديث مفتوحًا، ولكن هذه أمور أحببت إثارتها من أجل أن نستجمع ما نريد أن نقول، وأسأل الله ﷾ أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه، وأن يبصرنا بأمور ديننا؛ هو ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على خير الخلق نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
9 / 10