Tuhaf
التحف شرح الزلف
فأخبر أنه لو شاء أن يجبرهم بالقهر والقسر لهداهم أجمعين، ولكنه جل وعلا مكنهم من الأمرين، وبين لهم النجدين، وركب فيهم العقول، وأرسل إليهم الرسول، ولو أكرههم لسقطت حكمة التكليف، وبطل مراده، وكانت الحجة عليه لا له على عباده، {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} [الزمر:60]، ثم إنهم في زعمهم ليس لهم على صحة دينهم برهان قاطع، ولا بيان ساطع، يجوزون الكذب الصراح في كل ما أتى به الشارع لقولهم إنه لايقبح منه قبيح، ولنفيهم التحسين والتقبيح بالعقل، موادهم سقيمة، وأشكالهم عقيمة، طرق عادتهم منسدة، وكم قاعدة لهم منهدة، إن لم يفعل الله شيئا لشيء - أيتها الجبرية بزعمكم أنه يلزم الإستكمال تبعا للفلاسفة الملحدين الجهال - فما معنى تعليل نفي الحجة عليه بالإرسال.
وكم آية في الكتاب هم عنها عمون، تنادي بالرد عليهم إن كانوا يعقلون: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات:56]، وقد قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب} [آل عمران:7]، فسمى الله المحكمات أم الكتاب، ترد إليهن المتشابهات، أو المؤولات من الخطاب، أنزلها الله زيادة في التكليف، وتعريضا للابتلاء، ومضاعفة للثواب.
Shafi 465