ولما رأى السير كنث أقرانه يقومون بعمل لا يحسبه إلا الوثنية بعينها، تألم في قلبه وفي نفسه، ولكنه رغم ذلك لم يسعه إلا أن يجل فيهم إخلاصهم وحماستهم هذه، وإن يكن في طريق الضلال. واستحثته حرارة إيمانهم على أن يضرع إلى الله هو ذاته بدعاء أطهر من دعائهم، ولكنه عجب - مع ذلك - من هذا الإحساس الجديد الذي دفع به إلى مشاركة أولئك الأعراب في الصلاة - حتى وإن يكن بابتهال غير ابتهالهم - أولئك الأعراب الذين رأى في صلاتهم إجراما مشينا بالأرض التي قامت فيها عجائب المعجزات، وأشرق فيها نجم الخلاص.
2
هذا الابتهال - الذي تضرع به السير كنث في هذه البيئة الغريبة - كان يتفجر من شعور طبعي خالص بالواجب الديني، وكان له الأثر المعهود في تهدئة الخواطر التي اضطربت طويلا من هذه النكبات التي توالت عليه واحدة إثر الأخرى. وتقرب المسيحي إلى عرش الواحد القهار مخلصا جادا يعلمه خير درس في الصبر تحت الأرزاء، لأنا إن كنا نبرم بحكم الله فنحن إذن نسيء إليه، وإن كنا نسيء إليه فكيف لنا أن نتظاهر بالضراعة إليه؟ أو إن كنا في صلواتنا نقر في كل عبارة بعبث هذه الدار الفانية وهبائها إذا قيست بما في دار الخلود والبقاء، فكيف لنا أن نأمل في خداع علام الغيوب ونسمح للدنيا وللشهوات الدنيوية أن تتملكنا في كل حين، بل وبعد الدعاء الخاشع لله توا؟ ولكن السير كنث لم يكن من هؤلاء؛ فلقد أحس بالراحة والقوة، وشعر بأنه أكثر استعدادا للخنوع أو للقيام بما تتطلبه الظروف من العمل والعناء.
وكان جماعة الأعراب إذ ذاك قد عادت إلى ظهور الجمال، واستأنفت المسير، وواصل حسن القصاص حبل روايته، ولكن سامعيه لم يعودوا - كما كانوا - مصغين منصتين؛ كان أحد الخيالة قد صعد على نشز من الأرض إلى يمين الصف القصير، والآن عاد يهرول مسرعا إلى الحكيم وأخذ يحادثه، وعلى إثر ذلك بعث بأربعة أو خمسة من الفرسان، وشرعت القافلة الصغيرة - وعدتها نحو من عشرين أو ثلاثين رجلا - تتبعهم بالنظرات، كأنهم قوم في شاراتهم أو تقدمهم أو تقهقرهم ما يبشر بالخير أو ينذر بالشر. ولما رأى حسن أن سامعيه غير منصتين، أو قل لما صرفته هو نفسه هذه المظاهر المريبة في جناح القافلة، وقف عن الغناء، وسار الركب في صمت لا يضطرب إلا حينما يحدو البعير الصابر راكب من الركبان، أو حينما يتحدث رجل قلق من أتباع الحكيم إلى جاره في همس خافت وعلى عجل.
وبقوا على هذا الركود حتى أتوا سفح رابية من الرمال أخفت عن قافلتهم ما كان قد حدا بطلائعهم إلى الذعر، واستطاع السير كنث إذ ذاك أن يرى على بعد ميل أو ما ينيف، شيئا أسود يتحرك في قلب الصحراء سريعا، نظر إليه بعين المحنك فأدرك أنه قافلة من الفرسان أوفر من قافلتهم عديدا، وكان الوميض الكثيف المتلاحق الذي يعكس الأشعة الأفقية من الشمس المشرقة يدل على أن تلك الجماعة كانت ثلة من الأوروبيين في كامل عدتهم وسلاحهم.
فألقى فرسان الحكيم على زعيمهم نظرات جازعة قلقة تنم عن خوف في النفوس شديد، أما الحكيم فلبث رزينا رابط الجأش كما كان حينما دعا قومه للصلاة، ثم بعث باثنين من خيار فرسانه الركبان وأمرهما أن يدنوا - ما سمح لهما الحذر - من أولئك المسافرين في الصحراء، وأن يرقبا عديدهم على وجه دقيق، وأن يتعرفا صفاتهم ومراميهم إن استطاعا إلى ذلك سبيلا؛ وهذا الخطر - أو شبه الخطر - كان وهو يقبل على القافلة حافزا يحث كل غافل، فتنبه السير كنث إلى نفسه وإلى موقفه.
وقال للحكيم: «ما إخال أولئك الرجال إلا فرسانا مسيحيين، فإن كانوا كذلك، فمم أنت خائف؟»
فرد عليه الحكيم قائلا: «خائف!» مرددا لفظ السير كنث باستخفاف وازدراء، ثم قال: «إن الحكيم لا يخشى غير الله، ولكنه أبدا يرتقب من أشرار الرجال أسوأ ما يفعلون.»
فقال السير كنث: «إنهم مسيحيون، ونحن في وقت الهدنة، فلماذا تخشى الحنث في العهود؟»
فقال الحكيم: «هم جنود المعبد من القساوسة الذين تحظر عليهم عهودهم أن يعرفوا مهادنة المسلمين أو الثقة فيهم؛ أصبهم بالوباء يا رسول الله جذورا وفروعا وأغصانا! سلمهم حرب، وعهودهم بهتان وزور. إن غيرهم من غزاة فلسطين لهم فترات وأحوال تشرب فيها قلوبهم بالشفقة والرحمة؛ فرتشارد الأسد إذا ظفر عفا، والنسر فيليب يخفض جناحه إذا أصاب الفريسة، وحتى دب النمسا إذا امتلأت بطنه أوى إلى النوم، ولكن هذه العشيرة من الذئاب الجياع لا تعرف السكون ولا الشبع فيما تسلب وتغتصب؛ أما ترى أنهم قد فصلوا عددا من جماعتهم، وأنهم يسيرون شرقا؟ هنالك ترى غلمانهم وأتباعهم الذين ينشئونهم على مبادئهم الخفية اللعينة، والذين بعثوا بهم - لخفتهم - كي يحولوا بيننا وبين الماء، ولكن والله ليبوءن بالخيبة والفشل؛ أنا أعلم منهم بحرب الصحراء.»
Shafi da ba'a sani ba