Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
تبين من بكى ممن تباكى
{ أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } [الأنعام: 93]؛ يعني: والذي نزل نفسه منزلة المحدثين وأهل الإشارة، ولم يلق إلى أسرارهم خصائص الكتاب، ولم تلهم نفوسهم بها { ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله } [الأنعام: 93]، يشير إلى المتشدقين والمتفيهقين في الكلام الذين يدعون أنهم يتكلمون بمثل ما أنزل الله من الحقائق والأسرار على قلوب عباده الواصلين الكاملين.
{ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } [الأنعام: 93]، إشارة إلى أن غاية الظالم هي الافتراء على الله، والذي يظلم نفسه بالافتراء بأن ينزلها منزلة غيرها، ويضع ادعاء الوحي في غير موضعها، يظهر مضرة ظلمته وافترائه عند سكرات الموت وافترائهم عند انقطاع تعلق الروح عن البدن، وإخراج النفس من القالب كرها لتعلقها بشهوات الدنيا ولذاتها وحرمانها من لذات الحقائق الغيبية والشهوات الأخروية؛ إذ الملائكة يبسطون أيديهم بالقهر إليهم لنزع أنفسهم بالهوان والشدة وهي متعلقة بحسب الافتراء والكذب واستحلاء رفعة المنزلة عند الخلق وطلب الرئاسة بأصناف المخلوقات فتكون شدة النزع والهوان بقدر تعلقها بها، كما قال: { اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } [الأنعام: 93]؛ يعنى: آياته المودعة في أنفسكم تعرضون عنها وتراؤون بما ليس لكم، ولعل تعلق النفس يتقطع عن البدن بيوم أو يومين أو ثلاثة أيام وتعلقها عن أوصاف المخلوقات لا ينقطع بالسنين، ولعله إلى الحشر والكفار إلى الأبد وهم في عذاب النزع بالشدة أبدا وهو العذاب الأليم والعذاب الشديد، ومن نتائج هذه الحالة عذاب القبر فافهم جيدا.
[6.94]
ثم أخبر عن مجيئهم وقال تعالى: { ولقد جئتمونا فردى } [الأنعام: 94]، الإشارة فيها أن المجيء إلى الله تعالى يكون بالتجريد، ثم بالتفريد ثم بالتوحيد، فالتجريد: هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق بها، والتفريد: هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعا إلى الله تعالى خاليا عن التعلق بهما كما كان في بدء الخلقة روحا مجردا عن تعلقات الكونين كقوله تعالى: { ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة } [الأنعام: 94]؛ يعني: أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب، فإنه خلقه ثانيا، كما قال تعالى:
خلقا آخر
[المؤمنون: 14]، وقال تعالى:
ولقد خلقناكم ثم صورناكم
[الأعراف: 11]، فللعبد في السير إلى الله تعالى كسب وسعي بالتجريد والتفريد عن الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم } [الأنعام: 94]، يعني: عن تعلق الكونين، { وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء } [الأنعام: 94]، يعني: الأعمال والأحوال التي ظننتم أنها توصلكم إلى الله، { لقد تقطع بينكم } [الأنعام: 94]، وبينها عند انتهاء سيركم.
{ وضل عنكم ما كنتم تزعمون } [الأنعام: 94]، إنه يوصلكم إلى الله تعالى، فلما وصل العبد إلى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى سير جبريل عليه السلام ليلة المعراج عند سدرة المنتهى - وهي منتهى سير السائرين من الملك والأنس - والتوحيد هو التوحد، لفيض الوحدانية عن التجلي بالصفات الوحدانية؛ ليوصل العبد بجذبة:
Shafi da ba'a sani ba