Tawilat
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
" موتوا قبل أن تموتوا "
، كانت إلى هذه الحقيقة { كذبت قبلهم قوم نوح } [القمر: 9]؛ يعني: القوى القالبية والنفسية كذبت اللطيفة النفسية المستخلصة عن الكدورات المطهرة عن القاذورات، المرسلة بالآيات البينات، { فكذبوا عبدنا } [القمر: 9]؛ يعني: تلك القوى كذبوا اللطيفة المأمورة المطهرة النفسية بما بلغت إليهم من الآيات البينات الأنفسية في بداية السلوك، { وقالوا مجنون وازدجر } [القمر: 9]؛ يعني: ازدجر بين عشيرته القريبة؛ وهي القوى النفسية، فصار مجنونا، وشاهدت هذا الحال في بداية أمري؛ إذ نسبني إلى الجنون والدي وعمي وجميع أقربائي وأحبائي، فلما اشتغلت بالذكر الخفي القوي ظهرت لي في الليلة الأولى شرارات نيران منورة من صدري حتى لحقت بالسماء، فلما فتحت العين وأبصرتها معاينة قلت في نفسي: إن الذين يقولون في حقي صدق، ما هذه المعاينة للشرارات في ظلمة الليل في جوف البيت المظلم إلا من فساد جذب في الدماغ؟ والقوى المكذبة النفسية يخوفوني ويمنعونني عن الذكر، والقوى الشيطانية يشككونني في مشاهدة الآية البينة وقلبي كان غير ملتفت إلى أقوالهم، مشتغلا بالذكر حتى طلع الصبح، فلما خرجت من البيت ودخلت المسجد لصلاة الجماعة ظهر فوق سجادتي وعن يميني، وعن قبلتي كواكب درية لا تحصى، فخفت عنها في الظاهر وأنست بها في الباطن، والقوى المشكلة الشيطانية والقوى المكذبة النفسية أيضا يشوشونني ويأمرونني بترك الذكر، وأنا روعان من ألسن الناس أن أقفوه بما أشهده وأعاينه، وهذه المشاهدة حصلت لي أول ليلة اشتغالي بالذكر الخفي القوي، على وفق مذهب مشايخنا - قدس الله أرواحهم - وكنت قبل هذه الليلة مشتغلا بكثرة الأوراد المأثورة، والأذكار اللسانية من أنواع التسبيحات والتهليلات، والتكبيرات والتحميدات، والصلاة والسلام، وكثرة الركعات والسجدات في الصلاة، وبالمجاهدات والرياضات، على وفق ما يعجبني مما حكي من المشايخ المتقدمة، ففي هذه الآية أخذت هذا الذكر القوي الخفي بشرط النفي والإثبات من أخ لي في الدين - رحمه الله - وكان من مريدي شيخنا - أطال الله بقاءه - فلما اشتغلت بالذكر ظهرت لي هذه الحالات، وما قلت له معه لخوفي عما يقولون، فلما ظننت الإشراق وظهرت لي الكواكب الدرية، بحيث لا يحصى عددها ولا يوصف ضياؤها، قلت مع أخي شرف الدين: هذه الأقوال، فاستبشر وتبسم وقال: الحمد الله الذي هداك إلى هذه المشاهدة الغيبية والآيات الأنفسية، وإنا قد سلكنا سنة واحدة في حرم بيت الله الحرام، فبعد ذلك حصلت لنا هذه الشرارات على جبل عرفات، فأحسن الله إليك ووفقك لمشاهدة هذه الآيات في مدة قريبة، فالواجب عليك القيام بشكر الحق، والقيام بشكره هو أن تعتزل الناس وتشتغل بهذا الذكر على هذه الشريطة، فيفتح عليك باب القلب إن شاء الله تعالى، فاسترحت من القوى المكذبة والمتفككة.
واشتغلت بعد ذلك بالذكر، واخترت العزلة والخلوة سنتين متتابعتين حتى جلت بعد هذه المدة في خلق الأربعين الموسوية، وفتح الله بلفظ على قلبي ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وسلكت الطريق على الترتيب من العبور على قوى القالبية على وفق دعوة اللطيفة الآدمية، ثم على القوى النفسية على وفق دعوة اللطيفة النوحية، ثم على القوى القلبية على وفق اللطيفة الإبراهيمية، ثم على القوى السرية على وفق دعوة اللطيفة الموسوية، ثم على القوى الروحية على وفق دعوة اللطيفة الداودية، ثم على القوى الخفية على وفق دعوة اللطيفة العيسوية، ثم على القوة الخفية المودعة في جميع القوى على وفق دعوة اللطيفة الخفية، وهي الدعوة المحمدية، دعا الناس بها صلى الله عليه وسلم وسمعت من جميع القوى من التكذيب والتشكيك في أمر اللطائف وإنكارهم دعوتهم وكفرهم بربهم ما لا يمكن كتابة عشر عشره في المجلدات.
ومقصودي من كتابة هذه الحالة الواحدة التي تظهر في البداية للسالك؛ هو أن يعلم الرجل المطالع هذا الكتاب المسمى ب " نجم القرآن "؛ وهو المزيل للتفسير النجمي الذي كتبه الموفق نجم الدين داية الأسدي الرازي - شكر الله سعيه - من أول القرآن إلى سورة النجم، فلما وصل إلى سورة النجم قال: يكون عجب أن يأذن الله لي في الشروع في النجم وإتمامه، فإذا وصل إلى النجم وشرع ومرض وعرج بنجمه المنير من أرض البشرية إلى سماء الربوبية وألهمنا الله تعالى إتمام تفسيره، والتفسير المكتوب بخطه الشريف تسع مجلدات، وهذا المزيل مجلد واحد؛ ليكون معشرة كاملة خفية، ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:
" إن للقرآن ظهرا وبطنا... "
، ويؤمن ببطنه كما آمن بظهره، ولا يشك فيما أشرنا إلى تكذيب القوى للآيات الأنفسية وإنكارهم اللطائف المرسلة وآياتهم الخفية ؛ لئلا يشقى عند مطالعة هذا الكتاب بإنكاره الآيات البينات التي شاهدها كاتبها مرارا، غير معدودة من بداية اشتغاله بالسلوك إلى هذا الوقت الذي ألهم كتابة هذه الآيات ومقدار زمان اشتغاله بالذكر، هذا الذي وصفته لك، فقس بواقي الآيات عليها؛ لأن الخبير يقنعه القليل من الكثير، ولا يزيد للبليد إظهار الآيات إلا الإنكار بالتقليد.
[54.10-18]
{ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر } [القمر: 10]؛ يعني اللطيفة النفسية دعت ربه: إني مغلوب من غلبة القوى المكذبة والمنكرة، فانصرني بالوارد القهري، { ففتحنآ أبواب السمآء } [القمر: 11] الصدر { بماء منهمر } [القمر: 11] بماء الوارد القهري منصبا على أرض البشرية، { وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر } [القمر: 12]؛ يعني: غلب ماء سماء الصدر على ماء عنصرية أرض البشرية { على أمر قد قدر } [القمر: 12] على حد قدرناه وأمرناه { وحملناه على ذات ألواح ودسر } [القمر: 13]؛ يعني: حملنا اللطيفة النوحية على سفينة شريعتها، التي هي ذات ألواح سرية ودسر خفية؛ والدسر المسامير، { تجري بأعيننا } [القمر: 14]؛ أي: بحفظنا ومراء منا على وجه الماء، وأغرقنا القوى المكذبة المنكرة لآياتنا في ماء الوارد الظاهر { جزآء لمن كان كفر } [القمر: 14]، وهو الاستعداد المخصوص بالنفس كفر باللطيفة النفسية، النفس قدر جوهرها،؛ وهي نعمة من الله تعالى كفر بها وبآياتنا وكذب اللطيفة المرسلة.
{ ولقد تركناها آية } [القمر: 15]؛ يعني: هذه الحالة تركناها في النفوس علامة بعينه للسالكين طريقتنا، { فهل من مدكر } [القمر: 15]؛ أي: متعظ متذكر في نفسه بأن هذه الحالة كيف وقعت لي؟ وما معنى هذه الواقعة، وكنت في بداية وصولي إلى هذه الواقعة؟
حكيت لأحد من خلاني: إني رأيت اليوم واقعة مثل واقعة نوح عليه السلام، ورأيت أيضا قيام القيامة، فضحك وقال: القيامة الموعودة المستقبلة، والواقعة النوحية الماضية كيف يجتمعان في حالة واحدة؟ فلما تفرست منه قلة علمه بالطريق وإنكاره للآية سكت، وقلت في نفسي: كما يقول: أين المدكر { فكيف كان عذابي ونذر } [القمر: 16]؛ يعني: أين من يتذكر كيفية العذاب الواقع؟ ويتفكر في إنزال النذر والمواعظ ويتعظ به.
Shafi da ba'a sani ba