Tasirin Lotus
تأثير اللوتس: رواية عن جزيئات النانو في أبحاث الطب الحيوي
Nau'ikan
شكر وتقدير
مقدمة
الجزء الأول
1 - بين الغيوم
2 - روابط تاريخية
3 - أكاذيب بيضاء
4 - نانوسنيف
5 - المذكرات
6 - يوم الاثنين، يوم الاثنين
7 - كلمة المرور
Shafi da ba'a sani ba
8 - تحريات ليلية
9 - قطة سوداء
10 - حذف البيانات
11 - بعيدا عن المدينة القديمة
12 - الانفجار
13 - في كون العالم براون
14 - ارتباك على سطح الواجهة
15 - الهدية
16 - كايبيرينها في تمام التاسعة
17 - ممرات مختبئة
Shafi da ba'a sani ba
18 - محاكاة بالكمبيوتر
19 - تأثير اللوتس
الجزء الثاني
20 - الشاهد
21 - أخبار من وراء البحار
22 - الدردشة
23 - القائمة
24 - الزر الأحمر
25 - فلفل وبسكويت الحظ
26 - المكاشفة
Shafi da ba'a sani ba
27 - هواء ثلجي
28 - ندفات الثلج الأولى
29 - الطرد الهش
30 - الفرضية
31 - شوكولاتة قديمة
32 - جزيء عظيم الشأن
33 - خزف مايسن
34 - التجميع الذاتي
35 - ارقدي في سلام
36 - سهل التنظيف
Shafi da ba'a sani ba
37 - في غياهب السجن
38 - ذخيرة ذاتية التحلل
39 - نجمة وألعاب نارية
40 - نخب العام الجديد
41 - حمى الصيد
42 - عد القطط في زنجبار
43 - إحباط
44 - شعاب داروين المرجانية
45 - حيلة معبأة
46 - فرملة الطوارئ
Shafi da ba'a sani ba
47 - محللون وقارئة الفنجان
48 - وصية بلاوبارت
49 - بضاعة مهربة
ثبت المصطلحات
شكر وتقدير
مقدمة
الجزء الأول
1 - بين الغيوم
2 - روابط تاريخية
3 - أكاذيب بيضاء
Shafi da ba'a sani ba
4 - نانوسنيف
5 - المذكرات
6 - يوم الاثنين، يوم الاثنين
7 - كلمة المرور
8 - تحريات ليلية
9 - قطة سوداء
10 - حذف البيانات
11 - بعيدا عن المدينة القديمة
12 - الانفجار
13 - في كون العالم براون
Shafi da ba'a sani ba
14 - ارتباك على سطح الواجهة
15 - الهدية
16 - كايبيرينها في تمام التاسعة
17 - ممرات مختبئة
18 - محاكاة بالكمبيوتر
19 - تأثير اللوتس
الجزء الثاني
20 - الشاهد
21 - أخبار من وراء البحار
22 - الدردشة
Shafi da ba'a sani ba
23 - القائمة
24 - الزر الأحمر
25 - فلفل وبسكويت الحظ
26 - المكاشفة
27 - هواء ثلجي
28 - ندفات الثلج الأولى
29 - الطرد الهش
30 - الفرضية
31 - شوكولاتة قديمة
32 - جزيء عظيم الشأن
Shafi da ba'a sani ba
33 - خزف مايسن
34 - التجميع الذاتي
35 - ارقدي في سلام
36 - سهل التنظيف
37 - في غياهب السجن
38 - ذخيرة ذاتية التحلل
39 - نجمة وألعاب نارية
40 - نخب العام الجديد
41 - حمى الصيد
42 - عد القطط في زنجبار
Shafi da ba'a sani ba
43 - إحباط
44 - شعاب داروين المرجانية
45 - حيلة معبأة
46 - فرملة الطوارئ
47 - محللون وقارئة الفنجان
48 - وصية بلاوبارت
49 - بضاعة مهربة
ثبت المصطلحات
تأثير اللوتس
تأثير اللوتس
Shafi da ba'a sani ba
رواية عن جزيئات
النانو في أبحاث الطب الحيوي
تأليف
أنتونيا فيرينباخ
ترجمة
نيرمين الشرقاوي
شكر وتقدير
أتوجه بالشكر إلى زوجي هاينز فيرينباخ وإلى كل الأصدقاء والمعارف الذين دعموني في أثناء العمل على هذه الرواية. كما أخص بالشكر مراجعي وناشري أكسيل ديلمان الذي لم يتوان في بذل الجهد لإخراج هذا العمل على هذا النحو الذي هو عليه الآن. وأتوجه بالشكر إلى السيدة فيه براونزدورف لتدقيقها ثبت المصطلحات، وكذلك أنجيليكا جرازر ورودولف يوريز لصبرهما على قراءة مسودة العمل وتقديمهما المشورة التخصصية اللازمة، وملحوظاتهما الذكية التي قوت من عزيمتي. أشكر أيضا نافينا دامكيه، وماركوس أيكمان، وأولي كولر، وتيلو كوركيل، وميشائيل كراوزه، وبيتر ريكسين، وهولجر شولتس، وجريجور تسيمرمان على مناقشاتهم الثرية ونصائحهم ومعلوماتهم، وكذلك فيلهلم فارن إيكه على دورة الفلسفة المكثفة السريعة، وزيجفريد فيلهلم المندوب الصحفي لمصلحة البوليس الجنائي بمقاطعة هيسن، لما زودني به من معلومات خاصة بعلم حركة المقذوفات، وكريستيانيه بيتيرز لأنها صاحبتني في جولاتي عبر تاريخ مدينة ماربورج.
إن تأليف كتاب يشبه بناء مبنى. في البدء تكون الفكرة، ثم تتكون الخطة. والثبات - أو فلنقل السكون الاستاتيكي - يعد من أهم العوامل التي تؤمن عملية العبور من المراحل الحالية للمراحل التالية بمزيد من الثقة؛ لذا فقد شكلت دورة الكتابة التي حضرتها لدى راينر شيلدبيرجر عام 2006، وكذلك اللقاءات العديدة مع «سيدات الرسائل في ماربورج» أهمية كبرى في مرحلة التكوين الأولى، وحين حضرت في شهر يونيو من عام 2007 دورة في «أخلاقيات استخدام النانو في المجالات الحيوية»، كنت قد وصلت إلى مرحلة تأثيث المبنى، وحصلت على أفكار جيدة ساعدتني في التصميم الداخلي؛ ولذا أشكر كل المشاركات والمشاركين في هذه الدورة. وأخيرا وليس آخرا أتوجه بالشكر لأستاذتي مارليزه بفايل وأندريا زالباخ لما قدمتاه لي من نصح وإرشاد، وكذلك صاحب المرج الذي لا أعرف اسمه؛ لأنه لم يطردنا من أرضه قط.
«كلما أمعن الإنسان في السير وفق الخطة المرسومة، تزايدت فرصه في ملاقاة الصدفة.»
Shafi da ba'a sani ba
فريدريش دورينمات، الفيزيائيون
تقديم
بقلم مصطفى ماهر
تعود بي الذاكرة عندما أتهيأ لكتابة هذه المقدمة إلى عام 2003، حيث أرسلت إلي أخبار الأدب الغراء كلمة عن نيرمين الشرقاوي، أرفقت هي بها ترجمة مختارات من شعر هاينريش هاينه. وقد سعدت بإعجاب جمال الغيطاني بها؛ ربما لأنني وصفت المادة المترجمة بأنها جزء من نسيجي الثقافي، وتمنيت أن تتاح لنيرمين الشرقاوي فرصة متعاظمة لإظهار موهبتها في هذه النوعية الصعبة من الترجمة التي ربما حلا للبعض أن يسميها ترجمة أدبية، أو ترجمة شعرية، أو ما إلى ذلك. وكنت قد وصفت هذا النوع من التعامل بين مترجم أديب شاعر ومؤلف أديب شاعر وأطلقت على هذه النوعية من العمل الترجمي اسم «التفاعل الترجمي»؛ وأحببت جدا أن تظهر براعة المترجمة في مواجهة براعة هاينريش هاينه، وهو من هو. وحتى لا يطول بي الاستطراد في هذه النقطة يكفيني الإحساس بأنني في الترجمة التي طلب مني كتابة مقدمة لها، «تأثير اللوتس»، وجدت فيها أمورا كثيرة جديرة بالإشادة، أو لنقل بكل بساطة: جديرة بأن نلقي عليها الضوء ونتحاور معها حوارا من حقه أن يطول. •••
والرواية التي بين أيدينا رواية صعبة، محيرة، مستفزة، وبهذه الصفات تستحق أن نقلب أوراقها عدة مرات ونضعها تحت أجهزة الفحص الحديثة التي قد يبتكرها العلماء ذات يوم، فنرى الغامض كما نرى الظاهر. ومن الممكن أن ننظر بداية إلى حجم هذه الرواية، ونؤجل النظر في العنوان واحتمالاته، فنجد أن الرواية تعتبر حجما من النوع الضخم. وكان أساتذة مبرزون في النقد الأدبي قد طرحوا على موائد البحث أن الأدب القصصي ستنكمش أنواعه الضخمة مفسحة المجال للأنواع المقتضبة أو القصيرة. وتساءل البعض بحق: من الذي يستطيع في أيامنا هذه أن يقرأ روايات كتبت في مئات الصفحات؟ وربما تذكر البعض محاولة اختصار الروايات المطولة حتى يستطيع القارئ المتعجل المعاصر أن يعكف عليها ويستخرج منها ما يمتعه. ولكن الذي حدث أن كتاب الرواية الأدبية لم يشغل بالهم - على ما يبدو - تفضيل الاقتضاب على التوسع، وكنت قد أشرت إلى هذه القضية تفصيلا في كتابي «ألوان من الأدب الألماني الحديث» الذي قدمت فيه - كما يظهر من عنوانه - باقة من الأدب الألماني الحديث تمثل تياراته المختلفة منذ عام 1947 إلى مطلع السبعينيات، وأعاد المركز القومي للترجمة إصداره في طبعة ثانية في سلسلة ميراث الترجمة عام 2009.
والخلاصة أن الكتاب الذين حلا لهم أن يكتبوا مطولات كتبوا مطولات ولم يخطر ببالهم أن يقتضبوها، والأدباء الذين فضلوا أن يكتبوا أنماطا مقتضبة كتبوا هذه الأنماط المقتضبة. والمبدع - كما هو معروف - حر في نفسه وفيما يفعل. بل إن هذه القضية تجرنا إلى قضية الأنواع الأدبية؛ ففي وقت من أوقات تاريخ الأدب الإنساني - على تنوع اللغات - كان المعلمون الأفاضل يحبون تبسيط الموضوعات لتلاميذهم فيتحدثون عن نوع مسرحي، ونوع قصصي، ونوع شعري، ونوع أضيف فيما بعد ينشغل بنقد الأنواع الإبداعية. ثم ظهرت محاولات في مجال الرواية - بمعنى القصة الطويلة - انطبعت بطابع التحديد المتعسف فتكون رواية غرامية، أو رواية سياسية ... إلخ. وربما فكر المنظمون في تمييز الرواية التي تكتبها المرأة وتلك التي يكتبها الرجل. ولكن كل هذه المحاولات المقتضبة لم تؤد في حقيقة الأمر إلا إلى إطالة سلسلة التنوع في القوالب الشكلية لهذا الفن القصصي، مع الأخذ في الاعتبار أن بعض هذه المحاولات لا تقتضي أن تكون الرواية القصصية بالضرورة رواية قصصية، فقد تكون رواية لا قصصية أو تكون لا رواية. ويظهر من هذا كله التوسع الموسوعي في الأنواع الذي من الشطط أن نسميه مبالغة. فعالم الإبداع لا يمكن أن يكون عالم إبداع إلا بلا حدود.
وفي خضم التنوع المتزايد في الأنواع الأدبية التي يهمنا منها في هذا المقام أن الرواية القصصية لم يكن لها وجود في بدايات الأدب الألماني - على سبيل المثال - أو الأدب الفرنسي، أو الإنجليزي. والغريب أن أول كلمة استخدمت لوصفها هي
roman
التي عرفت في الفرنسية، وأحبها الألمان، ولم يرتح إليها الإنجليز. لكن تظل محاولة إضفاء صفة المواطنة الحقيقية على
Roman
Shafi da ba'a sani ba
في الأدب الألماني محاولة مهزوزة؛ فالألمان ليسوا حساسين لأي تفرقة في هذا المجال، فلتكن الرواية
Roman
أو لتكن كتابا
Buch . ويبدو أن الشيء الهام بالنسبة للمبدعين هو ألا يفقد الإبداع إبداعيته، بمعنى ألا يسير في دروب أو مدقات مطروقة إلا إذا كانت قابلة للتفرع والتقلب.
وقد حظيت بعض القوالب القصصية بإعجاب من النوع الذي يسمونه «جماهيريا»، ويلفت نظري من بينها القالب المعروف باسم الرواية البوليسية. ويلفت نظري هذا القالب لأنه تلون بما لا يتصوره العقل من ألوان، ودخل في التاريخ والجغرافيا والعلوم الفلسفية والإنسانية، وأصبح مجالا كبيرا من مجالات الإبداع. ونقطة الانطلاق الشكلية فيه (الخميرة) هي أن هناك شيئا يحدث، وأن هذا الذي يحدث يسأل عنه بعض الناس؛ يسألون بمعنى المسئولية. وتدور في خطوط الأسئلة احتمالات مختلفة. وكلما ظهر بين الناس في البلاد المختلفة والأزمنة المختلفة شيء يتسم بغرابة فلا بأس من خلطه بالرواية البوليسية.
ليست هذه التصورات غريبة بالنسبة للرواية التي بين أيدينا، وفي قراءتي لترجمتها لا أقول إن المترجمة حملت عبئا ثقيلا، بل كثيرا من الأعباء. فأولا: الرواية تتصورها المؤلفة أنتونيا فيرينباخ في صورة عمل علمي بالأساس. فالعنوان الذي اختارته الأديبة يجرنا إلى عالم اللوتس، أو إذا شئنا الحقيقة: عوالم اللوتس وتقلباتها الجغرافية والثقافية والإنسانولوجية. فكلمة اللوتس نفسها كلمة تظهر في سياقات كثيرة، بعضها واضح، وبعضها غامض، وبعضها يثير التساؤلات. والأديبة نفسها تصنف روايتها على أنها عن النانو، وهو مصطلح من مصطلحات العلوم القائمة على القياس المتناهي للجزيئات في مجالات البحث الطبية الأحيائية.
إذن هي رواية علمية؛ فالأديبة نفسها فيما ذكر من قصة حياتها ليست من خريجي أقسام الأدب، وليست من المنضمات إلى المجتمعات الأدبية راضية أو ثائرة، ولكنها درست علم الأحياء في جامعات مختلفة، بل إن دراستها ظلت تتقلب بها في مجالات مختلفة مثل الأحياء البحرية والإعلام والصحافة، ناهيك عن التخصص في علوم الحيوان. وفي كل هذه التوجهات كان لها بصماتها التي ظهرت في مجالات كثيرة. ناهيك عن حرص أنتونيا فيرينباخ على التأكيد على أنها حاصلة على الدكتوراه من أهم المراكز البحثية في ألمانيا. ثم إن لديها رغبة كبيرة في تغيير المكان، وفي عرض الموضوع الروائي (اللاروائي) القصصي (اللاقصصي) على مدى 49 فصلا مضافا إليها إضافات شارحة تقربها إلى عالم البحوث العلمية. •••
يشد الانتباه إذن أن رواية أنتونيا فيرينباخ تجمع بشكل صارم بين الأدب والعلم. الأدب بالمعنى المألوف؛ أي الظاهرة الأدبية المنتمية إلى علوم الجماليات، أما العلم فالمقصود به العلوم التي تختص بها المعامل والنظريات العلمية فيما يسميه الألمان
Naturwissenschaften ؛ أي العلوم الطبيعية. وهي ليست خاصة بالطبيعة فحسب، لكنها قريبة الشبه بها مثل الرياضيات والفلك، كما تشمل الفيزياء والكيمياء وما تطورت إليه هذه العلوم فيما بعد. وهذه الظاهرة - الجمع بين الصفة الأدبية والصفة العلمية - لها أهمية خاصة في نظرنا؛ لأن كثيرا من النقاد حين يتحدثون عن برامج الترجمة التي توجه إلى القارئ العادي يلاحظون أن هذه البرامج تركز على الروايات وما في حكمها، بحيث إن النقاد ينتهون إلى أن الغلبة دائما للأدب وما في حكمه. وهذا شيء يمكن التأكد منه بمجرد النظر إلى قائمة مثل قائمة الكتب المترجمة الصادرة عن المركز القومي للترجمة أو الهيئة المصرية القومية للكتاب، بما يصور أن الأدب هو المقوم الأساس للثقافة. إلا أن العمل الذي بين أيدينا يمثل نموذجا مغايرا. فهو - كما تذكر المؤلفة - عمل مختص بأمور علمية توضع لها برامج بحثية في معامل علمية متخصصة، وتنشر عنه بحوث في المجلات العلمية المتخصصة؛ أي إن الموضوع يدور في قالب علمي بحثي. لكننا لا نريد أن نطرق هذه النقطة دون أن ندخلها في مكانها من الرواية البوليسية. فما يجري في المؤسسات البحثية وما يقوم به الباحثون من دراسات علمية واضح في الرواية أنه قد يكتنفه التزوير وما يعرف بالسرقات العلمية. والأحكام والتقارير التي يكتبها المتخصصون لإبراز أهمية علمية لبحث ما قد تكون مفتعلة أو متكلفة أو في غير موضعها، فتكاد تكون الرواية من أولها لآخرها هدفها البحث عن هذا العمل «العلمي» وكيف يتم إنجازه وإخراجه في مجلات علمية مشهود لها بالدقة وما إلى ذلك؛ فإذا بنا نجد أن الموضوع يكثر فيه الكذب والاختلاق والتمويه وإلباس الحقائق والوقائع لباس الأحداث الإجرامية التي تهتم بها الروايات البوليسية بصفة خاصة. فيكاد يكون قارئ هذه الرواية مهتما باكتشاف من هو صاحب الادعاء ومن هو صاحب الفكرة المكذوبة ومن يلعب بالألفاظ ومن يحاول استخدام تعبيرات مضللة ومن يستغل لغة الكمبيوتر وما إليها بهدف واضح جدا؛ هو التضليل. •••
وما دمنا نتحدث عن التضليل فهناك جانب آخر نلقاه في مواضع كثيرة من الكتاب؛ وهو اهتمام أصحاب المشروعات العلمية بالمكاسب المادية والتفكير في كيفية افتعال مشروع علمي أو التشدق بإمكانية حدوث تطورات علمية لا وجود لها بقصد جذب شركات الدعاية والتأمين، لتتحول العملية إلى تحقيق منافع مادية تغلب على المتوقع من البحوث العلمية الرصينة. ويبدو أن الكاتبة لا تخفي نيتها؛ وهي إلقاء الضوء على ما يجري من جرائم في عالم البحث العلمي بكل مكوناته. وبطبيعة الحال فإن الشخصيات الكثيرة التي ترد في الرواية من الصعب تحديد هويتها من حيث الصدق والكذب. لسنا على بينة من الصورة الحقيقية للرجال والنساء الذين يدور عنهم الحديث ويشاركون في العمل العلمي من مناقشات تبطن ما لا تظهر. فهناك ما يمكن أن نسميه رغبة قوية في النقد العنيف لما يمكن أن نسميه سوء الخلق في هذا العالم البحثي العظيم الذي يتصور الناس أنه أبعد ما يكون عن سوء الخلق. وبهذا دفعت الكاتبة هذا العمل الأدبي في صورته المبتكرة التي بين أيدينا إلى مجال الأخلاقيات وتراثها، وكيف يمكن أن تتقلب وتتغير وتعبر عن أشياء إيجابية وسلبية في نفس الوقت في إطار لغة الألغاز والتعبير بالرموز المستغلقة أو الصعبة. ومن ذلك الحديث عن اللوتس، ومعنى اللوتس في الثقافة المصرية وثقافة الصين؛ فنجد لفظة اللوتس تدور بنا دورات صعبة مليئة بالألغاز والغوامض التي تحتاج إلى جهود خاصة للخروج بمعلومات عن قيمة هذه العناصر الفكرية أو الأخلاقية الخفية وإظهارها على الواقع. وهذا النوع من الروايات التي ينشغل فيها مؤلفها الغربي بالعناصر الشرقية الصينية والهندية معروف في الأدب الألماني، نذكر منه على سبيل المثال اهتمام الأديب الشهير الحائز على جائزة نوبل في الأدب هيرمان هيسه. ويمكن مراجعة ذلك في رواية «لعبة الكريات الزجاجية» التي قمت بترجمتها والتقديم لها.
Shafi da ba'a sani ba
وبالعودة إلى روايتنا «تأثير اللوتس»، نجد أننا كلما أعدنا النظر والتأمل فيها، أدركنا الجهد العسير الذي تحملته المؤلفة، التي يمكن أن نتصور أنها تقف إلى جانب الحق بقدر ما تقف إلى جانب الجمال والخير؛ لأنها كلها أمور مطروحة بشكل الأحاجي والألغاز والفوازير وما إلى ذلك من تراث الغوامض. فالقارئ سيتصور أنه منذ البداية سيجد نفسه في مواجهة موضوع يتعلق باللوتس. ولا غضاضة أن نقول إنه نبات - على الأقل في البداية - إلى أن تظهر المشكلات الأخرى المختلفة المتصلة بهذا الموضوع. وبعد أن نبهنا إلى تنوع القالب القصصي، لا مجال لقارئ مدقق أن يندهش من أن الرواية قريبة في هيكلها من الرواية البوليسية، رغم أن أحداثها تدور في عوالم البحوث العلمية التي سنجدها تتداخل بشدة مع الغش والاحتيال والألاعيب والعلاقات بين الناس. وقد ظهر في هذا العالم المتداخل أن الجزيئات المتناهية الصغر «نانو» من الممكن بتدابير إجرامية دسها إلى حيث تنفذ إلى المخ والجهاز العصبي وتحدث أضرارا بأناس لم يرتكبوا ذنبا. •••
فإذا كان القارئ يحب هذا النوع المتشعب والغني بالإبداع، والخروج عن المألوف دون اعتراف بأنه خروج عن المألوف، فسيجد ضالته في هذه الرواية، كما سيجد حركة بين بلدان مختلفة من أمريكا إلى الصين مرورا بألمانيا حيث يتشعب الخط القصصي الأساسي. وإذا جاز لي أن أوصي، فإني أوصي القارئ أن يجهز نفسه ببعض المعينات الدالة على الأماكن والاتجاهات الجغرافية والأزمنة والخلفيات المرتبطة بعقائد أمم أخرى منها الصين ومصر القديمة والهند؛ ليستعين بها على تتبع الخطوط المتشعبة المتداخلة التي لا تهدف بالضرورة إلى الوضوح، بل تضع القارئ دائما أمام ألغاز تتطلب مناورات مختلفة لحلها. وهذه الخلطة الغريبة من المكونات الإبداعية تجد لها تربة خصبة في قالب الرواية البوليسية المبهمة.
مقدمة
حلقت الطائرة «روكويل برونكو» بنعومة عبر المنحنى، وألقى توني ستامبا نظرة من النافذة المجاورة لكابينته فرأى رايات بيضاء خلفها الضباب تتأرجح مثل أجسام غريبة في الجو الصحو. الأمر أشبه بالمعجزة؛ فقبيل لحظات قليلة أرسل الإشارة، ففتحت صمامات خزان الطائرة لتقذف في السماء حمولتها السائلة على عدة دفعات مركزة فوق الصحراء. والآن يتمدد بساط القطرات تدريجيا في طريقه للهبوط ليغطي الأرض القاحلة.
إنه عمل غير عادي بالنسبة لتوني. فسرعان ما سيختفي هذا الأثر الرطب وكأنه لم يكن قط، فالطبيعة قد غضت طرفها عن حصة تلك البقعة من المياه؛ ذلك أن الهواء في ميسا نيو مكسيكو التي تقع على ارتفاع نحو ألفين وخمسمائة متر عن سطح البحر يتميز بالصفاء والجفاف، والضباب هنا كلمة غريبة، لا تستعمل إلا أثناء التدخل لإطفاء الحرائق صيفا.
حلقت نظرات توني مع نتوءات وتعرجات سلاسل الجبال التي تشبه حارسا سكيرا يشرف على المنتزه القومي الذي يحلق فوقه الآن. ولهذه المنطقة تاريخها؛ إذ كانت «باندلير ناشونال مونيومنت» أرضا مملوكة للهنود الحمر، والصخور ذات المغارات المتشعبة كالمتاهة كانت تمثل ملاذا آمنا للناس والحيوانات، أما اليوم فالمنطقة لا تعدو كونها متحفا مفتوحا في قلب الطبيعة، يحوي بقايا قرية من زمن بويبلو. وكثير من الأماكن التي كانوا يقيمون فيها شعائرهم لا تزال لم تكتشف بعد.
شعر توني بتلك القشعريرة تحت فروة رأسه ثم امتدت إلى رقبته ثم ظهره، فشد قامته. يحدث هذا في كل مرة يحلق فيها بطائرته «روكويل» ويصعد بها إلى عنان السماء فوق تلك الأرض الصخرية، فيغدو فجأة رائدا من الرواد الفاتحين وقائدا للشرطة في وقت واحد. خمسة عشر عاما قضاها في العمل طيارا قائد عمليات هي دائما عمليات إطفاء حرائق، فيتعين عليه إنقاذ الأرواح وحماية المنازل. إن لعمله مغزى ساميا. ورغم ذلك يعتريه تشنج في فكه كلما تذكر حريق الغابة الذي وقع قبل ثلاث سنوات. إدارة المنتزه المجنونة تلك! تمخط توني. لم يكن الشريط الأحمر المتوهج الذي علا سماء لوس ألاموس وقتها شفق الغروب، لم يكن إلا قرارا خاطئا. وتم تسريح كل من يمت بصلة لإدارة المنتزه القومي. حريق تحت السيطرة! يفتعلونه رغم الجفاف. هز توني رأسه، لا، لم يكن الأمر خطأ، بل جرم أخرق وغير مسئول. إنه يتخيل منظر الأشخاص بإدارة المنتزه، وكيف يتصرفون بنفاد صبر، وكيف ينتابهم الضجر ثم يسعون لإشعال غابة دون إعمال ذرة من العقل، فقط تلبية لرغبة رؤسائهم الذين كانوا يريدون أن يشغلوهم بالعمل. لم يحسب أي منهم حساب الرياح التي جعلت النيران المتوهجة تشكل دوامات وارتفعت بها إلى عنان السماء، ثم اتجهت بها غربا. لا يزال توني يرى بعين خياله كيف كانت السماء تمطر شرارا على الخشب الجاف، وكيف توغل الشرر وانتشر في نسيج الخشب، مثله مثل الورم السرطاني الذي يحاكي الخلايا الأصلية ليأتي على كل شيء في النهاية. وهكذا قمنا بعملية الرش. لا تزال الشرارات وألسنة اللهب والأدخنة تملأ السماء، ولا تزال النيران متقدة، ينذر وهجها الأحمر لوس ألاموس شرا. وصل ارتفاع أعمدة اللهب إلى ستين مترا فوق غابات الصنوبر المحيطة بالمدينة إلى كبد السماء. ورائحة الحريق تزكم الأنوف في كل مكان ولا تزال الأدخنة تتصاعد. اشتركت في عمليات إخماد الحريق ست طائرات إطفاء، ظل الجميع يكافحون حتى نال منهم التعب. ولم يجث تنين النيران إلا في اليوم السادس. ورغم أن النار التهمت أكثر من خمسين مبنى، فإنهم تمكنوا من ردها عن الوصول إلى المفاعل النووي في لوس ألاموس. وطرد مدير المنتزه الذي أمر بإشعال الحريق، ولو لم يفعلها المحافظ لربما فقد توني قبضة يده من فرط الضربات التي أراد أن يكيلها له؛ إذ بلغ منه الغضب مبلغه.
حرك تيار خفيف مؤشر الارتفاع في الطائرة. كانت مقدمة الطائرة لا تزال ترتفع، نظر توني إلى السماء الزرقاء في الأعالي وحبس أنفاسه لبرهة. ثم أطلق زفيرا! هذه المرة لم يكن إنذار حريق، بل مجرد تجربة علمية عينته شركة من كاليفورنيا ليقوم بتنفيذها. أما المهمة فمختلفة هذه المرة؛ إذ ليس المطلوب شن الحرب على النيران وإنما محاولة التصالح مع وجه الأرض لإبرائها من جروح الحرائق المشتعلة التي لا تزال تغطي صفحتها؛ إذ قيل له إن المطلوب هو رش مادة تسهم في تخليص التربة من السموم.
منطقة الهدف: رقعة مساحتها 560 هكتارا مربعا ما بين الحد الشمالي للمنتزه ولوس ألاموس. الرؤية واضحة، والمخاطر منعدمة. ذاك هو مكان مخزن الوقود الذي التهمته النيران آنذاك، مخلفة آثارا ضارة على الأرض التي أضحت من يومها غير صالحة للاستخدام.
ينظر في ساعة الكمبيوتر الملحق بمتن الطائرة، تشير إلى الحادية عشرة والنصف. أما التقويم إلى جوارها فيشير إلى يوم الثالث والعشرين من شهر مايو عام 2003. كل شيء يسير وفقا للخطة. من نافذة كابينة الطيار بدأ توني يتابع حافلة سياحية على الطريق الجنوبي رقم أربعة، الذي يمتد من وايت روك متخذا منحنى واسعا يمس الحد الشمالي من المنتزه القومي. ظلت الحافلة تسير وكأنها عربة من عربات الألعاب التي تقاد عن بعد سائرة في طريقها مباشرة نحو الغرب. في هذه الأثناء تأرجحت في الهواء طبقة رقيقة من المادة التي ألقاها هابطة نحو العمق. فلما وصلت إلى الشارع لم يبق منها سوى نفحة من نسيم غامض لفت الحافلة واستقرت أسفلها فمرت الحافلة من فوقها بسلام وأكملت طريقها مبتعدة.
Shafi da ba'a sani ba
الجزء الأول
الفصل الأول
بين الغيوم
ما إن هبطت الطائرة دفعة واحدة حتى استيقظت فاندا من فورها، كانت عقارب ساعتها تشير إلى الرابعة والنصف بالتوقيت المحلي لمدينة شيكاجو. قرأت التاريخ على ميناء الساعة 15 / 4/ 2005 فتيقنت أن يوما بكامله قد مر فعلا منذ بدء سفرها. وبينما كانت الطائرة تتجه صوب صالة الوصول، أخذت صور الأربع والعشرين ساعة المنقضية تتابع في مخيلتها. سماء ساطعة الزرقة تمددت ظهيرة الأمس وقت بداية تحليقها من روتشيستر فوق بحيرة أونتاريو، كان الجو باردا، لكن لحسن الحظ لم تتساقط الثلوج؛ ففي منتصف أبريل لم يكن ذلك ليشكل أمرا نادر الحدوث في تلك المنطقة، ثم الضباب المتكاثف الذي يتخذ شكل جرس ضخم فوق مدينة شيكاجو. في المساء، استقلت من هناك متن الطائرة المتجهة إلى أوروبا، ثم أمريكا، ثم أوروبا. كانت تغير القارات بأسرع مما تغير ثيابها الداخلية. وفجأة بدأت الطائرة تنزلق بين جبال من الغيوم المتكاثفة فوق مدينة فرانكفورت، ثم اخترقت ستارا من قطرات الأمطار المتساقطة، لكنه سرعان ما أسدل وراءها ثانية بمجرد عبورها. لم يكن ثمة مفر، وللمرة الأولى تستشعر حتمية عودتها تسري في بدنها كله. لماذا أنا هنا أصلا؟ ولماذا هذا السؤال الآن تحديدا؟ ألم يكن الأمر جليا؟ بلى. كان علي الرحيل كي تصير المسألة في طي النسيان إلى الأبد. والآن لدي فرصة جديدة.
وصلت الطائرة مهبط الطائرات وتوقفت. أصدرت الأقفال المعدنية لأحزمة الأمان صوت تكتكة فيما كانت الريح تعمل فرشاتها على نوافذ الكابينة، فترسم لوحات خلال زخات المطر. أضاءت السماء بلون رمادي فاتح من بين خطوط الماء الرقيقة. اختلست فاندا النظر إلى ساعة يد جارها التي أشارت عقاربها إلى الثانية عشرة إلا الثلث؛ هبوط حسب الموعد بالضبط.
تبعت فاندا تيار المسافرين في ولوجهم تيه المطار. اضطرت للانتظار مدة أمام سير نقل الأمتعة، فقد كانت حقيبة الظهر خاصتها ضمن آخر مجموعة أمتعة. جرت تجاهها، وحيتها التحية اللائقة بصديق قديم، فقد كانت الشيء الوحيد الذي يستقبلها لدى عودتها إلى الوطن بعد طول غياب. «د. فاندا فالس» مكتوبة بأحرف سميكة على البطاقة الصغيرة الملصقة على الحقيبة، وكذلك العنوان في ماربورج حيث يمكن لها أن تمكث لبضعة أيام. الأمر صدق إذن. لقد عادت.
على السلم الكهربائي الموصل لمحطة القطار علقت حقيبة الظهر على كتفها، بينما أسندت الأخرى الكبيرة بالعرض أمامها حتى لا تنزلق بعيدا. تدافع الناس من خلفها، وشعرت بالحر. كانت ألمانيا ضيقة بحق. أخذت فاندا تقطع الطابق الثاني جيئة وذهابا وهي حائرة بين الخرائط الموضحة لمواعيد قدوم عربات المترو المختلفة. لا توجد لوحة إرشادات إلكترونية تشير إلى وصلات رحلات القطارات البعيدة، وكذلك لا يوجد أولئك الرجال السود في زيهم الموحد الذين سيدلونها على الطريق قائلين بلكنة مميزة: «رحلة سعيدة، سيدتي.» لقد كان الناس يحثون الخطى بجوارها، وقد بدا أنهم يعرفون طريقهم جيدا. كانت تشعر بقوة اندفاعهم تتجاذبها، لكنها قاومت غواية اتباع هذا الزخم، ثم اكتشفت بما هو أقرب للصدفة إشارة لمكان بيع تذاكر القطار.
أصدرت عجلات الحقيبة صوت صلصلة على قرميد الأرضية، بينما المسافة الوعرة تأبى الانتهاء، والضوضاء تكاد تصم الآذان. كان المارة ينظرون إليها فيرمقونها شزرا. مرحبا بكم في ألمانيا. أخيرا وصلت إلى صالة البيع، فإذا بها تجد طابورا من البشر يصطف أمام شباك بيع التذاكر الوحيد، فانخرطت في الطابور وانتظرت دورها. كانت الصالة ضيقة، وتعبق برائحة المعاطف الرطبة والعرق البارد، فما كانت تصلح للتنفس. وبمجرد أن وصلت إلى الشباك ابتاعت تذكرة أول مواصلة إلى ماربورج وحثت الخطو نحو المترو. •••
أشارت لوحة الإعلانات الكبيرة بمحطة فرانكفورت الرئيسية إلى تأخر جميع قطارات المسافات الطويلة القادمة من الجنوب. تدافع الناس للخروج من العربات المزدحمة عن آخرها، وتزاحموا للالتحام بتيار المسافرين المتدفق كأمواج الفيضان المالحة في اندفاعها نحو مصب نهر يرفض أن يعوقه عن هدفه عائق ليتبدد في الأراضي الشاسعة. دافعت فاندا الحشود بمنكبيها لتفسح لنفسها طريقا يوصلها إلى رصيف قطارها. اندهشت من البساطة التي أنجزت بها هذا الأمر بعد عامين من التكيف على نمط الحياة الأمريكية. ولأنها كانت منهكة القوى، تاقت نفسها إلى مكان دافئ تستطيع أن تغمض فيه عينيها وتستسلم لحالة الوهن التي تعتريها. وقفت قاطرة إقليمية مغادرة إلى «ترايسا» في انتظار انضمام سائر العربات فيما تدلى من نافذتها ذراع مكسوة بشعيرات حمراء. «معذرة» قالتها بالإنجليزية ثم انتبهت لهذا الخطأ من فورها. فظهر الرأس الأشعث لسائق القاطرة، ولمعت عيناه الزرقاوان. فكاد لسانها ينطلق مجددا بعبارة إنجليزية لكنها ابتلعتها هذه المرة. «أريد الذهاب إلى ماربورج.» كانت نبرة صوتها أقرب لنداء فتاة صغيرة تستجدي.
فأومأ الرجل برأسه مشجعا إياها: «فقط اركبي يا سيدتي الشابة.»
Shafi da ba'a sani ba
كانت معظم المقاعد في القطار قد شغلت. وكافحت فاندا من أجل المرور عبر قطع الأمتعة التي تسد الممرات، ثم وجدت أخيرا مكانا مجاورا للنافذة في الدور السفلي من العربة الأولى. تركت حقيبتها في الرواق، بينما وضعت حقيبة الظهر على حجرها. وعلى المقعد المقابل لها، لكن بانحراف طفيف، تساقط جسد شاب يلهث بقوة وكأنه يعدو. أسهمت ملابسه الداكنة في إبراز ما به من شحوب، خلع نظارته وأخذ يمسح البخار المتكاثف على عدساتها بقميصه القطني. في تلك الأثناء تلاقت نظراتهما لوهلة. لم يبتسم، فنظرت فاندا إلى الجانب، ثم لمحته بطرف عينيها وهو يشبك ذراعيه أمام صدره ويستدير نحو النافذة. أما هي فتركت رأسها يغوص في حقيبتها. شعرت بثقل أجفانها، وبعينيها تغمضان، فانزلقت بخفة على أوائل موجات النعاس الغائمة. انتبهت من غفوتها إثر دفعة خفيفة. كان القطار قد بدأ التحرك ببطء نحو الشمال متأخرا خمس عشرة دقيقة عن موعده.
لمحت من نافذتها محلا تقليديا لبيع نماذج لبيوت الدمى. حتى العمارات العالية كان بها ما يوحي بحسن التصميم. ثم جاءت مجموعات من البساتين والحدائق الضيقة، ثم مروج، وبعض الكفور. ثم أخذت الأشياء التي تحيط بها في التلاشي وكأن فيلما يعرض كواليس طفولتها قد بدأت مشاهده تمر على النافذة. عاد بها إلى الريف ثانية، إلى ذات المكان الذي لم ترد قط أن تعود إليه. إلى بكرة صباحات الأحد حين كان والدها يحتسي كل النبيذ المقدم على المائدة، وفي وقت الغداء تتلو الأم الصلاة قبل تناول الطعام ثم يستمعون إلى موعظة القس بعد الظهر. حين بلغت الرابعة عشرة تبادلت في عيد الرماة قبلات خاطفة على العربة الدوارة بالملاهي ثم لحقت بشلة من الشباب المتحمس على الموتوسيكلات إلى صالات الديسكو في الجوار. وفي الشتاء، كانوا يذهبون إلى فينتربيرج، وفي الصيف يسافرون إلى مونيزيه. حين أتمت التاسعة عشرة غادرت دون أن تنظر وراءها ولو لمرة واحدة أخرى. قبل عام توفي والداها، أحدهما تلا الآخر بفترة وجيزة. لم تستشعر أي حزن، فقط شعورا مكتوما بالارتياح؛ ولذلك فإنها لم تحضر الجنازة أيضا، فلم تكن لتتحمل طقوس النفاق أمام قبريهما. كان أمامها الكثير من العمل ولم يكن ما معها من مال يكفي نفقات تذاكر السفر إلى أوروبا. لم يكن في الأمر ادعاء، وكانت حجة مناسبة في ذات الوقت. توقف أخوها روبرت عن الكتابة لها منذ فترة. لا بد أنه كان غاضبا عليها. ولا يمكن أن تلومه على ذلك. في مكان ما في حقيبتها يستقر خطاب موثق العقود، وفكرت في نفسها أنها سوف تضطر إلى الذهاب إليه. وفي الخارج، امتزجت درجات الرمادي خارج النافذة لترسم لوحة كئيبة للطبيعة. يا ترى كيف تبدو ماربورج؟ «مكان لطيف» كان صوت ريك لا يزال يرن بوضوح في أذنها. ألم يغمغم رئيسها الأمريكي بشيء عن قصر ما؟ تبهم الأصوات قليلا فلا تكاد تبين. أما هي فقد كانت تفضل السفر إلى هامبورج.
أخذ الشاب الجالس قبالتها يتحدث في الهاتف. هل يجوز أن تخاطبه؟ كانت فقط تريد أن تطمئن أن السيدة التي تعرفها كيرستن قد سلمت الجارة مفتاح الشقة. نعم، إن كيرستن عطية من السماء؛ فقد حضرت في الوقت المناسب تماما إلى روتشيستر لتؤدي تدريبها العملي في المعمل. كانت فاندا مفلسة تماما؛ لذلك كانت في غاية الامتنان أن سمحت لها كيرستن بقضاء أسبوعين في مسكنها بماربورج. وكان ذلك بمثابة مساعدة لتبدأ حياتها، تسمح لها أن تبحث عن شقة بهدوء وأن تنظم الشكليات المتعلقة بالوظيفة الجديدة.
أنهى ذاك الشخص ذو الهاتف المحمول مكالمته الهاتفية، ثم أعاد دس الهاتف في جيب معطفه، وسحب منه قصاصة ورق وفردها ببطء. كانت عيناه تتقافزان في اضطراب على الورق، وكانت هيئته بشعره الأشعث تشبه قائد فرقة موسيقية ترن في رأسه النغمات، على أنها لم تكن موسيقى كلاسيكية، بل إيقاعات أكثر تهديدا، مثل: «غن لي أغنية الموت.» وحين طوى الورقة ودسها في الجيب الداخلي لمعطفه كان عواء الهارمونيكا يرجرج جمجمتها. •••
كان الشاب - أندرياس - متأكدا أنها تراقبه منذ فترة، وحين رفع ناظريه أدارت هي رأسها نحو النافذة بسرعة. أيفترض أن يعرفها من قبل؟ لن يستطيع الآن تحديدا أن يدقق في ملامحها. وجه جميل بلا شك، رغم أن أيا من تفاصيله لم يكن يعجبه حقيقة. كانت نظرتها جامدة، وبشرتها شاحبة، وشفتاها جد رفيعتين، أما النمش على أنفها فقد بالغ في إكسابها مظهرا طفوليا. أعجبه شعرها فاحم السواد، رغم أنه قصير جدا، وهو يحبذ لو كان أطول قليلا. لم يكن قط ضد الأبهة التي تصفف بها لاريسا شعرها ولا رائحته الزكية. لماذا لم يطلعها على الحقيقة مؤخرا؟ لم يكن عليه سوى أن يقول «نعم». رأى نفسه مرة أخرى، مستندا إلى إطار باب الحمام، وقد دفن يديه في جيوب بنطاله، وأخذ يراقب صديقته وهي تحزم أمتعتها، كانت ترتب لرحلتها، أما هو فسيسافر على وجه السرعة إلى ميونخ؛ فقد رجته أمه أن يأتي سريعا، إذ كان والده كعادته دوما متعاليا متفاخرا، حتى في موته؛ لذا فإن إجراءات الجنازة والدفن كانت تستهلك من الوقت ما هو جدير به. «ألا تحب أن أصحبك؟» لقد كانت الشفقة في عيني لاريسا هي ما استثارت رفضه. «يجب أن تفكري الآن في نفسك. أسرتي هي شأني وحدي.» كان يريد أن يبدو مسترخيا، فتحدث بصوت عميق. لم يكن يريد أن يثقل عليها بمشاكله فيسلب منها فرحتها برحلتها التي طالما تاقت إليها. شعر أن إيماءة رأسها تحمل له امتنانا. كان مهما له ألا يكون انطباعها الأخير عنه هو صورة العاجز المحمل بمشاعر الذنب كما كان يشعر حقا، لكنه في هذه الأثناء يتوق إلى أن يدس رأسه في شعر لاريسا الغامق المصفف كلبدة أسد، وينسى نفسه فيه؛ لكنها كانت في طريقها إلى مطار فرانكفورت. تمنى لو أنها تطل من النافذة كما يفعل هو الآن، تمنى لو أنهما يعيدان التعرف أحدهما على الآخر ولو للحظات وجيزة. في وقت ما رن هاتفه المحمول. «أين أنت الآن؟» جاء صوتها مليئا بالثقة. لكن قطاريهما كانا قد تفرقا من زمن. ظل ينظر لعربة الأمتعة الكبيرة المستقرة في الممر. كانت بطاقة شركة الطيران التي تحمل رقم الحقيبة لا تزال تتدلى من مقبضها. تنهد. البعض يأتي والآخر يمضي.
أخرج أندرياس ثانية من جيبه القصاصة التي دسها له غريب ما في جنازة والده. كان يقف على القبر إلى جوار والدته، ومر عليهم المعزون وسلموا عليه وشدوا على يديه؛ أناس لم يرهم من قبل قط لمسوه، أربكوه، ثم تركوه خاويا. كانت عيونهم تحوي دائما نفس السؤال، وكأنه يستطيع أن يقدم إجابة عن الموت المفاجئ لأبيه. أحيانا أيضا كانت المقابلة بلا نظرات على الإطلاق، مجرد مس خفيف بأطراف الأصابع. في وقت ما خفض هو أيضا ناظريه. لا يذكر كم من الوقت ترك يديه تتناوبها وفود المعزين. ثم فجأة وجد تلك الورقة بين أصابعه، وحين رفع رأسه وجد شابا واقفا أمامه، في منتصف العشرينيات، لا يمكن أن يكون أكبر منه هو نفسه. كانت نظراته جادة وتكاد تكون مشجعة. استغرق أندرياس بعض الوقت كي يدرك أن شيئا آخر كان يحدث هنا، لكن الوقت كان قد تأخر واختفى الشاب. في اللحظات الأولى شكك في عقله؛ هل كان ما رآه خيالا؟ لكن كانت معه الورقة.
مر بعينيه سريعا على الأسماء المدونة في قائمة، ووجد أن قليلا فقط منها كان ألماني الوقع. إنها مجموعة عالمية. قام بعدها، بلغ عددها العشرين شخصا. كان معظمها يحمل لقبا. لكن فيما عدا اسم أبيه لم تشكل له قائمة الأسماء أي معنى. قبل شهرين - في فبراير - تشاجر معه الشجار المعتاد، لكنه يومئذ لم يكن يدري أنها ستكون المرة الأخيرة.
الفصل الثاني
روابط تاريخية
جلس أندرياس هيلبيرج في مكتب والده. كان يغمض عينيه بين الحين والآخر من فرط بياض صومعة والده. فأشاح بوجهه، فوقعت عيناه على صورة الرزنامة، وهي صورة لامرأة أفريقية مطبوعة بحجم كبير وألوان براقة على ورق مصقول. إنه ذلك الجانب من أفريقيا الذي يخاطب السياح: أفريقيا العفية. وكانت الصورة عبارة عن شعار شركة أدوية، وكان هذا في شهر فبراير. أين إذن الرابط بين الصورة وبين الوقت المشار إليه من العام؟ لم يفهم أندرياس شيئا. أعاد النظر إلى والده الجالس خلف المكتب، بروفيسور جونتر هيلبيرج مرتديا - كما هي الحال دوما - رابطة عنق وبالطو كبير الأطباء مزررا بإحكام. «علام تعمل حاليا؟» لا يزال سؤال أبيه معلقا في أجواء الغرفة. ماذا عليه أن يقول له؟ إنه يفكر في أن يكتب موضوعا للدكتوراه حول إلغاء التفكير في الأبحاث الطبية الحديثة؟ حول تآكل اللغة لدى العلماء؟ الخطأ في مفاهيم العلوم الغربية وتطبيقاتها التقنية؟ الوهم في ادعاء حرية التصرف وأزمة نجاح السلوك الإنساني في حين لا يمكن توقع عواقبه؟ على الأرجح سيقوم أبوه بدحض أفكاره على أنها خزعبلات فلسفية، أفكار لا يمكن أن ينجح لو تتبعها، ولن تمكنه حتى من إعالة أسرة. خطرت على باله جملة لم تكن له، لكنها تمتلك من المواد الناسفة القدر الذي يحتاجه الآن: «من الممكن توظيف القنابل النووية بالكيفية نفسها التي توظف بها رصاصات المدافع»، وقد سدد كلمات الرئيس الأمريكي إيزنهاور تلك إلى صدر والده. رأى كيف أن أباه عض على شفتيه، وأخذ يحرك رأسه يمنة ويسرة مثل بندول الساعة وكأنه يبحث عن منطقة وسطى. «كنت أظن أننا أغلقنا هذا الموضوع أخيرا وتركناه وراءنا. أنت تعرف رأيي. هذا ما قاله رجل عجوز قبل خمسين سنة. هذه أعراض تجاوزناها من زمن. اسمع يا ولد. توقف عن شعورك بالشفقة على ذاتك. عد إلى الواقع.» ثم أخذ في إلقاء محاضرة حول معاهدات حظر انتشار الأسلحة النووية، وأننا تعلمنا منها درسا للمستقبل، هو أن كل تكنولوجيا مفيدة من الممكن أن يساء استخدامها، ولهذا فإن أي استخدام ينبغي أن يخضع للنظام بل والرقابة، ولأننا نحن معنيون بما حدث في الماضي فقد تعلمنا في هذه الأثناء أن نتعامل بمسئولية. كان أندرياس قد توقف عن الإنصات لوالده منذ مدة؛ إذ لم يكن يحب والده حين يعظ، لكن صيغة الجمع لضمير المتكلم «نحن» في الجمل التي يستعملها والده، هذا الضمير الجامع الذي يبدو وكأنه ملزم، حفر مكانا في ذاكرته، بينما كانت عيناه تحدقان بالمكتب وتتنقلان بينه وبين والده. يتذكر كلمات مثل «حبات كرز»، وكيف أن والده كان ينطقها بطريقة يهيئ للسامع معها أنه سيقذف نواتها من فمه. تأمل أندرياس الصورة العائلية التي تحوي جروا حديث الولادة. إطارها لصانع مشهور، أما الوجوه فيها فقد أصبح من الصعب إعادة التعرف عليها. صبي قامته في نصف طول أندرياس اليوم، والجرو الصغير رمادي، مشلول، عاجز عن ضبط حركته. إلى جوار الصورة وجد كرة الزجاج التي كان قد أهداها إلى والده قبل كم يا ترى من السنين؟ لم يعد يذكر. والآن، وكرة الزجاج لا تزال في مرمى بصره، تقفز إلى ذاكرته صيغة الجمع تلك في ضمير المتكلم «نحن»، بينما يقول بصوت خافت: «نحن علينا أن نتعلم أن نفكر بطريقة مختلفة.»
Shafi da ba'a sani ba
خيم الصمت لوهلة. مر طائر صاخب من جوار النافذة، بينما كانت الشمس تصنع في المنتزه بالأسفل قبابا من حواف كومات الثلج وقطع الجليد المدببة التي طرزت حواف طرقات الممشى، فبدت الطبيعة وكأن رجل الثلج قد ألقى فيها صندوق ألعابه. كانت ضاحية جروسهادرن تقع مباشرة عند سفح الحصن الذي تحول إلى مستشفى في جنوب غرب ميونخ. كانت ريفية الطابع، تكاد بصفائها تبدو كما في الأناشيد الرعوية. في الواقع كان أندرياس يريد أن يمر على والديه مرور الكرام بعد انتهاء إجازته الشتوية التي قضاها في التزلج على الجليد. كان عليه أن يتوقع أن والدته ستتصل بأبيه في العيادة، وأن أباه سيطلب منه الحضور إلى جروسهادرن لأن عنده مواعيد من الصعب تأجيلها. وفعلا ذهب إليه أندرياس، لكنه ظل جالسا مثل مريض أمام كبير الأطباء، مريض يرفض اتباع روشتة طبيبه. أزاح جونتر هيلبيرج الكرة الزجاجية جانبا وتنهد. تحدث بصوت مشروخ، منخفض عن عادته في السابق، وكان صوته خائر القوى على نحو غريب. «نعم ... التفكير ... كنت دائما تستطيع أن تفكر جيدا ... وأيضا كنت تأتي بأقوال ذكية ...» رفع أندرياس حاجبيه وابتسم برضا.
وقال: «أنت تتملقني؛ إن جملة «نحن علينا أن نتعلم أن نفكر بطريقة مختلفة» ليست جملتي، أنا فقط استشهدت بها. إنها جملة من بيان (مانيفيستو) ألبرت أينشتاين ... لنقل إنها منقولة من آثاره في الأخلاقيات والسياسة. لقد توفي أينشتاين بعد ستة أيام من نشره.» حدق بلا تعبير في وجه والده. لم يكن من السهل عليه أن يكتم انتصاره. كان يحب حكم أينشتاين؛ فقد كانت من الروعة بحيث تناسب استخدامك لها في أي سياق شئت، فتجعل الناس يغرقون على إثرها متفكرين في صورهم الداخلية. ولعل كل واحد رأى بها خلاف ما يرى الآخر. لقد كانت تفتح نوافذ على أرواحهم وتجعلهم على نحو خاص أكثر استعدادا لاستقبال أفكار جديدة. حبس أندرياس سؤاله مدة حتى بدت أمارات احتقار على زوايا فم أبيه. «وماذا تريد أنت أن تترك للبشرية؟» «بالتأكيد ليست أفكارا غنية بكم السعرات الحرارية التي ينتعش بتناولها جيل من طلاب الفلسفة.» كانت هذه هي الضربة المسددة ضد تمرده. فدراسة الطب فصلين كاملين كانت كفيلة بشفائه؛ لقد تجرأ وفعلها ابن كبير الأطباء وهجر دراسة الطب. كانا يقفان على حافة الصدع الذي انشق في علاقتهما ... تلك الهوة التي ستباعد بين حياتيهما من الآن ولخمس سنوات قادمة، هوة «القديس أندرياس» بحسب وصف والدته للفجوة التي تفصل بين الرجلين في حياتها، وكأنه عليه وحده أن يتحمل القسط الرئيس من الذنب بسبب ذلك. في العام السابق وفي أثناء رحلة عودته بالطائرة من سان فرانسيسكو أخذ أندرياس يبحث عن صدع عظيم في قشرة الأرض، لكنه لم يتعرف إلا على خط أسود، كسر رقيق على جدار غلاف أرض صدئة، قد يثير الضحك حين تنظر إليه من ذلك الارتفاع الشاهق، لكنه رغم كل شيء مليء بالبارود. «نحن نقف أمام اختراق علمي هائل: فرط الحرارة. إننا نحقن جزيئات النانو في أورام المخ ونقوم بتسخينها، فيتحلل نسيجها ويختفي الورم. أمر لا يصدقه عقل! لكنه علاج ناجع.» بدا الأمر وكأن أباه سيشرع في إلقاء محاضرة. واصل الأب حديثه عن أن تكنولوجيا النانو ستجهز ما يكافئ «صندوق أدوات» يسهم في تقدم الطب، فسيمكن مثلا التحكم بصورة أفضل في حجم الأورام، واستخدام الأدوية بشكل أكثر دقة وتحديدا وفعالية. زميلي يوردان من برلين قد أنجز بالفعل إسهامات بارزة في هذا المجال. أصغى أندرياس لرنة الصرير الآسرة في صوت والده، تلك الرنة التي يحرص بها على إيقاع مستمعيه في شراكه كلما تحدث عن نجاحاته. «أندرياس يوردان هو أحد أفضل المتخصصين في هذا المجال، ولا يستسلم بسهولة»، الصمت الذي أعقب هذه الجملة ينتمي إلى أساليب جونتر هيلبيرج البلاغية. فقد قال والد أندرياس ذات مرة: «إن الهجوم اللفظي مثله مثل الحقن. تجني أعظم الأثر عندما لا يتمكن غريمك من الحركة بعد نغزة مفاجئة، بعدها ستنساب كلماتك إليه من تلقاء نفسها.» لكن هذه المرة تعمد أندرياس ألا يعطي الفرصة لإبر والده أن تمسه.
تعثر صوته فوق النبرة الرنانة: «ألم تفهموا الأمر بعد؟ أنتم تعملون على جزيئات متناهية الصغر، وتتحدثون عن الاختراق الطبي الكبير؛ ألم تتوفر لكم الرؤية الثاقبة حقا أم أنكم فقط تدعون؟» لوى شفتيه سخرية ثم قال: «الأمر لا يتعلق فقط بالكفاءة حين يبرز التميز، فهناك أموال طائلة تتدفق في هذا الجنون العظيم.»
أشاح جونتر هيلبيرج بوجهه وقال: «هذه حماقات.»
واصل أندرياس حديثه بلا تردد: «كلها أمور مرتبطة ببعضها، لا يمكن أن تحدث تغييرا في نقطة ما دون أن يكون لذلك أثر في شيء آخر، حتى ولو كان بعيدا عن موقع النقطة الأولى. نحن تنقصنا الرؤية الشاملة.» «آه، إنها القصة القديمة، قصة جناح الفراشة الذي بمقدور ضربة واحدة منه أن تثير إعصارا في مكان ما من العالم، سمعناها من قبل.» بدت على والده أمارات التعب. «قصة مدهشة أليس كذلك؟ ما أعظم أثر الجناح الصغير حين يضرب الهواء ضربا رقيقا! فجأة لا يبدو كل شيء محددا. لا بد أن نحسب حسابنا، إن برتقالة واحدة تتدحرج من فوق هذه الطاولة من الممكن أن تسبب هزة في جبال الهمالايا يقضي على إثرها أحد الوعول نحبه. أنت تمتدح مزايا تكنولوجيا النانو، رغم أنك - أنت خاصة - ينبغي أن تعرف أن عواقب هذه التكنولوجيا لا يستطيع أن يقدرها أحد بشكل حقيقي حتى الآن.» «لهذا الأمر مسئولون يقومون عليه، أنا ليس في وسعي سوى أن أدرأ الكوارث.» «... وتخترع أيضا نعالا مصنوعة من الكاوتشوك، حتى لا تنزلق من على السلم الوظيفي. لا بد أن تصور السقوط إلى القاع أمر مؤلم لك كثيرا.» عض أندرياس على شفته، فلم يكن ما يقوله يجدي، وهو لا يعرف سوى أن يواصل الآن ما بدأ. «أنت تكافح المرض فقط لأنك تستطيع أن تفكر في فئات «الجيد والشرير»، لكن ماذا لو كانت الأمراض ليست سوى محاولة كائن حي ما أن يتكيف مع بيئته؛ أي محاولة لإيجاد حلول، حالة مزاجية لطيفة للطبيعة؛ رغبة في التجريب؟ فلنسمه ببساطة القدرة على التغير، تلك القدرة التي لا تريد أنت أن تقبلها لأنك تجلس وراء مكتبك الفاخر، وتغازل إحصائياتك، من أجل أن تدعمك الأرقام، حتى لو كان المريض قد مات فعلا. وفي اللحظات الأخيرة تتوقف عن التفكير، ربما هي أيضا مجرد نتيجة موجزة ومتعسفة، تتبخر كل التوكيدات، بوووم. هذا أيضا شكل من أشكال الفوضى. النظام فالسيطرة وسلاسل التأثير أحادية البعد، كلها أمور نادرة ندرة الحظ السعيد ...» فكر قليلا ... «مثل الحظ الذي يمكن أن يحالفك لو اشتركت في مسابقة كيديتش مثل السحرة في روايات هاري بوتر.» كان أندرياس يلهث، بعد أن أطلق لنفسه العنان وانخرط في إلقاء محاضرة. لم يكن يختلف عن والده قيد أنملة. «إن لم تخني الذاكرة، فإن هذه المسابقة تقتضي أيضا مهارة، ولا تعتمد على الحظ فحسب.» قالها جونتر هيلبيرج وهو ينهض واقفا، بدت خطواته الأولى متصلبة وغير متزنة، كاد يتعثر، ثم تمالك نفسه واتجه نحو النافذة. «هل ثمة ما يسوءك؟» سأل أندرياس، لكن والده هز رأسه نافيا، ثم دس يديه في جيبيه بالكامل ما عدا إبهاميه اللذين ظلا معلقين على حافتي جيبي ردائه الأبيض مثل ريشتين وحيدتين. كانت بهما رعشة خفيفة، واستطرد قائلا: «لا يقول مثل هذا الكلام إلا من يضيع وقتا طويلا في التفكير. أيها الشاب، ليتك فقط تعرف حقيقة الأمر.» «أعرفها بالقدر الكافي. ألم أكن أيضا مواطنا في هذا المنزل؟» أدار الوالد ظهره له، فرأى أندرياس كيف كان أبوه يشد عوده. «لا أعتقد أنك تصغي حقيقة لما أقول.» تحدث جونتر هيلبيرج إلى النافذة وكأن في المنتزه بالأسفل جمهورا ينصت. «نحن نريد أن نتحدى الحظ، وحتى نحقق ذلك فلا بد من التحلي بمهارات حقيقية؛ فهذه هي فرصتنا الوحيدة.» ها هو ذا الطبيب يتحدث بحماسة وقلق دائم على مصير مرضاه، فلكأنه الفارس الذي يظهر في الملمات. تصفيق حاد ثم ليسدل الستار. غضب أندرياس لأنه وقبل أي شيء آخر شعر فجأة بحسد تجاه والده يأكل قلبه. كان والده يبدو حقيقيا في صورته المتضخمة عن ذاته، شديد القناعة بنفسه، وله فوق ذلك جاذبية عالية. «علينا أن نفهم القوانين التي تقود حركة العمليات الحيوية، عندئذ فقط يمكن لنا أن نمارس تأثيرنا عليها.» تحول جونتر هيلبيرج ثانية نحو أندرياس وقال: «المسألة تشبه لعبة بازل كبيرة، لن نستطيع أن ندرك مدى تعقيدها على النحو الصحيح إلا بعد أن نستخرج القطع الصغيرة منفردة، ثم نفحصها بدقة.» «وحين تبدأ بفحص كل حبة رمل على حدة، ثم في النهاية تجمع حبات الرمال بعضها مع بعض، تجد نفسك مرة أخرى أمام كثيب رملي قصير العمر في أحد مواقع البناء، ولست أمام شاطئ النخيل الذي وضعته ذات يوم نصب عينيك. ماذا تمثل حقا حبة الرمل؟ فقط السياق هو ما يجعلك تدرك موقعك الذي تقف فيه. الحقيقي هو حين يمر الهواء الساخن على الشاطئ الرملي فيغبش الصورة قليلا أمام ناظريك، عندها تكون قد وصلت. إن افتراض أن الكون مكون من أجزاء هو محض فكرة مثالية.» هز جونتر هيلبيرج رأسه في وهن. «هل هذا استشهاد آخر؟ فكلامك يبدو مثل كلام الدلاي لاما نفسه.» خطا إلى جوار مكتبه. تكومت على الطاولة الجانبية الصغيرة مجلات وأكداس من الورق. رفع بعض الورقات ثم أعاد وضعها في مكان آخر. خشخش الورق بين يديه المرتعشتين. «لن يساعدنا على عملنا تلك المقارنات الرومانسية، نحن في حاجة إلى أدوات ملموسة تمكننا من السيطرة على مشكلاتنا.» سرت في هيئته المتضائلة رعدة خفيفة، بينما صفر في نفس اللحظة جهاز استدعاء الأطباء الخاص به. توجه جونتر هيلبيرج نحو الهاتف وطلب الرقم.
وقال: «سأحضر فورا.» ثم تحول ناحية أندرياس وقال: «آسف، لدي مشاغل.» انزلق الهاتف المحمول من يديه حين أراد أن يضعه في الشاحن، فتركه على المكتب، وفي الطريق إلى الباب استدار مرة أخرى.
وقال بوهن: «تمنياتي برحلة سعيدة. سنتواصل هاتفيا.» انتهى العرض. وخرج والد أندرياس بصورة أبطأ من المعتاد، وبدت مشيته متشنجة، لكنه ظل على هدوئه، لم يستشط غضبا ولم يوجه إلى أندرياس اتهامات كالعادة، لم يمنحه أي سبب يجعله ينتفض واقفا ويرحل صافقا الباب وراءه. سيرحل قطاره المتجه إلى ماربورج في غضون ساعة، لكنه كان يفتقد الدافع نحو نقلة نوعية في حياته.
ربما توجب عليه أن يغادر الآن، لكنه كان يفضل البقاء، في هذه الحجرة خاصة، حيث آثار رائحة والده لا تزال عالقة. ابتسم أندرياس لهذه الرابطة التاريخية، على الأقل ليس في مقدور والده أن ينكرها.
شعر أندرياس وقتها في رحلة عودته إلى ماربورج بخفة في روحه. ألم يكن يمثل هذا اللقاء نقطة تحول بينه وبين والده؟ إلا أن انقطاع الاتصال بينهما بعدها لم يعط لأندرياس سببا للقلق؛ لأنه لم يكن بالأمر غير المعتاد. لكن اتصال والدته به بعد أسبوعين ذكره بتلك الرجفة المتخفية التي لاحظها على والده . أصابه الخبر بالصدمة؛ فقد دخل والده في غيبوبة. كان جونتر هيلبيرج مستلقيا في نفس المستشفى الذي عمل به، ومع كل زيارة كان أندرياس يرى ستار الشك يسدل وستار الأمل يرفع، رأى كيف يستبد الخوف وتنتقل عدواه إلى كل المحيطين، بحيث لم تخف وطأته إلا تدريجيا بعد وفاة الوالد. قال الأطباء وهم يرفعون حواجبهم وكأنهم يخفون أمرا بينهم: سكتة قلبية. ذكروا أيضا الرعشة ونوبات اضطراب الحركة، والتي كانت تعذب والده منذ مدة، والتي لم يشأ قط أن يعترف بها، ثم بدأ أخيرا في علاج نفسه بنفسه، ثم انتهى كل شيء بسرعة فائقة. لم يعد في مقدور أندرياس أن يقول الكلمات التي طالما أراد أن يقولها لوالده. لن يستيقظ جونتر هيلبيرج ثانية. حتى في موته لن يستطيع الوصول إليه. ناهز عمره السبع والخمسين سنة من مدة قصيرة وكان قلبه قويا. لم يستطع أيهم أن يقدم تفسيرا لأندرياس حول استسلام والده بعد أسابيع قليلة. لم يكن في وسعه التحكم في مشاعر الغضب التي ظهرت أولا فحجبت مشاعر الحزن. كانت هذه الحالة الشعورية مألوفة لديه منذ سنوات، غير أنها الآن تسحبه في دوامة نسي نفسه فيها فارتطم بقاعها، وبدأ يلوم نفسه أنه لم يبح لوالده قط بأنه كان يفتقده كثيرا.
الفصل الثالث
Shafi da ba'a sani ba
أكاذيب بيضاء
استيقظت فاندا من إغفاءة قلقة، وحين نظرت من النافذة عرفت أنها وصلت جيسن من اللافتة المثبتة على رصيف المحطة. كانت ساعة يدها لا تزال تشير إلى الوقت في شيكاجو: الساعة السابعة، فأجرت الحسبة في رأسها، لا بد أن الساعة الآن الثانية بعد الظهر. لقد نامت ما لا يقل عن نصف ساعة. كان الشاب الذي يجلس قبالتها لا يزال في مكانه، مستندا برأسه إلى النافذة. هل كان نائما أم يتأمل المناظر في الخارج؟ لم تتمكن من رؤية وجهه، وتبددت رغبتها في الحديث إليه. تمطت وتثاءبت. هلا حاولت الشعور بالسعادة؟ حاولت أن تشجع نفسها، تستطيعين الآن أن تفعلي ما حلمت به دوما: تأسيس معمل للسموم، تنفيذ مشروعاتك الخاصة، قيادة فريق. لم تضطر إلى تفكير طويل حين أتاها ماكس شتورم في المؤتمر الذي عقد بالخريف الماضي، وعرض عليها منصبا في معهده بماربورج. لقد كان يتباهى أمامها مرارا وتكرارا بالتجهيزات التقنية المتقدمة والموارد المالية المتاحة في قسمه، كما أنه وفوق كل ذلك أشار إلى إمكانية حصولها على درجة الأستاذية. الأستاذ الدكتور الطبيب ماكسيميليان شتورم. لم يبد لها من ذاك النوع من الأساتذة الذين يمارسون سلطاتهم الأبوية على من يشرفون عليهم، وهو النوع الذي تفضل العمل تحت رئاسته، فقد كان يبدو مثل جرذ نحيل.
واصل القطار رحلته، أخذت فاندا شهيقا ثم أطلقت الهواء في تنهيدة على زجاج النافذة البارد، فتكون على الزجاج ضباب خفيف ما لبث أن تلاشى. نظرت إلى الطبيعة الرمادية المغسولة بمياه الأمطار نظرات حالمة. لقد عدت إلى وطني ألمانيا. كان عليها أن تقرص نفسها في وجنتها لتتأكد أنها لم تكن تحلم. وكأنها أتت من عالم آخر بعيد، بثتها شعاعاته لتعيد تكوين ملايين من جزيئاتها في حالة روحية فريدة ومادية جديدة. ما الذي أصبو إليه هنا؟ هل أتطلع إلى دفء صحبة ليس لي منها نصيب؟ أم أخشى أن أفوت عقد صلة ما بيني وبين الوطن؟ هل أخشى غلق الأبواب المتاحة؟ في أمريكا لست سوى باحثة نكرة في مرحلة ما بعد الدكتوراه بين عشرات الباحثين. الوظيفة مؤقتة لمدة سنتين. طبعا كان يمكن أن تقبل عرض الاستمرار لعام بحثي آخر في روتشيستر. منعها فقط تلك الطرقات التي كانت تتصاعد بطيئا من صدرها لتدق في حلقها. أحيانا كانت تداهمها ليلا وتجبرها على السهر حتى الصباح.
لا. لم تكن تريد أن تضطر ثانية أن تواجه مشاعر الخوف. حاولت أن تهدئ من روعها وتقول لنفسها كان صوابا أن ترحل في هذا التوقيت. أما ذاك الشيء فلن يلحظه أحد، خصوصا الآن بعد أن رحلت. فقد انتهى المشروع، ولن يقوم أحد بإعادة فحصه. لقد ضغط عليها ريك لأنه كان يحتاج إلى النتائج لينشر بحثه، فقامت بحذف بضعة أرقام. كانت من خاصة الباحثين. أكدت فقط على النتائج التي هي مقتنعة بها ببضع لمسات تجميلية على الإحصائيات، لتبدو البيانات قابلة للتصديق، وقد كانت تريد أن ترى اسمها منشورا على السطر المخصص لأسماء مؤلفي البحث. ففرصة النشر في دورية مرموقة مثل تلك لم تكن لتفوتها. هل كان بوسعها الاستغناء عن النشر؟ أي أحمق لم يكن ليفعلها. كان عليها أن تتصرف بهذه الطريقة إن كانت تريد التقدم في عملها. في النهاية، فإنها لم تزور، وإنما شذبت النتائج قليلا. كان الزملاء يسمون هذه التصرفات: أكاذيب بيضاء. هي ليست أكاذيب، لكن هي الحقيقة مصقولة قليلا. لمزيد من الوضوح والإفهام، يعني من أجل غرض طيب. هي فقط نصف الحقيقة. طبعا لا يمكن أن تلعب بنار كهذه دون أن تحترق أصابعك، فالحدود الفاصلة بين ذاك الأمر والخديعة ليست واضحة.
فتحت سوستة معطفها ومرت بيدها على رقبتها. هنالك كانت الثنية التي ورثتها عن أمها، لقد زاد وزنها. وخلف لها الشعور بالذنب توترا. عاشت عامين قلقين، لكنها تركتهما الآن وراءها. كانت حياة على الحافة عليك أن تقفز من فوقها إن عاجلا أو آجلا، وهذا ما يجب أن يتغير الآن. الوظيفة الجديدة مدتها ثلاث سنوات. ضحك شتورم بعد أن أخبرته بموافقتها، ومر فوق رابطة عنقه فاردا طياتها. «سنرى كيف سيكون أداؤك.» شعرت بعصارات من مرارتها تغص حلقها.
الفصل الرابع
نانوسنيف
كان ماكس شتورم يتطلع من نافذة غرفة الاجتماعات. لم تكن السماء التي تغطي ماربورج تختلف كثيرا عن مثيلتها في بوسطن في هذا الوقت من العام. تتساقط أمطار أبريل الخفيفة على العشب شاحب الخضرة الذي كان يتمدد بدلال مثل سجادة على كل المنخفضات والمرتفعات المتموجة على صفحة الأرض. احمرت عينا شتورم كالنار وهما تنظران عبر ستار المطر الرقيق. لكن هذه الخضرة لم تكن تمتلك من القوة ما يمكنها من بث طاقة في شبكية عينيه. فبالأمس ظهرا سافر من فرانكفورت وهبط تقريبا في التوقيت نفسه من اليوم التالي في بوسطن. استغرقت الرحلة ست ساعات طيرانا نحو الغرب، ومثلها ست ساعات متأخرة عند الوصول نتيجة فروق التوقيت. رغم ذلك بدت له الرحلة أطول. كانت ساعته الداخلية مضطربة بجنون. أرسلت شركة بوسطن للعلاجات المبتكرة - اختصارا «بي آي تي» - سيارة إلى المطار لتحمله إلى فندق قريب من مقر الشركة. غادرت السيارة المدينة. كان يعرف الطريق الذي يمر بعدة طرق سريعة متشابكة تتجه إلى الشمال الغربي، إلى أن وصل بعد حوالي الساعة إلى بيدفورد.
أرهقه فرق التوقيت كثيرا رغم أنه هو تحديدا طالما عمل تحت ضغط الوقت. بذل مجهودا شاقا ليبقى يقظا حتى المساء، وبعد تناول الطعام مع مديري الشركة ذهب مبكرا إلى الفراش، ثم استيقظ حوالي الساعة الرابعة فجرا ولم يتمكن من النوم ثانية. نهض من فراشه وأعد لنفسه قهوة لا طعم لها، من تلك المتوفرة في حجرات الفنادق، ثم بدأ يراجع محاضرته. عليه ألا يستثير انتباه سامعيه في اتجاه خاطئ، يكفي أن زابينة ميرتينز كانت في غاية العصبية وهي تخبره بملاحظاتها قبل سفره إلى بوسطن بمدة وجيزة. ورغم أنه لم يكن يحب نوبات الانفعال لكنه أنصت إليها وحاول تهدئتها. في النهاية كانت هي واحدة من أفضل الباحثين العاملين معه، لكنها أحيانا ما تكون غارقة أكثر في العمل. تمنى لو أنها تمكنت أيضا من إبقاء فمها مغلقا. لم ينس أن يذكرها بمنتهى الوضوح بشروط الحفاظ على السرية التي وقعت عليها وقت اتفاقية التعاون مع شركة بي آي تي. كانت شكوكها تدور تحديدا حول التجارب الأولية التي تسبق المرحلة الثانية من الدراسة. طالما أنه لم توجد أدلة دامغة فلا ينبغي أن يعلم أحد بهذا الأمر، والآن خاصة، حيث يريد الأمريكيون مواصلة العمل معه. أي إشاعة، أي ثغرة من شأنها أن تفقده الخمسمائة ألف دولار المخصصة لتمويل المشروع.
وجد برنامج جلسة اليوم موضوعا على المنضدة أمامه. خلع شتورم نظارته وفرك عينيه، ثم أعاد ارتداءها؛ إذ كان من الصعب عليه التعود على العدسات الجديدة. ظل يطأطئ رأسه بشك إلى أن وصل إلى نقطة وجد الحروف تكتسب فيها معالم محددة، فعاد بأفكاره إلى زابينة ميرتينز. كانت مجرد ترس في ماكينة مؤسسته، ما أسهل إبدالها بغيرها! في الشهر القادم ستبدأ الباحثة الجديدة القادمة من روتشيستر عملها تحت رئاسته. هدأ نفسه بخاطر أن ميرتينز ستلزم الصمت. أخرج منديلا بلون البراعم البيضاء من جيبه وجفف عرق يديه فيه. تزعجه كثيرا الرطوبة في راحة يديه، ولحسن الحظ لم يكن الأمريكيون يعبئون كثيرا بالاتصال البدني. نظر في ساعته الروليكس، باق خمس دقائق على البداية الرسمية للجلسة في تمام التاسعة. •••
Shafi da ba'a sani ba
أحس شتورم بمخالب مدير الشركة تنغرز في كتفه وهو يحييه: «مرحبا ماكس.»
تكسر صوت ماكس من هول الصدمة المفاجئة كما يتكسر الغصن الرفيع، حتى أنه حاول أن يداريه بضحكة مفتعلة وقال: «صباح الخير يا باول.» «أرجو المعذرة، أعرف أن الوقت مبكر بالنسبة لكم، خصوصا في ظل فروق التوقيت وتغير المناخ، لكن الأمر شديد الأهمية.» رغم طغيان اللكنة الأمريكية على حديثه، فإن لغته الألمانية كانت رفيعة المستوى لدرجة تجعله يفهم كل الكلام، وهو ما يأسف له شتورم سرا؛ لأن هذا الأمر لن يسمح له أن ينسق مع محاميه في أثناء الجلسة دون أن يلاحظ أحد. تصدر باول تورمان بهيئته الضخمة رأس طاولة الاجتماعات، بينما أخذ صوته الرخيم يدوي في القاعة. «أين الدكتور لوزر؟»
فقال المحامي الذي أتى للتو من الحمام مصححا إياه: «بل لوثر، مثل مارتن لوثر، صباح الخير يا سيد تورمان ...» «آه نعم، مارتن لوزر، تذكرت الآن.» كان ينظر بعينيه الداكنتين الصغيرتين. وضع المحامي حقيبة أوراقه على الطاولة، ثم أزاحها بحيث توازي مقدمتها حافة الطاولة. وبدا شاحبا، فكان شتورم يبتسم له مشجعا. حتى لو لم يكن فعلا يؤاخذ تورمان على تصرفه الفظ، لكنه لن يجرؤ أبدا أن يدير له ظهره. فخلف إطلالة تورمان الساحرة يختبئ دب قطبي جائع.
دخلت ليندا فارن غرفة الاجتماع، وهي مديرة الإنتاج بقسم علاجات النانو. تعرف عليها شتورم بالأمس أثناء عشاء العمل. قدر أنها في نهاية العشرينيات من العمر، شقراء، زرقاء العينين، رشيقة وناعمة مثل ثعبان الماء، بدت وكأنها أنهت إخراج أحد المسلسلات الوثائقية المدبلجة لتنزلق لتمثيل دور جديد. تبدو وكأنها تعلق على فمها لافتة تعليمات «يرجى الابتسام» مكتوبة بالطباشير. تبعها ثلاثة رجال لم يكن شتورم يعرفهم. إنهم بالتأكيد محامو السيد تورمان.
تحول السيد تورمان ناحية الحاضرين وقال: «هلا عرفتكم ببعضكم؟» قالها بلكنته الأمريكية، فغطت على حدته في الحديث. «الدكتور ستيفن برايت من شركة لينكس فارماسيوتيكال، أهلا بك ستيف. وهؤلاء هم مايك بارنفيلد وجيم روس، حارساي الشخصيان»، وضحك بصوت عال وهو يومئ برأسه إليهما، «هذه دعابة طبعا. لكننا سعداء أن تمكنا من الفوز بهما في شركتنا قبل بضعة أشهر، لا بد أن تعرف أن شركة بي آي تي تحوي الآن قسما خاصا للشئون القانونية.»
ثم أشار تورمان نحو شتورم: «الدكتور ماكسيميليان شتورم من ألمانيا، معهد السموم جامعة ماربورج، وهو أيضا مدير شركة نبيكس، ومحاميه السيد رولف لوووثر.» سمع شتورم كيف أن لوثر تنفس الصعداء وهو جالس إلى جواره. طلب تورمان من كل الحضور في الجلسة أن يتخذوا مقاعدهم على الطرف البيضاوي من الطاولة، بينما ظل هو واقفا في المقدمة. «ليس لدي فكرة لم يوجد فقط اثنا عشر مكانا على الطاولة، لكني أؤكد أن ليس للأمر علاقة بأي مؤامرات دينية»، ثم نظر إلى لوثر الذي كان عرضا يدون شيئا ما، واستطرد: «هل تعرف أن يهوذا الإسخريوطي لم يكن أصلا حاضرا العشاء الأخير، وأن يسوع كان قد صرفه؟» ابتسم هازئا، وصمت قليلا ثم قال: «وعلاوة على ذلك نحن فقط سبعة أشخاص، مما سيجعل إثبات الخيانة أسهل، في حال وجد بيننا خائن.» رف جفن شتورم الأيسر؛ لقد أبرز تورمان الحدود الفاصلة غير المرئية بين الحاضرين للجلسة، فلكأنه رسمها بالقلم الأحمر. •••
شغل تورمان جهاز العارض الضوئي المعلق في سقف حجرة الاجتماعات، فألقى شعاعه على الحائط الشعار الأزرق التقليدي لمايكروسوفت. أمسك في يده جهاز التحكم عن بعد، فتسارعت على الصورة المعروضة على الحائط نقطة بيضاء تشبه السهم. في نفس اللحظة ظهرت صورة بانورامية لمدينة بوسطن في أضواء المساء. أسند شتورم ظهره، ألم ير تلك الصورة على أحد الكتالوجات بغرفته بالفندق؟ نهضت ليندا فارن واتجهت نحو الباب. ضغطت على عدة مفاتيح فانسدل على إثرها ببطء قماش أسود من السقف محدثا أزيزا خفيفا، حتى غطى النافذة من الداخل. ساد ظلام في الغرفة فكأن الليل قد حل، ولولا خط الضوء الرفيع الفاصل بين الستائر وحواف النافذة لتصور شتورم أن هذه كواليس رحلة عبر الزمن في اتجاه الشرق، نحو الجانب الآخر من القارة.
الشريحة التالية عرضت شعار شركة بوسطن للعلاجات المبتكرة ومعه الاختصار المتداول بي آي تي. «نحن نريد اليوم التوكيد على المرحلة الثانية من التعاون المشترك» قالها تورمان وهو يفرك يديه وكأنه سينتقل حالا لتنفيذ المهمة. «ولأجل هذا الأمر علينا توضيح بعض الشكليات، وإن كانت هامشية من وجهة نظري.» تنحنح ورفع شريط بنطاله إلى خصر بدنه الضخم. «بالأحرى على خبرائنا المختصين بالشئون القانونية العمل على ذلك. ومن أجل أن يستوعبوا هم أيضا ما نريد أن نفعل، أريد أن أستعرض بإيجاز النقاط الرئيسة لبحثنا المزمع.» كانت عيناه اليقظتان تتجولان هنا وهناك بين المحامين الثلاثة. «لنقل إننا اليوم نتحدث بلغة قناة «ناشيونال جيوجرافيك» العامة بدلا من قناة «نيتشر ميديسين» المتخصصة، على سبيل المجاملة لكم. وأرجوكم قاطعوني لو استشكل عليكم فهم أي أمر من كلامي.» بعدها ظهرت على الحائط صورة شارع تتدافع فيه حشود من الناس. وبينما كان تورمان يقرب الصورة بشكل غير متدرج، بدا لشتورم وكأن الناس فيها آتون نحوه، ولما اقتربت وجوه الناس بشكل ظاهر تجمدت الحركة. كانت كلها وجوها لأناس متقدمين في العمر، سيدات ابيضت شعورهن ورجال صلع الرءوس، ملامحهم وقورة وعيونهم براقة. استدعت الصورة في ذاكرة شتورم إعلانا عن شركة تأمين على الحياة، كان قد شاهده مؤخرا في السينما. «حتى الآن كان الطريق هو الغاية»، قالها تورمان ونظر للحضور المتحلقين في صمت. أدرك شتورم إلام يرمي تورمان. «لقد طورنا إنتاج نانوسنيف، حتى نحمل المواد الفعالة على جزيئات النانو مثل قوارب النقل عبر مسارات الشم من الأنف وحتى المخ، وهذا طريق جديد تماما. أفكر مثلا في علاج السرطان، أو في المواد المنومة، أو أدوية العلاج النفسي. إنه طيف عريض من المجالات المتاحة، وسنكون موجودين حين تظهر أدوية نانوسنيف في الأسواق ، علاج أنفي فقط. إن براءة الاختراع مضمونة لنا بلا جدال.»
شتورم أيضا كان مقتنعا بعبقرية الفكرة. إن الطبقة المخاطية المبطنة للأنف، وكذلك مراكز التحكم بأعصاب الشم في الدماغ شديدة القرب من بعضها، فوصول مواد النانو إلى المخ سيكون بالبساطة التي تشبه القفز من فوق سور الحديقة. للدقة فلنقل إنها ثغرة ستتمكن جزيئات النانو من التسرب عبرها. بالأحرى هي نقطة الضعف التي طالما استغلتها فيروسات شلل الأطفال والالتهاب السحائي المخيفة. ببساطة تذكرنا مكانها؛ ولهذا فقد اشترى شتورم عددا من أسهم شركة بي آي تي في البورصة قبل نحو الشهر، رغم أنه ليس مطلعا على كافة خلفيات هذا المشروع. وفي النهاية فقد أكدت أحدث النتائج التي أجريت في معمله صحة هذا التطبيق ونجاحه. لا تزال بي آي تي تخفي نانوسنيف وكأنه سر من أسرار الدولة. فهي لم ترسل إلى ألمانيا إلا النزر اليسير من مادة النانو، كما اشتمل عقد الشراكة على غرامات مالية عالية تدفع في حال استخدمت مادة النانو في غير الأبحاث المتفق عليها. لم ينجح أحد حتى الآن في توصيل جزيئات النانو عبر مسارات الهواء إلى المكان الذي عليها أن تعالجه دون أن تعلق وتتشابك؛ وهذا ما يزيد من صعوبة وضعها في البخاخات الطبية. من الواضح أن العلماء في شركة بي آي تي قد طوروا أسلوبا يمكنهم من التغلب على تلك الآثار المزعجة. خمن شتورم أن السر الحقيقي في نانوسنيف يكمن في سطح جزيئات النانو. ربما خدعة ما تفكك الجاذبية الشديدة بين هذه الجزيئات. وهو غاضب حقا من كونه لا يعلم المزيد. في نفس الوقت كان يشعر بالزهو أن يكون مشاركا في مقدمة تطور مبتكر مثل هذا؛ فهذا ما كان يمثل له منطقة التقاطع بين العولمة، ورأس المال الإنساني النزعة وتدويل الأبحاث الممتازة في علوم النانو. ففي الوقت الحالي كانت تبدو له هذه المصطلحات في غاية الجاذبية وهي تخرج من بين شفتيه، فمهما كان متعبا، بل وحتى لو كان نائما، كان يستطيع صياغتها والنطق بها؛ إذ كانت توفر عليه الوقت وتبدو مناسبة للتداول في المجتمعات التي يتحرك فيها. ولم يكن يضايقه أنه هو ذاته لا يفهمها أحيانا، فلم يكن الأمر متعلقا بما يقول على قدر تعلقه بالكيفية التي يقوله بها، لكنه يتمنى لو كان معه جهاز استشعار دقيق الحجم مثل الإبرة الصغيرة يغمسها في محلول نانوسنيف ليستكشف أسراره. أيا ما كان الأمر، فليس ثمة شك أن واحدا من أهم الإنجازات التقنية الطبية وصل إلى عقر داره، وهي خطوة مهمة على طريق تطبيقات النانو العلاجية. فلماذا الآن نعطي مانح العمل سببا لعدم الثقة؟ فحتى الآن أثبتت «مسبارات نانوسنيف» كفاءة كبيرة كوسائل مواصلات يمكن الاعتماد عليها بشكل كبير، وهذا الخبر السعيد جاء من معمله، وحتى الآن كل شيء يسير بشكل جيد، وسيظل أيضا يسير بشكل طيب. الشك هو آفة كبرى في هذا السباق. نانوسنيف يعمل بكفاءة. لقد تم تحقيق الأهداف المرجوة، كما أنه واحد من أعضاء الفريق المبتكر. «لكننا نريد المزيد»، اخترق صوت تورمان العميق أفكاره وهو يشير إلى صور الوجوه مكبرة الحجم على الحائط. «نريد أن نحصل الحكمة التي تختبئ في كل هذه الرءوس؛ ففيها يكمن ما نصبو إليه للمرحلة القادمة. إنها لتكاد تتحرك صوبنا مباشرة.» وبهذه الكلمات أعاد الصورة إلى حجمها الأول. وهنا أدرك شتورم أن الأمر أكثر من مجرد نقاش حول إمكانات التعاون مع شركته. كان تورمان قد ألمح بالأمس على العشاء أن اثنتين من أضخم شركات الأدوية تحومان حول بي آي تي، جالت عيناه حتى وصلت إلى ستيفن برايت. بالتأكيد ليست لينكس فارما بالشريك السيئ. «هل سمعتم من قبل أي شيء عن تعديلات التخلق المتوالي؟» طرح تورمان السؤال على مستمعيه، ثم أعطى من فوره الإجابة: «سأقول لكم. التخلق المتوالي هو ما يحدد ما ستئول إليه حياتنا، خصوصا لو كانت حياة مديدة. إنها بمثابة محكمة عليا، إما تقضي لجيناتنا بالكلام وإما تجبرها على السكوت. ونحن نعلم أن عمليات التولد الذاتي اللابنيوي في خلايانا تساهم بقدر لا يستهان به في أننا نشيخ، وفي الكيفية التي يحدث بها ذلك. الأمراض الناتجة عن تدهور الأعصاب وضعفها، العته، كل أشكال العجز الذهني التي تتواكب مع التقدم في السن، في كل ذلك يكمن مستقبل عملنا.» بدأت شقوق رفيعة تتخلل الصورة المعروضة على الحائط، ثم تفككت إلى مربعات صغيرة في ذات الوقت بدأت تتشكل من العمق صورة تشبه الزهرة الصغيرة تتحرك حركة لولبية في المقدمة. فكر شتورم أن هذا شكل ماندالا (شكل هندسي مشهور في العقيدة البوذية عبارة عن مربع داخله دائرة يعتقد بقدرته على تحقيق التوازن الإشعاعي)، لكنها لم تكن في صورة مستوية لأنها كانت طبيعية. تعرف فورا على التركيب الجزيئي للحمض النووي دي إن إيه.
أكمل تورمان محاضرته: «أنتم تشاهدون هنا نموذجا من داخل النيوكليوسوم. الأسطوانات الملونة في المنتصف هي بروتينات الهستونات، إنها تشكل ما يشبه المغزل الذي تلتف حوله خيوط الحمض النووي. المفترض أن الجينوم البشري يحتوي على خمسة وعشرين ألفا من مثل هذا النيوكليوسوم. ببساطة لكم أن تتخيلوا كتابا، فلنقل موسوعة مطبوعة على شريط رفيع، بدلا من طبعها على صفحة كبيرة الحجم، قام مجلد الكتاب بلفها بشكل دقيق وعناية فائقة حول سلسلة طويلة، بحيث يتمكن من برمها وتخزينها في درج، ومن حسن الحظ لم يستخدم الورق في الطباعة، وإنما مادة مطاطية تستطيعون مدها حين تريدون البحث المحدد عن مصطلح. ولكي تتمكنوا من قراءة النص، عليكم إبعاد الشريط المطاطي عن السلسلة، ولكي تفعلوا ذلك عليكم استخدام ملقاط؛ لأن الشريط المطبوع عليه النص في غاية الرقة، حتى أنكم لن تتمكنوا من إمساكه بين أصابعكم. تماما بهذه الطريقة تسير الأمور في النيوكليوسوم. مثل الملقاط الذي في أيديكم تقوم إنزيمات معينة في خلايانا النووية بحلحلة الرابطة بين مغزل الهستون وشريط الحمض النووي، هناك فقط يمكن قراءة كود الشريط الوراثي. لنقل الآن إن الموسوعة تقادمت مع الزمن، وإن شريط النص ملتصق فعلا في مناطق كثيرة، بحيث أصبح من الصعب عليكم فتحها ثانية، وكل فترة يزيد عدد النصوص التي لم تعد قراءتها ممكنة. كذلك الحال في خلايانا حين نهرم، مناطق مهمة من النصوص في مادتنا الوراثية تصبح مغلقة بالترباس إلى الأبد، فاقدة النطق، محبوكة، وهذه العملية هي التي نريد وقف أثرها من خلال تدخلنا العلاجي.» أومأ تورمان لزميلته في العمل إيماءة سريعة، فنهضت من فورها وفتحت نور الغرفة. «بفضل نانوسنيف تمكنا من تمرير بعض التسلسلات الوراثية في دماغ حيوانات التجارب، ونجمعها على معديات النانو ثم نرسلها تبحر إلى رحلتها. إنها الإنزيمات الوراثية، بمعنى أن وراء تسلسلها تكمن الإنزيمات المختلفة، والمحفزات التي من المفترض أن تتدخل في عمليات التولد الذاتي اللابنيوي. لنقل إننا نورد الملقاط، الأداة التي تحتاجها خلايا المخ من أجل إعادة فتح نصوص الجينوم التي تم إغلاقها بالترباس.» ونقل يده اليمنى فوق فمه. «لعلكم تجدون في هذا الكفاية، ستتفهمون أني لا أستطيع الحديث أكثر لأسباب متعلقة بأسرار الشركة.» وفي تلك اللحظة انسلت ليندا فارن إلى مقعدها ثانية. تعلقت عينا شتورم بمؤخرتها التي تتراقص مثل كرة مرحة تحت الفستان الأزرق الضيق؛ لكن صوت تورمان العميق أفسد عليه هذا السحر. «خبيرنا، البروفيسور شتورم، سيؤيد كلامي حين أقول إن أوائل تجارب ناقلات الجين باستخدام نانوسنيف واعدة بالنجاح.»
Shafi da ba'a sani ba