باشر ابن سعود إصلاحه الكبير بالواسطة الدينية، فكان يرسل المطاوعة إلى البادية؛ ليعلموا أهلها دين التوحيد والفرائض، ويزينوا لهم هجر ما هم فيه إلى إيمان يستشعرونه، وبيت يأوون إليه، وأرض يحرثونها.
وقد استخدم في التحضير القوة المدنية أيضا، فكان السيف يتقدم المطوع في بعض الأحايين أو يتبعه كما تقتضي الأحوال. تجاوز التطور في البدو حده الديني، فصاروا يهجرون ما هم فيه ليس إلى الله والتوحيد فقط، بل إلى الشريعة والنظام، وطاعة الحكام، واحترام حياة الأنام.
وكان ابن سعود يعين بقعة من الأرض فيها ماء لقبيلة أو لفخذ منها فتنزح إليها وتباشر بناية البيوت فيها. بيد أن الصعوبة الأولى التي تغلب دعاة الهجرة عليها هي الجمال. ومعلوم أن رزق البدوي أباعره، فما زالت عنده ما زالت البادية تستغويه، فيروح في ساعات الضجر طالبا الرزق حلالا أو غزوا حيث كان؛ لذلك جبر البدو على بيع جمالهم.
كان ابن سعود يساعد ماليا في بناء البيوت الجديدة، وقد أسست في سنة 1330 أول هجرة لعرب مطير؛ أي الأرطاوية شرقي بريدة وقرب الدهناء. أما تسميتها بالأرطاوية فهو لأن الأرطي، مرعى الإبل المعروف، يكثر في جوارها. إن هذه الهجرة لأكبر الهجر اليوم وأهمها. وقد تبعها كل سنة هجر عدة لقبائل حرب وعتيبة وقحطان وغيرها، حتى أصبح عددها سبعين هجرة ويزيد.
1
على أن هذه الهجر في بداية أمرها أورثت ابن سعود مشكلا آخر، وهو أن البدو بعد أن باعوا جمالهم وصاروا إخوانا يتعصبون بالعصابة البيضاء التي تميزهم عن الناس، أقاموا في الهجر لا يعملون شيئا في أيام السلم غير الصلاة. غدت بيوتهم مناسك، وقد نزلوها ابتغاء وجه الله. هجروا البادية حقيقة إلى الله والتوحيد فأصبحوا عالة على صاحب البلاد.
ولكن المصلح الكبير لا يعدم طريقة تنقذ إصلاحه من الخطر. فشحذ ذهنه واستعان على تلك الحالة بالعلماء، فجاء العلماء بالتاريخ وبأخبار السلف، فسلحوا بها المطاوعة، فراح هؤلاء يحاربون بها البطالة والكسل. راحوا يعلمون المتحضرين أن الزراعة والتجارة والصناعة لا تنافي الدين، وأن المؤمن الغني خير من المؤمن الفقير. «وهذا أبو بكر - كرم الله وجهه - كان يملك ثمانية آلاف رأس من الإبل والخيل، فهل تزدرون أيها الإخوان ما كان يرغب فيه أبو بكر؟ وهل تشكون في أن الله - سبحانه وتعالى - يفتح لكم، إذا أنتم زرعتم وتاجرتم، أبواب الثروة والجاه؟»
قد أفلح المطاوعة في تحبيب العمل والمال إلى الإخوان، فشرعوا يزرعون الأرض حول الهجر ويتاجرون، وقد نشأت بعض هذه القرى نشوءا سريعا فصارت تباري جاراتها القديمة بالزراعة والتجارة. على أن الزراعة والتجارة لم تضعف في أبناء هذه الهجر، في الإخوان، روح القتال، بل علمتهم فوق شجاعتهم شجاعة جديدة لا تعرف الخوف، ولا تهاب الموت. وما الشجاعة هذه غير بنت الإيمان الجديد الحي القوي، فإن إخوان مطير في الأرطاوية مثلا، وإخوان حرب في دخنة، وإخوان عتيبة في الغطغط، لأشد جيوش ابن سعود بأسا، وأبسلهم نضالا، وأسبقهم إلى الاستشهاد. كيف لا وقد قلدوا في تحضيرهم سيفين؛ سيف الدين وسيف الثبات؟! إنهم اليوم لغيرهم بالأمس فلا يشردون، ولا يتراجعون وقلما ينهزمون. إنهم يحاربون حبا بالاستشهاد والجنة، وحبا بالمحافظة على ما يملكون. صاروا يخافون النار ويخشون عاقبة الفرار.
لا، لم تقتل الهجر في أهلها غريزة الغزو، ولا أضعفتها، بل شحذتها في سبيل الله، وقيدتها بشروط تختص بتقسيم الغنائم. على أن توحيد السيادة العربية، السائرة البلاد نحوها، يضيق من طبعها مجال الغزو ويزيله في النهاية تماما. فلا تجد إذ ذاك العرب أعداء من العرب أو عربا مشركين للغزو والجهاد.
قلت مرة لعظمة السلطان: «وستكون الهجرة الثانية من الجهل إلى العلم إن شاء الله، فتؤسس المدارس ويتعلم الإخوان شيئا من العلوم التي من شأنها أن تحسن الصناعة والتجارة والزراعة في البلاد.» فأجاب عظمته: «كل شيء يجيء في وقته.»
Shafi da ba'a sani ba