Tarihin Khalifofi
تاريخ الخلفاء
Editsa
حمدي الدمرداش
Mai Buga Littafi
مكتبة نزار مصطفى الباز
Bugun
الطبعة الأولى
مقدمة
مقدمة المحقق
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه ملء السموات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد.
نحمده ﷾ ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك كله وإليه يرجع الأمر كله، بيده مقاليد السموات والأرض، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ويعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ويرفع من يشاء ويخفض من يشاء، وإليه المصير.
وأشهد أن سيدنا وإمامنا وحبيبنا وقائدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبيه، أول شافع وأول مشفع، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، ﷺ وبارك ما تزينت الأرض بتوحيد رب العالمين.
أما بعد....
فإن نبينا المصطفى قد افتتح تاريخ أمتنا الإسلامية، وخط بكفه الشريف أول كلمة في سطور ديوانه وصحائفه الخالدة، بعد هجرته النبوية الشريفة مباشرة، حينما وضع بيده المباركة أول حجر قام عليه مسجده الطاهر الذي أسس سعليه دولته التي امتدت وتوسعت وانتشرت ورفعت راياتها فوق كل بقعة من بقاع أرض الله.
وبعد أن أدى النبي ﷺ الرسالة وبلغ الأمانة وصعدت روحه الشريفة الطاهرة إلى بارئها، توكل الله بحفظ دينه، وأوكل برفع قواعده رجالًا، حملوا أمر تلك الدولة التي وضع أسسها نبي الله محمد ﷺ وأكملوا بكل ما آتاهم الله من قوة كتابة صحائف تاريخ الإسلام، فبلغ أمر الله شرق الأرض وغربها، ثم تحمل رجال آخرون مسئولية تدوين ما حدث في تلك القرون الماضية من خلافة وملك وما طرأ عليها من استقرار واضطراب، وما شهدت من بداية عهد قوم وانتهاء عهد آخرين.
وممن قام بحمل هذه الأمانة الجليلة الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الذي عنى بحفظ وتدوين تاريخ أمتنا الإسلامية في كتابه هذا الذي يبدأ بخلافة الصديق أبي بكر ﵁ وينتهي بعصر تأليف هذا الكتاب الذي سماه: تاريخ الخلفاء، وهو من الكتب الجليلة النافعة في هذا الميدان.
1 / 3
ولهذا رأت مكتبة نزار مصطفى الباز أن تعيد طباعة هذا الكتاب القيم فشرفتني بتكليفي بتحقيقه ليعم النفع جموع المسلمين وليزداد من أراد الاطلاع على تاريخ دولتنا الإسلامية معرفة بها وإدراكًا لجوانب قد تخفى عليه.
١- لما لم أقف على مخطوطة لهذا الكتاب، فقد قمت بمطابقة النسخ المطبوعة، واستخلصت منها هذه النسخة التي خرجت بهذه الصورة.
٢- قمت بعمل ترجمة للمؤلف، وحرصت أن تكون على لسانه؛ ولذا نقلتها عنه متحدثًا عن نفسه.
٣- قمت بتخريج الآيات القرآنية.
٤- قمت بتخريج الأحاديث الواردة في الكتاب بعزوها إلى مخرجيها.
٥- توضيح معاني الكلمات الغامضة والصعبة التي وردت في الكتاب.
٦- عمل فهرس الكتاب.
وأتركك عزيزي القارئ بين يدي الكتاب لتطالع ما أسهمت فيه من جهد متواضع بجانب ما بالكتاب من إبداع للمؤلف في سرد الحوادث التاريخية وترتيبها في إطار مادة علمية غزيرة، ومعرفة تاريخية واسعة.
المحقق: حمدي الدمرداش محمد
المنصورة
1 / 4
ترجمة المؤلف
...
ترجمة الإمام السيوطي
لم أقف على ترجمة للإمام السيوطي أوفى من ترجمته لنفسه في كتابه: حسن المحاضرة، حيث قال:
"وإنما ذكرت ترجمتي في هذا الكتاب اقتداء بالمحدثين قبلي فقل أن ألف أحد منهم تاريخًا إلا ذكر ترجمته فيه، وممن وقع له ذلك الإمام عبد الغافر الفارسي في: تاريخ نيسابور، وياقوت الحموي في: معجم الأدباء، ولسان الدين ابن الخطيب في: تاريخ غرناطة، والحافظ تقي الدين الفارسي في: تاريخ مكة، والحافظ أبو الفضل بن حجر في: قضاة مصر، وأبو شامة في: الروضتين، وهو أورعهم وأزهدهم فأقول: أما جدي الأعلى همام الدين، فكان من أهل الحقيقية ومن مشايخ الطرق ومن دونه كانوا من أهل الوجاهة والرياسة، منهم من ولي الحكم ببلده، ومنهم من ولي الحسبة بها، ومنهم من كان تاجرًا في صحبة الأمير شيخون، وبنى مدرسة بأسيوط ووقف عليها أوقافًا، ومنهم من كان متمولًا ولا أعلم من خدم العلم حق خدمته إلا والدي.
وأما نسبتنا بالخضيري فلا أعلم ما تكون إليه هذه النسبة إلا الخضيرية، محلة ببغداد، وقد حدثني من أثق به أنه سمع والدي ﵀ يذكر أن جده الأعلى كان أعجميًّا، أو من الشرق، فالظاهر أن النسبة إلى المحلة المذكورة.
وكان مولدي بعد المغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة وحملت في حياة أبي إلى الشيخ محمد المجذوب، رجل كان من كبار الأولياء بجوار المشهد النفيسي، فبرك علي، ونشأت يتيمًا فحفظت القرآن ولي دون ثماني سنين، ثم حفظت العمدة، ومنهاج الفقه والأصول، وألفية ابن مالك، وشرعت في الاشتغال بالعلم، من مستهل سنة أربع وستين فأخذت الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ، وأخذت الفرائض عن العلامة فرضى زمانه الشيخ شهاب الدين الشارمساحي الذي كان يقال: غنه بلغ السن العالية، وجاوز المائة بكثير -والله أعلم بذلك- قرأت عليه في شرحه على المجموع.
وأجزت بتدريس اللغة العربية في مستهل سنة ست وستين، وقد ألفت في هذه السنة، فكان أول شيء ألفته: شرح الاستعاذة والبسملة، وأوقفت عليه شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني، فكتب عليه تقريظًا، ولازمته في الفقه إلى أن مات، فلازمت ولده، فقرأت عليه من أول التدريب لوالده إلى الوكالة، وسمعت عليه من أول الحاوي الصغير إلى العدد، ومن أول المنهاج إلى الزكاة، ومن أول التنبيه إلى قريب من الزكاة، وقطعة من الروضة، وقطعة من تكملة شرح المنهاج للزركشي، ومن إحياء الموات إلى الوصايا أو نحوها.
وأجازني بالتدريس والإفتاء من سنة ست وسبعين، وحضر تصديري، فلما توفي لزمت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي، فقرأت عليه قطعة من المنهاج، وسمعته عليه في التقسيم
1 / 5
إلى مجالس فاتتني، وسمعت دروسًا في شرح البهجة ومن حاشيته عليها ومن تفسير البيضاوي.
ولزمت في الحديث والعربية شيخنا الإمام العلامة تقي الدين الشبلي الحنفي، فواظبت أربع سنين، وكتب لي تقريظًا على شرح ألفية ابن مالك وعلى جمع الجوامع في العربية تأليفي، وشهد لي غير مرة بالتقدم في العلوم بلسانه وبنانه، ورجع إلى قولي مجردًا في حديث، فإنه أورد في حاشيته على الشفاء حديث أبي الجمرا في الإسراء وعزاه إلى تخريج ابن ماجه، فاحتجت إلى إيراده بسنده، فكشفت ابن ماجه في مظنته فلم أجده فمررت على الكتاب كله فلم أجده فاتهمت نظري، فمررت مرة ثانية فلم أجده، فعدت ثالثة فلم أجده، ورأيته في معجم الصحابة لابن قانع، فجئت إلى الشيخ فأخبرته، فبمجرد ما سمع مني ذلك أخذ نسخته وأخذ القلم فضرب على لفظ: ابن ماجه، وألحق: ابن قانع، في الحاشية، فأعظمت ذلك وهبته لعظم منزلة الشيخ في قلبي واحتقاري في نفسي: فقلت: ألا تصبرون لعلكم تراجعون! فقال: إنما قلدت في قولي: ابن ماجه، البرهان الحلبي، ولم أنفك عن الشيخ إلى أن مات.
ولزمت شيخنا العلامة أستاذ الوجود محيي الدين الكافينجي أربع عشرة سنة، فأخذت عنه الفنون من التفسير والأصول والعربية والمعاني وغير ذلك، وكتب لي إجازة عظيمة، وحضرت عند الشيخ سيف الدين الحنفي دروسًا عديدة في الكشاف والتوضيح وحاشيته عليه وتلخيص المفتاح والعضد.
وشرعت في التصنيف في سنة ست وستين، وبلغت مؤلفاتي ثلاثمائة كتاب، سوى ما غسلته ورجعت عنه، وسافرت بحمد الله تعالى إلى بلاد الشام والحجاز واليمن والهند والمغرب والتكرور ولما حججت شربت من ماء زمزم لأمور: منها أن أصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر.
وأفتيت من مستهل سنة إحدى وسبعين، وعقدت إملاء الحديث من مستهل سنة اثنتين وسبعين، ورزقت التبحر في سبعة علوم: التفسير، والحديث، والفقه، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم السبعة سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحدمن أشياخي فضلًا عمن دونهم. أما الفقه: فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرًا، وأطول باعًا، ودون هذه السبعة في المعرفة: أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطب.
1 / 6
وأما علم الحساب: فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت إلى مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلًا أحمله.
وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد الله تعالى. أقول ذلك، تحدثًا بنعمة الله علي، لا فخرًا، وأي شيء في الدنيا حتى يطلب تحصيله بالفخر! وقد أزف الرحيل، وبدا الشيب، وذهب أطيب العمر، ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنفًا بأقوالها وأدلتها العقلية والقياسية، ومداركها ونقوضها، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل الله، لا بحولي ولا بقوتي، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد كنت في مبادئ الطلب قرأت شيئًا في المنطق، ثم ألقى الله كراهته في قلبي، وسمعت ابن الصلاح أفتى بتحريمه فتركته لذلك فعوضني الله تعالى عنه علم الحديث الذي هو أشرف العلوم.
وأما مشايخي في الرواية سماعًا وإجازة فكثير، أوردتهم في المعجم الذي جمعتهم فيه، وعدتهم نحو مائة وخمسين، ولم أكثر من سماع الرواية؛ لاشتغالي بما هو أهم، وهو قراءة الدراية١.
١ حسن المحاضرة "١: ٥٣٣-٩٣٣".
1 / 7
خطبة المؤلف وفيها بيان الداعي إل تأليف الكتاب
...
خطبةالمؤلف وفيها بيان الداعي إلى تأليف الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد حمد الله الذي وعد فوفى، وأوعد فعفا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء، ومسود الخلفاء، وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء؛ فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة، من عهد أبي بكر الصديق ﵁ إلى عهدنا هذا، على ترتيب زمانهم الأول فالأول، وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع أيامه من الحوادث المستغربة، ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة.
منها: أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة، ولذوي المعارب محبوبة، وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا، واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال، فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة، وأسهل في التحصيل، فأفردت كتابًا في الأنبياء -صلوات الله عليهم وسلامه- وكتابًا في الصحابة ملخصًا من: الإصابة، لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر١، وكتابًا حافلًا في طبقات المفسرين، وكتابًا وجيزًا في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي٢، وكتابًا جليلًا في طبقات النحاة واللغوين لم يؤلف قبله مثله، وكتابًا في طبقات الأصوليين، وكتابًا جليلًا في طبقات الأولياء، وكتابًا في طبقات الفرضيين، وكتابًا في طبقات البيانيين، وكتابًا في طبقات الكتَّاب -أعني أرباب الإنشاء- وكتابًا في طبقات أهل الخط المنسوب، وكتابًا في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية. وهذه تجمع غالب أعيان الأمة، واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك؛ لكثرته والاستغناء به، وكذلك اكتفيت في القراء بطبقات الذهبي، وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم؛ ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم؛ فأفردت لهم هذا الكتاب، ولم أورد أحدًا مما ادَّعى الخلافة خروجًا ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين.
ولم أورد أحدًا من الخلفاء العبيديين؛ لأن إمامتهم غير صحيحة، لأمور:
منها: أنهم غير قرشيين. وإنما سَمّتهم بالفاطميين جهَلة العوام، وإلا فجدهم مجوسي،
١ هو: شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي، شيخ الإسلام وإمام الحفاظ في زمانه، وحافظ الديار المصرية، قاضي القضاة ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، وعانى أولًا الأدب والشعر فبلغ فيه، ثم طلب الحديث من سنة أربع وتسعين وسبعمائة فسمع الكثير، وصنّف التصانيف التي عمّ النف بها كـ "شرح البخاري" و"تهذيب التهذيب" و"تقريب التهذيب" و"الإصابة في معرفة الصحابة". توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة.
٢ هو: الإمام الحافظ المحدث، خاتمة الحفاظ، ومؤرخ الإسلام، وفرد الدهر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز التركماني ثم الدمشقي المقرئ، ولد سنة ثلاث وسبعين وستمائة، وطلب الحديث وله ثماني عشرة سنة، فسمع الكثير ورحل وعنى بهذا الشأن إلى أن رسخت فيه قدمه وتعب فيه وخدمه. من مؤلفاته: "طبقات الحفاظ" و"مختصر تهذيب الكمال" و"المغني" وغيرها توفي الذهبي يوم الاثنين ثالث ذي القعدة سنة ثمانٍ وأربعين وسبعمائة بدمشق وأضر قبل موته بيسير.
1 / 9
قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، وكان أبوه حدادًا يهوديًّا نشابة، وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: القدّاح جد عبيد الله الذي يسمى بالمهدي كان مجوسيًّا، ودخل عبيد الله المغرب، وادّعى أنه علوي ولم يعرفه أحد من علماء النسب، وسَمّاهم جهلة الناس الفاطميين، وقال ابن خَلِّكان: أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد خلفاء مصر، حتى إن العزيز بالله بن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات:
إنا سمعنا نسبًا منكرًا ... يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقًا ... فاذكر أبًا بعد الأب السابع
وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع
أولًا دع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع
فإن أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع
وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتابًا سبه فيه وهجاه، فكتب إليه الأموي: "أما بعد: فإنك قد عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك" فاشتد ذلك على العزيز، فأفحمه عن الجواب -يعني أنه دعيٌ لا تعرف قبيلته.
قال الذهبي: المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدي ليس بعلوي، وما أحسن ما قاله حفيده المعز صاحب القاهرة -وقد سأله طباطبا العلوي عن نسبهم- فجذب نصف سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي، ونثر على الأمراء والحاضرين وقال: هذا حسبي.
ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سبّ الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له، والْخَيِّرُ منهم رافضي١ خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة ﵃ ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة، ولا تصح لهم إمامة.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد الله باطنيًّا٢ خبيثًا حريصًا على إزالة
١ هم: الذين كانوا مع زيد بن علي ثم تركوه؛ لأنهم طلبوا إليه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، فقال: لقد كانا وزيري جدي فلا أتبرأ منهما، فرفضوه وتفرقوا عنه والزيدية من الشيعة، وقد يطلق بعض الناس اسم الرفض على كل من يتولى أهل البيت.
٢ فرق الباطنية من أشد الفرق ضررًا على المسملين بل هي أشد ضررًا من اليهود والنصارى والمجوس وقد أسس دعوة الباطنية جماعة منهم: "ميمون بن ديصان" المعروف بالقدّاح، وكان مولى لجعر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز، ومنهم محمد بن الحسين الملقب بدندان وقد اجتمعوا مع ميمون بن ديصان في سجن والي العراق فأسسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية، ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن، وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس، وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم، وقد انتشرت دعوتهم، ولم يمكنهم إظهار عبادة النيران فاحتالوا بأن قالوا للمسلمين: ينبغي أن تجمر المساجد كلها، وقد قال عنهم صاحب "الفرق بين الفرق": هم أعظم ضررًا من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان.
1 / 10
ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء؛ ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج، وأشاعوا الرفض.
وقال الذهبي: كان القائم بن مهدي شرًّا من أبيه، زنديقًا، معلونًا، أظهر سب الأنبياء وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شرًّا من التتر.
وقال أبو الحسن القابسي: إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعبّاد أربعة آلاف رجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فياحبذا لو كان رافضيًّا فقط، ولكنه زنديق.
وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد -يعني خلفاء مصر- على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟ قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر، كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار؛ فلا يعذر أحد بالخوف من إقامته؛ لأن المقام في موضع يطلب من أهل تعطيل الشرائع لا يجوز، وإنما قام من أقام من الفقهاء على المباينة؛ لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم.
وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بين عبيد حال المرتدين والزنادقة؛ لما أظهروا من خلاف الشريعة.
وقال ابن خَلِّكَان: وقد كانوا يدعون علم المغيبات، وأخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد المنبر يومًا فرأى ورقة فيها مكتوب:
بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أعطيت علم الغيب ... بَيِّن لنا كاتب البطاقة
وكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا، والنصارى بابن نسطورا، وأذل المسلمين بك، إلا نظرت في أمري، وكان ميشا اليهودي عاملًا بالشام، وابن نسطورا النصراني بمصر.
ومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة فلا تصح؛ إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد، والصحيح المتقدم.
ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى ابن مريم أو المهدي؛ فعلم أن من تسمَّى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ.
فلهذه الأمور لم أذكر أحدًا من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج، وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة إمامته وعقد بيعته، وقد قدمت في أول الكتاب فصولًا فيها فوائد مهمة، وما أوردته من الوقائع الغريبة، والحوادث العجيبة، فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي، والعهدة في أمره عليه والله المستعان.
1 / 11
فصل: في بيان كونه ﷺ لم يستخلف وسر ذلك
قال البزار في مسنده: حدثنا عبد الفتاح بن وضاح الكوفي، حدثنا يحيى بن اليماني، حدثنا إسرائيل، عن أبي اليقظان، عن أبي وائل عن حذيفة، قال: قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف علينا؟ قال: "إني أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب" أخرجه الحاكم في المستدرك١، وأبو اليقظان ضعيف.
وأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
وأخرج أحمد والبيقهي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال: لما ظهر على يوم الجمل قال: أيها الناس، إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا، حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر، فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه، ثم إن أقوامًا طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها.
وأخرج الحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في الدلائل، عن أبي وائل قال: قيل لعلي: ألا تستخلف علينا؟ قال: ما استخلف رسول الله ﷺ فأستخلف، ولكن إن يرد الله بالناس خيرًا فسيجمعهم بعدي على خيرهم، كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم٣.
قال الذهبي: وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى علي ﵁ وقد قال هذيل بن شرحبيل: أكان أبو بكر يتأمر على علي وصي رسول الله ﷺ وود أبو بكر أنه وجد عهدًا من رسول الله ﷺ فخزم٤ أنفه بخزام؟. أخرجه ابن سعد، والبيهقي في الدلائل٥.
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال علي: لما قبض رسول الله ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدم أبا بكر في الصلاة؛ فرضينا لدنيانا عمن رضي رسول الله ﷺ عنه لديننا؛ فقدمنا أبا بكر.
وقال البخاري في تاريخه: روي عن ابن جمهان عن سفينة: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر
١ أخرجه الحاكم في المستدرك "٧٠/٣" عن حذيفة. وقال الحاكم: عثمان بن عمير هذا أبو اليقظان. وقال الذهبي: ضعفوه، وشريك لين الحديث.
٢ [متفق عليه] أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب الاستخلاف "٧٢١٨/١٣"، ومسلم "١٨٢٣/٣".
٣ أخرجه الحاكم في المستدرك "٧٩/٣"، والبيهقي في دلائل النبوة "٢٢٣/٧" عن أبي وائل. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
٤ خزم: البعير بالخزامة وهي حلقة من شعر تجعل في وترة الأنف يشد فيها الزمام، ويقال لكل مثقوب: مخزوم.
٥ أخرجه ابن سعد في الطبقات "٥٢٩/١"، والبيهقي في دلائل النبوة "٢٢٣/٧".
1 / 12
وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء بعدي قال البخاري: ولم يتابع على هذا؛ لأن عمر وعليًّا عثمان قالوا: لم يستخلف النبي ﷺ انتهى.
والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال: حدثنا أبو يعلى، حدثنا يحيى الجماني حدثنا حشرج عن سعيد بن جهمان عن سفينة: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد وضع في البناء حجرًا وقال لأبي بكر: "ضع حجرك إلى جنب حجري". ثم قال لعمر: "ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر". ثم قال لعثمان: "ضع حجرك إلى جنب حجر عمر". ثم قال: "هؤلاء الخلفاء بعدي" قال أبو زرعة: إسناده لا بأس به، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك، وصححه البيهقي في الدلائل وغيرها١.
قلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي: إنه لم يستخلف؛ لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد، وهذا إشارة وقعت قبل ذلك؛ فهو كقوله ﷺ في الحديث الآخر: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ٢ أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية، وكقوله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" ٣ وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة.
١ أخرجه الحاكم في المستدرك "١٣/٣"، والبيهقي في دلائل النبوة "٥٥٣/٢" عن سفينة. وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
٢ أخرجه الحاكم في المستدرك "٧٥/٢" عن حذيفة بن اليمان. وقال الحاكم: صحيح. ووافقه الذهبي.
٣ أخرجه الحاكم في المستدرك "٩٦،٩٥/١" عن العرباض بن سارية. وقال الحاكم: صحيح ليس له علة، ووافقه الذهبي.
فصل: في بيان أن الأئمة من قريش والخلافة فيهم
قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا سكين بن عبد العزيز عن سيار بن سلامة عن أبي برزة أن النبي ﷺ قال: "الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا، ووعدوا فوفوا، واسترحموا فرحموا" أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني٤.
وقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا أبو مريم الأنصاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة" ٥ إسناده صحيح.
وقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح عن كثير بن مرة عن عتبة بن عبدان، أن النبي ﷺ قال: "الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، والدعوة في الحبشة" ٦ رجاله موثقون.
٤ أخرجه أحمد في المسند "٤٢١/٤"، وأبو يعلى في مسنده "٣٦٤٤/٦"، والطبراني في الكبير "٧٢٥/١".
٥ أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب في فضل اليمن "٣٩٣٦/٥" عن أبي هريرة.
٦ أخرجه أحمد في المسند "١٨٥/٤" عن عتبة بن عبدان.
1 / 13