853

فنشب القتال والتحم الناس وتطارد الفرسان فإنهم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة فأخذته الخيول وسألوه الخبر فلم يخبرهم إلا بسلامة وأخبرهم عن أمداد وإنما جاء بموت أبي بكر رحمه الله وتأمير أبي عبيدة فأبلغوه خالدا فأخبره خبر أبي بكر أسره إليه وأخبره بالذي أخبر به الجند قال أحسنت فقف وأخذ الكتاب وجعله في كنانته وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتثر له أمر الجند فوقف محمية بن زنيم مع خالد وهو الرسول وخرج جرجة حتى كان بين الصفين ونادى ليخرج إلي خالد فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه فوافقه بين الصفين حتى اختلفت أعناق دابتيهما وقد أمن أحدهما صاحبه فقال جرجة يا خالد أصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم قال لا قال فبم سميت سيف الله قال إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعا ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه فقال أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين قال صدقتني ثم أعاد عليه جرجة يا خالد أخبرني إلام تدعوني قال إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والإقرار بما جاء به من عند الله قال فمن لم يجبكم قال فالجزية ونمنعهم قال فإن لم يعطها قال نؤذنه بحرب ثم نقاتله قال فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا وأولنا وآخرنا ثم أعاد عليه جرجة هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل مالكم من الأجر والذخر قال نعم وأفضل قال وكيف يساويكم وقد سبقتموه قال إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا نبينا صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب ويرينا الآيات وحق لمن رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا أن يسلم ويبايع وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا قال جرجة بالله لقد صدقتني ولم تخادعني ولم تألفني قال بالله لقد صدقتك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة وإن الله لولي ما سألت عنه فقال صدقتني وقلب الترس ومال مع خالد وقال علمني الإسلام فمال به خالد إلى فسطاطه فشن عليه قربة من ماء ثم صلى ركعتين وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد وهم يرون أنها منه حملة فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية عليهم عكرمة والحارث بن هشام وركب خالد ومعه جرجة والروم خلال المسلمين فتنادى الناس فثابوا وتراجعت الروم إلى مواقفهم فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجة من لدن ارتفاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب ثم أصيب جرجة ولم يصل صلاة سجد فيها إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما وصلى الناس الأولى والعصر إيماء وتضعضع الروم ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم وكان مقاتلهم واسع المطرد ضيق المهرب فلما وجدت خيلهم مذهبا ذهبت وتركوا رجلهم في مصافهم وخرجت خيلهم تشتد بهم في الصحراء وأخر الناس الصلاة حتى صلوا بعد الفتح ولما رأى المسلمون خيل الروم توجهت للهرب أفرجوا لها ولم يحرجوها فذهبت فتفرقت في البلاد وأقبل خالد والمسلمون على الرجل ففضوهم فكأنما هدم بهم حائط فاقتحموا في خندقهم فاقتحمه عليهم فعمدوا إلى الواقوصة حتى هوى فيها المقترنون وغيرهم فمن صبر من المقترنين للقتال هوى به من خشعت نفسه فيهوي الواحد بالعشرة لا يطيقونه كلما هوى اثنان كانت البقية أضعف فتهافت في الواقوصة عشرون ومائة ألف ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق سوى من قتل في المعركة من الخيل والرجل فكان سهم الفارس يومئذ ألفا وخمسمائة وتجلل الفيقار وأشراف من أشراف الروم برانسهم ثم جلسوا وقالوا لا نحب أن نرى يوم السوء إذ لم نستطع أن نرى يوم السرور وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانية فأصيبوا في تزملهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان عن خالد وعبادة قالا أصبح خالد في تلك الليلة وهو في رواق تذارق لما دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله وقاتل الناس حتى أصبحوا كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان الغساني عن أبيه قال قال عكرمة بن أبي جهل يومئذ قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا وقتلوا إلا من برأ ومنهم ضرار بن الأزور قال وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء ويقول كلا زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عميس عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أمامة وكان شهد اليرموك هو وعبادة بن الصامت أن النساء قاتلن يوم اليرموك في جولة فخرجت جويرية ابنة أبي سفيان في جولة وكانت مع زوجها وأصيبت بعد قتال شديد وأصيبت يومئذ عين أبي سفيان فأخرج السهم من عينه أبو حثمة كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد بن أرطاة بن جهيش قال كان الأشتر قد شهد اليرموك ولم يشهد القادسية فخرج يومئذ رجل من الروم فقال من يبارز فخرج إليه الأشتر فاختلفا ضربتين فقال للرومي خذها وأنا الغلام الإيادي فقال الرومي أكثر الله في قومي مثلك أما والله لو أنك من قومي لآزرت الروم فأما الآن فلا أعينهم كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن أبي عثمان وخالد وكان ممن أصيب في الثلاثة الآلاف الذين أصيبوا يوم اليرموك عكرمة وعمرو بن عكرمة وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وأبان بن سعيد وأثبت خالد بن سعيد فلا يدري أين مات بعد وجندب بن عمرو بن حممة الدوسي والطفيل بن عمرو وضرار بن الأزور أثبت فبقي وطليب بن عمير بن وهب من بني عبد بن قصي وهبار بن سفيان وهشام بن العاصي كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال لقي خالدا مقدمه الشأم مغيثا لأهل اليرموك رجل من روم العرب فقال يا خالد إن الروم في جمع كثير مائتي ألف أو يزيدون فإن رأيت أن ترجع على حاميتك فافعل فقال خالد أبالروم تخوفني والله لوددت أن الأشقر براء من توجيه وأنهم أضعفوا ضعفهم فهزمهم الله على يديه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن المستنير بن يزيد عن أرطاة بن جيش قال قال خالد يومئذ الحمد لله الذي قضى على أبي بكر بالموت وكان أحب إلي من عمر والحمد لله الذي ولى عمرا وكان أبغض إلي من أبي بكر ثم ألزمني حبه كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وعمرو بن ميمون قالوا وقد كان هرقل حج قبل مهزم خالد بن سعيد فحج بيت المقدس فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقرب الجنود منه فجمع الروم وقال أرى من الرأي ألا تقاتلوا هؤلاء القوم وأن تصالحوهم فوالله لأن تعطوهم نصف ما أخرجت الشأم وتأخذوا نصفا وتقر لكم جبال الروم خير لكم من أن يبلغوكم على الشأم ويشاركوكم في جبال الروم فنخر أخوه ونخر ختنه وتصدع عنه من كان حوله فلما رآهم يعصونه ويردون عليه بعث أخاه وأمر الأمراء ووجه إلى كل جند جندا فلما اجتمع المسلمون أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين فنزلوا بالواقوصة وخرج فنزل حمص فلما بلغه أن خالدا قد طلع على سوى وانتسف أهله وأموالهم وعمد إلى بصرى وافتتحها وأباح عذراء قال لجلسائه ألم أقل لكم لا تقاتلوهم فإنه لا قوام لكم مع هؤلاء القوم إن دينهم دين جديد يجدد لهم ثبارهم فلا يقوم لهم أحد حتى يبلى فقالوا قاتل عن دينك ولا تجبن الناس واقض الذي عليك قال وأي شيء أطلب إلا توفير دينكم ولما نزلت جنود المسلمين اليرموك بعث إليهم المسلمون إنا نريد كلام أميركم وملاقاته فدعونا نأته ونكلمه فأبلغوه فأذن لهم فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان كالرسول والحارث بن هشام وضرار بن الأزور وأبو جندل بن سهيل ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رواقا في عسكره وثلاثون سرادقا كلها من ديباج فلما انتهوا إليها أبوا أن يدخلوا عليه فيها وقالوا لا نستحل الحرير فابرز لنا فبرز إلى فرش ممهدة وبلغ ذلك هرقل فقال ألم أقل لكم هذا أول الذل أما الشأم فلا شأم وويل للروم من المولود المشؤوم ولم يتأت بينهم وبين المسلمين صلح فرجع أبو عبيدة وأصحابه واتعدوا فكان القتال حتى جاء الفتح كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مطرح عن القاسم عن أبي أمامة وأبي عثمان عن يزيد بن سنان عن رجال من أهل الشأم ومن أشياخهم قالوا لما كان اليوم الذي تأمر فيه خالد هزم الله الروم مع الليل وصعد المسلمون العقبة وأصابوا ما في العسكر وقتل الله صناديدهم ورؤوسهم وفرسانهم وقتل الله أخا هرقل وأخذ التذارق وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دون مدينة حمص فارتحل فجعل حمص بينه وبينهم وأمر عليها أميرا وخلفه فيها كما كان أمر على دمشق وأتبع المسلمون الروم حين هزموهم خيولا يثفنونهم ولما صار إلى أبي عبيدة الأمر بعد الهزيمة نادى بالرحيل وارتحل المسلمون بزحفهم حتى وضعوا عساكرهم بمرج الصفر قال أبو أمامة فبعثت طليعة من مرج الصفر معي فارسان حتى دخلت الغوطة فجستها بين أبياتها وشجراتها فقال أحد صاحبي قد بلغت حيث أمرت فانصرف لا تهلكنا فقلت قف مكانك حتى تصبح أو آتيك فسرت حتى دفعت إلى باب المدينة وليس في الأرض أحد ظاهر فنزعت لجام فرسي وعلقت عليها مخلاتها وركزت رمحي ثم وضعت رأسي فلم أشعر إلا بالمفتاح يحرك عند الباب ليفتح فقمت فصليت الغداة ثم ركبت فرسي فحملت عليه فطعنت البواب فقتلته ثم انكفأت راجعا وخرجوا يطلبونني فجعلوا يكفون عني مخافة أن يكون لي كمين فدفعت إلى صاحبي الأدنى الذي أمرته أن يقف فلما رأوه قالوا هذا كمين انتهى إلى كمينه فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني فسرنا حتى انتهينا إلى المسلمين وقد عزم أبو عبيدة ألا يبرح حتى يأتيه رأي عمر وأمره فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دمشق وخلف باليرموك بشير بن كعب بن أبي الحميري في خيل كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عبدالله بن سعيد عن أبي سعيد قال قال قباث كنت في الوفد بفتح اليرموك وقد أصبنا خيرا ونفلا كثيرا فمر بنا الدليل على ماء رجل قد كنت اتبعته في الجاهلية حين أدركت وآنست من نفسي لأصيب منه كنت دللت عليه فأتيته فأخبرته فقال قد أصبت فإذا ريبال من ريابلة العرب قد كان يأكل في اليوم عجز جزور بأدمها ومقدار ذلك من غير العجز ما يفضل عنه إلا ما يقوتني وكان يغير على الحي ويدعني قريبا ويقول إذا مر بك راجز يرتجز بكذا وكذا فأنا ذلك فشل معي فمكثت بذلك حتى أقطعني قطيعا من مال وأتيت به أهلي فهو أول مال أصبته ثم إني رأست قومي وبلغت مبلغ رجال العرب فلما مر بنا على ذلك الماء عرفته فسألت عن بيته فلم يعرفوه وقالوا هو حي فأتيت ببنين استفادهم بعدي فأخبرتهم خبري فقالوا اغد علينا غدا فإنه أقرب ما يكون إلى ما تحب بالغداة فغاديتهم فأدخلت عليه فأخرج من خدره فأجلس لي فلم أزل أذكره حتى ذكر وتسمع وجعل يطرب للحديث ويستطعمنيه وطال مجلسنا وثقلنا على صبيانهم ففرقوه ببعض ما كان يفرق منه ليدخل خدره فوافق ذلك عقله فقال قد كنت وما أفزع فقلت أجل فأعطيته ولم أدع أحدا من أهله إلا أصبته بمعروف ثم ارتحلت كتب إلي السري عن سيف عن أبي سعيد المقبري قال قال مروان بن الحكم لقباث أانت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله أكبر مني وأنا أقدم منه قال فما أبعد ذكرك قال خثي الفيل لسنة قال وما أعجب ما رأيت قال رجل من قضاعة إني لما أدركت وآنست من نفسي سألت عن رجل أكون معه وأصيب منه فدللت عليه واقتص هذا الحديث

Shafi 340