Tarihin Tabari
تاريخ الطبري
وجائز أن يكون الله تعالى ذكره خلقهما شمسين من نور عرشه ثم محا نور القمر بالليل على نحو ما قاله من ذكرنا قوله فكان ذلك سبب اختلاف حالتيهما وجائز أن يكون إضاءة الشمس للكسوة التي تكساها من ضوء العرش ونور القمر من الكسوة التي يكساها من نور الكرسي
ولو صح سند أحد الخبرين اللذين ذكرتهما لقلنا به ولكن في أسانيدهما نظرا فلم نستجز قطع القول بتصحيح ما فيهما من الخبر عن سبب اختلاف حال الشمس والقمر غير أنا بيقين نعلم أن الله عز وجل خالف بين صفتيهما في الإضاءة لما كان أعلم به من صلاح خلقه باختلاف أمريهما فخالف بينهما فجعل أحدهما مضيئا مبصرا به والآخر ممحو الضوء
وإنما ذكرنا قدر ما ذكرنا من أمر الشمس والقمر في كتابنا هذا وإن كنا قد أعرضنا عن ذكر كثير من أمرهما وأخبارهما مع إعراضنا عن ذكر بدء خلق الله السموات والأرض وصفة ذلك وسائر ما تركنا ذكره من جميع خلق الله في هذا الكتاب لأن قصدنا في كتابنا هذا ذكر ما قدمنا الخبر عنه أنا ذاكروه فيه من ذكر الأزمنة وتأريخ الملوك والأنبياء والرسل على ما قد شرطنا في أول هذا الكتاب وكانت التأريخات والأزمنة إنما توقت بالليالي والأيام التي إنما هي مقادير ساعات جري الشمس والقمر في افلاكهما على ما قد ذكرنا في الأخبار التي رويناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما كان قبل خلق الله عز ذكره إياهما من خلقه في غير أوقات ولا ساعات ولا ليل ولا نهار
وإذ كنا قد بينا مقدار مدة ما بين أول ابتداء الله عز وجل في إنشاء ما أراد إنشاءه من خلقه إلى حين فراغه من إنشاء جميعهم من سني الدنيا ومدة أزمانها بالشواهد التي استشهدنا بها من الآثار والأخبار وأتينا على القول في مدة ما بعد أن فرغ من خلق جميعه إلى فناء الجميع بالأدلة التي دللنا بها على صحة ذلك من الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وغيرهم من علماء الأمة وكان الغرض في كتابنا هذا ذكر ما قد بينا أنا ذاكروه من تأريخ الملوك الجبابرة العاصية ربها عز وجل والمطيعة ربها منهم وأزمان الرسل والأنبياء وكنا قد أتينا على ذكر ما به تصح التأريخات وتعرف به الأوقات والساعات وذلك الشمس والقمر اللذان بأحدهما تدرك معرفة ساعات الليل وأوقاته وبالآخر تدلاك علم ساعات النهار وأوقاته فلنقل الآن في أول من أعطاه الله ملكا وأنعم عليه فكفر نعمته وجحد ربوبيته وعتا على ربه واستكبر فسلبه الله نعمته وأخزاه وأذله ثم نتبعه ذكر من استن في ذلك سنته واقتفى فيه أثره فأحل الله به نقمته وجعله من شيعته وألحقه به في الخزي والذل ونذكر من كان بإزائه أو بعده من الملوك المطيعة ربها المحمودة آثارها أو من الرسل والأنبياء إن شاء الله عز وجل
فأولهم وإمامهم في ذلك ورئيسهم وقائدهم فيه إبليس لعنه الله
وكان الله عز وجل قد أحسن خلقه وشرفه وكرمه وملكه على سماء الدنيا والأرض فيما ذكر وجعله مع ذلك من خزان الجنة فاستكبر على ربه وادعى الربوبية ودعا من كان تحت يده فيما ذكر إلى عبادته فمسخه الله تعالى شيطانا رجيما وشوه خلقه وسلبه ما كان حوله ولعنه وطرده عن سمواته في العاجل ثم جعل مسكنه ومسكن أتباعه وشيعته في الآخرة نار جهنم نعوذ بالله من غضبه ومن عمل يقرب من غضبه ومن الحور بعد الكور
Shafi 54