309

قال ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم ونسوا ما كان الله صنع بهم وما نجاهم من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله عز وجل إلى إرميا أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمي عليهم وعرفهم إحداثهم فقال إرميا إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطئ إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني قال الله عز وجل ألم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب كلها والألسن بيدي أقلبها كيف شئت فتطيعني وأني أنا الله الذي لا شيء مثلي قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي وأنا كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها فعقلت أمري وحددت عليها بالبطحاء فلا تعدى حدي تأتي بأمواج كالجبال حتى إذا بلغت حدي ألبستها مذلة طاعتي خوفا واعترافا لأمري إني معك ولن يصل إليك شيء معي وإني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي ونستحق بذلك مثل أجر من اتبعك منهم لا ينقص ذلك من أجوره مشيئا وإن تقصر به عنها تستحق بذلك مثل وزر من تركت في عماه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا انطلق إلى قومك فقل إن الله ذكر بكم صلاح آبائكم فحمله ذلك على أن يستتيبكم يا معشر الأبناء وسلهم كيف وجد آباءهم مغبة طاعتي وكيف وجدوا هم مغبة معصيتي وهل علموا أن أحدا قبلهم أطاعني فشقي بطاعتي أو عصاني فسعد بمعصيتي وأن الدواب مما تذكر أوطانها الصالحة تنتابها وأن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم دوني ويحكمون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وغروهم مني وأما أمراؤهم وقادتهم فبطروا نعمتي وأمنوا مكري ونبذوا كتابي ونسوا عهدي وغيروا سنتي وادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي فهم يطيعونهم في معصيتي ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جرأة علي وغرة وفرية علي وعلى رسلي فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي وهل ينبغي أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيتعبدون في المساجد ويتزينون بعمارتها لغيري لطلب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير العلم ويتعلمون فيها لغير العمل وأما أولاد الأنبياء فمكثورون مقهورون مغترون يخوضون مع الخائضين فيتمنون علي مثل نصرة آبائهم والكرامة التي أكرمتهم بها ويزعمون أن لا أحد أولى بذلك منهم مني بغير صدق ولا تفكر ولا تدبر ولا يذكرون كيف نصر آبائهم لي وكيف كان جدهم في أمري حين غير المغيرون وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون فأطولت لهم وصفحت عنهم لعلهم يرجعون وأكثرت ومددت لهم في العمر يتفكرون فأعذرت وفي كل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو فلا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني فحتى متى هذا أبي يتمرسون أم إياي يخادعون فإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ويضل فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرأفة والرحمة والليان يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم له عساكر مثل قطع السحاب ومراكب أمثال العجاج كأن خفيق راياته طيران النسور وكأن حملة فرسانه كرير العقبان

ثم أوحى الله عز وجل إلى إرميا أني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث أهل بابل فهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام فلما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فقال ملعون يوم ولدت فيه ويوم لقنت فيه التوراة ومن شر ايامي يوم ولدت فيه فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو شر علي لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك

فلما سمع الله عز وجل تضرع الخضر وبكاءه وكيف يقول ناداه يا إرميا أشق عليك ما أوحيت لك قال نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه وطابت نفسه وقال لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا

ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره بما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا وإن عفا عنا فبقدرته

ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها فقال لهم ملكهم يا بني إسرائيل انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله وقبل أن يبعث الله عليكم قوما لا رحمة لهم بكم فإن ربكم قريب التوبة مبسوط اليدين بالخير رحيم بمن تاب إليه فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء مما هم عليه وإن الله ألقى في قلب بختنصر بن نبوزراذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر ونمروذ صاحب إبراهيم عليه السلام الذي حاجه في ربه أن يسير إلى بيت المقدس ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم فأرسل الملك إلى إرميا فجاءه فقال يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك ألا يهلك أهل بيت المقدس حتى يكون منك الأمر في ذلك فقال إرميا للملك إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق

Shafi 322