301

فلما قال ذلك شعيا لصديقة أقبل على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى وقال وهو يبكي ويتضرع إلى الله بقلب مخلص وتوكل وصبر وظن صادق اللهم رب الأرباب وإله الآلهة القدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم المترحم الرؤوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي وسري وعلانيتي لك وإن الرحمن استجاب له وكان عبدا صالحا فأوحى الله إلى شعيا فأمره أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه وقد رأى بكاءه وقد أخر أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي

فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن قل للملك صديقة فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى ويصبح وقد برئ ففعل ذلك فشفي وقال الملك لشعيا النبي سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا فقال الله لشعيا النبي قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنحاريب وخمسة من كتابه

فلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنحاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة وخمسة من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس حتى كانت العصر ثم قال لسنحاريب كيف ترى فعل ربنا بكم ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون فقال سنحاريب له قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا قلة عقلي ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت علي وعلى من معي فقال ملك بني إسرائيل الحمد لله رب العزة الذي كفاناكم بما شاء إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامة لك عليه ولكنه إنما أبقاك ومن معك إلى ما هو شر لك ولمن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا ولتنذروا من بعدكم ولولا ذلك ما أبقاكم ولدمك ودم من معك أهون على الله من دم قراد لوقتلته

ثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم فقال سنحاريب لملك بني إسرائيل القتل خير مما تفعل بنا فافعل ما أمرت فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعيا النبي أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ النبي شعيا الملك ذلك ففعل فخرج سنحاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفوا به ثم كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ثم لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات

Shafi 314